في أحد الأيام العادية جدا استقبلت قرية (بني زيد) التابعة لمركز القوصية شمالي أسيوط مولودا جديدا لأسرة بسيطة...كان أبوه يعمل مُزارعا في الأرض يكدح تحت أشعة الشمس وكل ما يرجوه من الدنيا قوت يومه، وأمنيته الوحيدة هي أن يصل بأولاده إلي بر الأمان... يسعي كل يوم وراء رزق قد يدركه وقد لا يدركه ولكنه كان دائما عبدا شاكرا ربه حامدا له علي المُر قبل الحلو.. حين ضاقت به سُبل الحياة أضطر الرجل إلي إبعاد إبنه عن المدرسة وهو في الصف الرابع الإبتدائي قائلا له: " يا محمود يابني إحنا ناس علي قد حالنا يمكن أنا مش قادر النهاردة أخليك في المدرسة علشان تطلع متعلم زي زمايلك، لكن يابني علي عيني والله العين بصيرة والأيد قصيرة.. والدنيا أحسن مدرسة..سامحني"... أصبح محمود هو الساعد الأيمن لأبيه في الأرض وتعلم أن الحصاد الجيد ليس إلا نتاجاً للزرع والري والرعاية الدقيقة...فمن جد وجد ومن زرع حصد... حين التحق محمود بالخدمة العسكرية قاده قدره لسلاح تعلم فيه القيادة ليصبح فيما بعد سائقا مُحترفا، وبعد انتهاء خدمته العسكرية قرر أن يطرق باب الرزق خارج الوطن الذي شعر فيه بالغربة والتمزق أمام الحاجة...قضي محمود سبعة عشر شهرا في الغُربة ذاق فيها طعم المال ولكنه عرف أيضا مرارة السفر وقسوة الحياة فوق تُراب أرض لم يولد من رحِمها ولا يحمل جنسيتها، فقرر في لحظة حنين أن يعود...لقد أشتاق إلي رائحة بيت العائلة ودفء مشاعر الأصدقاء وصوت أذان المغرب في رمضان...باختصار اشتاق إلي طعم الوطن.. إشتري محمود بكل ما تمكن من تحويشة قطعة أرض في منطقة (عرب غُنيم) بحلوان ونجح في الحصول علي عمل كسائق بشركة المقاولون العرب.. تزوج من إبنة عمه وأنجب منها أولادا وبناتا أصبحوا هم قُرة عينه ونبض قلبه...إلي أن أختبره الله بوفاة أحد أبنائه إثر حادث سيارة وعلي سبيل التعويض دفعت له أسرة الجاني ثلاثين ألف جنيه، بالقطع لم يشفواغليله في وقتها ولم يتمكنوا من عودة النوم إلي جفونه التي ذبُلت من كثرة البكاء علي فلذة كبده ولكنه علي الأقل كان قد قرر أن يصرف هذه النقود لتحسين حال أبنائه الباقين... أصبح محمود في غضون سنوات قليلة واحدا من السائقين المُحترفين قليلي المشاكل بالشركة... الجميع يشهد له بحسن السير والسلوك.. أصر محمود علي تعليم أبنائه ليوفر لهم الفرصة التي حُرم هو شخصيا منها.. وكانت سمعته في المنطقة هو وأسرته طيبة ولا يختلف أثنان علي كونهم ناس طيبين. قرر عم محمود جراء عمليات التنقيب عن الآثار التي تتم في منطقته السكنية من كل البيوت المُحيطة به علي أمل أن تنتقل حياة أحدهم بعد عثوره علي كنز إلي طبقة أُخري من طبقات المجتمع الذي يسمعون عنه ولم يروه.. قرر أن يشتري سلاحاً بفلوس العوض التي أخذها في إبنه!!...هل كان يريد أن يحمي نفسه حقا من سقوط المنزل فوقه؟؟ أم كان يحلم هو الأخر بحلم المال وفتنة الثراء؟؟ أم ضرب الدم الصعيدي في نافوخه من الإستهزاء الذي سمعه من زملائه؟؟... العلم عند الله.. ولكن حيث أن الأسباب دائما ما تتعدد ويبقي الموت واحد... فقد أنتقل عم محمود صباح الثلاثاء قبل الماضي في تمام الثامنة وأربعين دقيقة من خانة المواطن المُسالم إلي خانة القاتل المُحترف ومن ثم إلي مُتهم في محكمة الجنايات!! شئ ما تغير في السنوات الأخيرة...لقد بدأت أحلام الثراء السريع تُداعب خيال الجميع فالناس الأكابر لهم شاليهات في مارينا وسيارات أخر موديل ويقضون الصيف في باريس والشتاء في سويسرا، يرتدون أغلي الماركات وينفقون علي المظاهر نقودا بلا حساب ولم يفكر واحد منهم في حقوق الناس الغلابة ولا حتي في شعورهم...فالإستفزاز حاصر الفقراء في كل مكان... يموت الواحد منهم وهو لا يمتلك ثمن الدواء ويقف بالشهور أمام أبواب المستشفيات الحكومية علي أمل أن يجد سريراً خالياً...وهو يقرأ كل يوم عن أبناء المقتدرين والوزراء وهم يعالجون علي حساب الدولة.. وكأن الدولة ليست إلا دولة أصحاب النفوذ.. تئن برامج التوك شو كل يوم بساكني العشوائيات التي تأكل الفئران أبنائهم أحياءا وهم مكتوف الأيدي، وبعضهم إختلطت عنده مياه الصرف بمياه المجاري وهم لازالوا يشربون منها ويستحمون بها ولا يملكون سوي الدعاء.. وبرغم الفضائيات فأصواتهم لم تُحرك ساكنا ولم توقظ ضمائرا ماتت بلا أمل في الإستيقاظ، منهم من ينام في الشارع ومنهم من ينام داخل كرتونة ثلاجة ولم تتسائل الحكومة يوما أين هؤلاء حتي تمد لهم يد المُساعدة...وعلي المحطات الفضائية الأخري سيل من المسلسلات والأفلام التي تظهر طبقة الأغنياء وكأنهم في دنيا أخري (أكل ومرعة وقلة صنعة)!!...أبناء الواسطة من الشباب المُعينين بلا لزمة تصل مرتباتهم إلي مائة ألف جنيه شهريا! وأغلب الكادحين يعملون ليل نهار من أجل خمسمائة جنيه وربما أقل!.. كيف يحدُث توازن داخل مجتمع بهذا التناقض؟!... إن حادثة التصفية الجسدية الشنعاء التي قام بها المواطن المصري (محمود طه أحمد سويلم) ليست فريدة من نوعها ولكنها قد تبدو جديدة علي مجتمعنا المصري الذي كان يوما مجتمع الأمن والأمان... لا أتلمس العذر لإنسان تجرد من المشاعر الإنسانية وقتل زملاؤه أيا كانت أسبابه، ولكنني أتساءل لماذا لا نبحث في خلفياته قبل إعدامه... فمحمود مواطن مثل ألاف المواطنين الذين يكدحون ويحلمون ويتمسكون بالأمل..وبفهلوة المصريين المعتادة يبحثون عن الكسب السهل السريع... هل كان يبحث عن آثار؟ أم كان ضد البحث عنها؟! ولماذا لا يدق هذا ناقوس خطر لما تحمله هذه العملية من خطورة علي المناطق السكنية الأهلة بالسكان، ولما تحمله بالقطع من التجرد من كل شعور بالإنتماء للوطن؟؟ هل فاق الفقر كل حدود حتي أصبح الانتماء أكذوبة؟!.. وكيف نُنمي هذا الشعور لدي أبناؤنا الذين فقدوا القدوة والمثل والحرية؟؟. إن المواطن المصري يدخل في دوامة منذ أن يخرج من بيته وحتي يعود إليه إما غانما أو خاسرا !!... المُعاناة حولت الناس إلي وحوش وأصبح الوطن حلبة مُصارعة البقاء فيها للأقوي والأقوي طبعا هو الأغني صاحب النفوذ!! إن قصة محمود حدوتة مصرية تتكرر بألف شكل وتحدث تحت كل مُسمي...ولسوف تبتلع كل شئ جميل لو ظللنا غافلين عنها، مُعطين ظهورنا لها، ناكرين وجودها في حياتنا... لابد من رفع العبء من فوق أكتاف المواطن المصري.. سواء كان هذا العبء ماديا أو نفسيا... إن ذنب هذا الرجل وذنب الأبرياء الذين قتلهم وذنب كل الغلابة الكادحين في رقبة هذا المجتمع الذي داس علي البعض ورفع البعض الآخر..فأصبح التفاوت الرهيب بين من له كل الحقوق ومن يبحث علي أبسط حقوقه فجوة حقيقية في كيان مصر...العدالة هي السيف الذي سوف يرفع البلاء عن مصر...ولتكن الرحمة هي أول مطالب هذه العدالة الإنسانية..