كان للفئران الملونة دور حاسم في توسعة دارنا، فحين ملأت فئران البيوت الرمادية جدار دارنا الشرقي بالثقوب انهار الجدار، وانفتحت دارنا علي جرن ملئ بأكوام السباخ وجحافل من خنافس وفئران وسحالي صغيرة، بعد شهور نجحنا في ضم جزء من الجرن إلي دارنا وأقمنا حائطا شرقيا أكثر ارتفاعا، وفي أيام وشهور تالية طاردت عائلتنا فئران البيوت الرمادية بالصيحات وضربات العصي ومواء القطط ومحارق البخور. وكان للفئران دور في الحفاظ علي ثرائنا، فحين اشتري خالي العظيم سبعة قراريط زراعية زجّ باسم عائلتنا لأول مرّة في عالم مٌلاّك الأراضي، وفي اليوم التالي لحصاد أول قمح من غيط خالي نشرنا بين الناس أن فئران الغيط السوداء هاجمت القمح، كانت وفرة المحصول وادعاء هجوم الفئران مبررات كافية لأن نقيم محرقة كبيرة لفئران الغيط، يومها أشعلنا صدر الغيط بالنيران ندفع بها عيون الحاسدين بعيدا عن محاصيلنا ومداراة لفحولة شبابنا. وكان للفئران دورً حاسم في إنجاب وريث شرفنا الرفيع، الولد الفار ابن عمي الكبيرّ، فحين ضربت العنّة كثيرا من رجالنا، أسرف عمّي الكبير في تناول لحوم الهدهد وزيت العنبر وإحليل التمساح ومطاردة الغوازي، ومع ذلك ظل صلب عمّي الكبير بليدا لا ينجب الذكور، فأجمع كثير من الطيبين والشامتين علي أن يستعين عمي برجل في المدينة يجلب البخت، وفي اليوم الموعود وضع الرّجل فأرا أبيض اللون ومر به قريبا من صندوق أوراق البخت، ثم ضغط علي بطن الفار بخفّة، فالتقط الفأر الأبيض ورقة بخت أخذها الرجل وفتحها ليعلن علي رؤوس الأشهاد أن عمّي أصبح فحلا كبيرا، بعد سنوات وفي حدث غير مبرر أنجب عمي الكبير ابنه الوحيد وأسماه الفار. كانت شقوق فئران البيوت الرمادية، ومحرقة فئران الحقول السوداء، وأوراق فئران البختُ البيضاء، بداية لأن يمسك الناس بسيرة عائلتنا، نسكن في بيوت مليئة بالشقوق، ونعيش في باطن الأرض ونتقافز بين الجسور، نقرض أوراق الفكر ولا نقرأ ما بين السطور، وتحمل خلفتنا أسماءً للفئران. منذ أيام شاهدت متحدثا حكوميا في ندوة إعلامية، كان الرجل يعيش في جلد فأر، أذناه طويلتان تبتعد أطرافها عن رأسه، عيناه جاحظتان سريعتا الدوران، يتكلم عن ألوان من الناس يعيشون في الجحور وتنهار عليهم حوائط البيوت، وتساءل كيف للمصريين أن يتخلصوا من فئران السياسة والاقتصاد والثقافة؟ وثب إلي صدري فخر شديد بأن صيت عائلتنا يضرب الآفاق، وأن فئرانا ملونة ترفع بيوتنا وتحمي ثرواتنا وتدير صناعة مستقبلنا الرائع.