طقس سيئ يضرب الشرقية والمحافظ يعلن الطوارئ القصوى    قرار جمهوري بالموافقة على منحة كورية بقيمة 10 ملايين دولار لتطوير تكنولوجيا صيانة السيارات الخضراء    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الخميس 2 أبريل 2026    أسعار الذهب تتراجع بأكثر من 3.5% بعد خطاب ترامب    بدء إنتاج السيارة كوينج سيج جيميرا بعد 6 سنوات من الانتظار    هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية ترصد موجات تسونامى بعد زلزال ضرب إندونيسيا    ترامب ساخرًا من ماكرون: زوجته تسيء معاملته ولا يزال يترنح من الصفعة على وجهه    منتخب الناشئين يواجه ليبيا اليوم في تصفيات شمال إفريقيا    طارق سليمان: مصطفى شوبير حجز مكانه في التشكيل الأساسي للمنتخب بكأس العالم    استقرار تدريجي في الأحوال الجوية بالإسكندرية.. واستمرار الطوارئ لمواجهة آثار الأمطار    محافظ المنوفية ينتقل إلى موقع حادث السادات الذي أسفر عن مصرع 8 أشخاص وإصابة 4 آخرين    السيطرة علي حريق ببرج سكني فى الفيوم دون إصابات    الهلال الأحمر يُطلق قوافل طبية لتقديم الرعاية الصحية للأهالي ب 5 محافظات    من قرار أممي إلى رسالة إنسانية عالمية.. اليوم العالمي للتوعية بالتوحد.. دعوة للفهم والاحتواء في مواجهة اضطراب يلامس آلاف الأسر المصرية    الرئيس الأمريكي: أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط ولن نسمح بأن يتضرروا    استقرار أسعار اللحوم والدواجن اليوم الخميس 2 أبريل 2026    «مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    حكومة أبوظبي: أضرار بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية بعد اعتراض صاروخ إيراني    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    مكتب أبوظبي الإعلامي: لا إصابات بعد اعتراض ناجح لصاروخ بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    مسؤول إيراني: نطالب بوقف إطلاق نار مضمون ينهي الحرب تماما    عمر مرموش يرد على الهتافات العنصرية لجماهير إسبانبا ب"صورة ومانشيت جريدة قديم"    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    وصول بعثة منتخب مصر إلى القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديا    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    شردي بعد مؤتمر مدبولي: مفيش حكومة بتعوز تعذب المواطن.. هل تحبوا النور يقطع كل 6 ساعات؟    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    انفجارات في تل أبيب.. 3 مصابين في بني براك جراء رشقات صاروخية    رياح قوية تطيح بشجرة وعمود إنارة في شارع رمسيس بالمنيا    خبير اقتصادي: رفع الحد الأدنى للأجور يحتاج زيادة الإنتاج لتفادي التضخم    انقطاع الكهرباء بالعاشر من رمضان بسبب سوء الأحوال الجوية وفرق الطوارئ تتدخل (صور)    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    بعثة منتخب مصر تغادر إسبانيا متجهة إلى القاهرة    تعطيل الدراسة بجميع المعاهد الأزهرية الخميس بسبب التقلبات الجوية    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    محافظ الإسكندرية يبحث ضبط الأسواق مع مسئولي الغرفة التجارية بالمحافظة    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    التعليم: تأجيل امتحانات الشهر المقررة غدا في كل المحافظات التي لم تعلن تعطيل الدراسة    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    لوكاتيلي يوجه رسالة اعتذار لجماهير إيطاليا بعد الفشل في التأهل لكأس العالم    أمطار غزيرة تضرب القليوبية والمحافظة ترفع حالة الطوارئ (صور)    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    هل تأثم الزوجة إذا خرجت إلى أهلها دون إذن الزوج؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    محافظ مطروح يعلن تعطيل الدراسة غدا بسبب الأمطار الغزيرة وسوء الأحوال الجوية    مشاورات مصرية - أوغندية لتعزيز التعاون الثنائي ودعم التنمية    احتفالية كبرى لبيت الزكاة لدعم الأهالي بشمال سيناء    محافظ جنوب سيناء يتلقى التهاني خلال احتفالات الذكرى 37 لاسترداد طابا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سمير عبدالباقي يكتب: كليلة ودمنة المصرية
نشر في الدستور الأصلي يوم 27 - 08 - 2010


«كان يا ما كان»..
الجملة السحرية التي تفتح الطريق إلي العقل والقلب.. بوابة درب الغد حيث الفردوس المفقود، والمعقود عليه الأمل الرحب لإقامة سلطة العدالة والحب والجمال والحرية ولو في الخيال.
وهنا حكايات سمعت بعضها من طفلة في إحدي قري الشرقية أو من عجوز حكيم في إحدي عزب الدقهلية أو نورت بها قلبي الصغير خالتي الست أم يوسف، أو قرأتها في كتاب لأحد مبدعي الحكايات العظام «لقمان وأيسوب وابن المقفع وكريلوف ودافنشي والجاحظ وابن الجوزي.. وغيرهم، حاولت أن أصنع منها دراما حديثة لونتها بقليل من ألوان أحلامي.. ولأن الأطفال في بلادنا يكبرون فجأة، أو هم كبار بحكم الظروف ولأن الكبار أو معظمهم كذلك هم «صغار» بحكم السلوك، قدمت هذه الصياغة لهم جميعاً رغبة في ممارسة حلم قديم راود الحكائين عبر التاريخ في كسر شوكة الجبارين بمساعدة هذا الحشد من الشخصيات «تعاليبو، مشكاح وأبولبدة المدهش وبولينياب وبولشناب وبس بس ورماح وحشد كبير من الحمير والثعالب والأرانب والفيلة وغيرهم، في دراما تسجيلية إنسانية تكشف ألاعيب الأغبياء والأشرار والشرهين من بني الإنسان من أجل عالم أفضل ومن بني الحيوان من أجل غابة أعدل.
حكاية القط مشكاح والفأر رماح
3
في مهمة رسمية
أشرقت شمس اليوم التالي جديدة ورائعة، فأصبحت حركة القط أهدأ وأرق، بل لقد شاهدته الشمس يتمطي في الفراش طويلاً في كسل، دون أن تراوده أدني رغبة في مغادرته، كان القط بعد أكلة الأمس اللذيذة قد نسي تماماً أنه سجين ومتهم ينتظر الإعدام عقاباً علي تطاوله علي الامبراطور «أبولبدة المدهش»، وبلغ من نسيانه لواقع الأمر أن ابتسم من أعماقه وهو يسترجع كل ما حدث في الأيام القليلة الماضية وحتي عندما تذكر كل شيء، ظلت ابتسامته المطمئنة تتسع وتزداد عمقاً حتي تحولت إلي قهقهة عريضة هانئة حين وصلت به ذاكرته إلي ما حدث بالأمس..
وهي حالة نفسية يمكن أن يتولي دراستها المهتمون، بتأثير لحم الفئران المتبل إيجابياً علي القطط السجينة في السجون الامبراطورية.
وعلي ما يبدو لم يكن ذلك غائباً عن ذهن صاحبنا الفار صاحب الغليون الذي زاره بالأمس وزوّده بالطعام، وعقد معه اتفاقاً غامضاً وافق عليه القط بكل حماس جائع ينتظر الإعدام، دون أن يعرف شيئاً عن أهدافه، أو شروطه، وعواقبه!
مر الوقت عادياً كعادته في كل صباح سعيد، إلا أنه بعد فترة بدأ في التباطؤ مع صعود الشمس إلي كبد السماء.. وأخذ في المرور بتثاقل متعمد تحت أنف القط وبصره.. ونحن نعرف أن للوقت أحوالاً غريبة وطباعاً متقلبة، فأحياناً يمضي دون أن يلفت أنظار القطط أو بني الإنسان، لكنه في أحيان أخري كما تأكد «مشكاح» الآن تطول فيه الدقائق وتقف الثواني في بلادة ترفض التقدم وتمتنع عن دفع بعضها البعض كعادتها في الأيام العادية، كانت تتعمد إغاظة القط، فحاول جاهداً ألا يغتاظ شاغلاً نفسه بأشياء كثيرة سرعان ما كانت تفشل في صرف نظره عن مرور الوقت البطيء الثقيل إلي الدرجة التي وجد نفسه يكاد ينشق غيظاً.
وفي الحقيقة أن ما يضايقه لم يكن بطء الوقت، ولكن لأنه كان يتوقع زيارة ما هذا الصباح.. كان يتوقع أي شيء إشارة، أو رسالة تؤكد أن اتفاق الأمس قد حدث بالفعل، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث فازداد الوقت بطئاً وثقلاً.
وحينما ارتفعت الشمس في السماء أسقطت بضع مربعات ضوئية حادة علي أرض الزنزانة وكأنها تتحداه وتجبره علي تذكر أن الظهر قد ولي.. بدأ القلق يساوره بشدة.. خاصة أنه قد أتم هضم الطعام تماماً وأفرغت معدته أثقالها، وعاوده سعار الجوع أقسي وأشد نباحاً مما كان عليه الحال قبل أطباق الفئران المتبلة والمحمرة اللذيذة.
فقفز من فراشه غاضباً وراح يروح ويجيء حول محيط الزنزانة تارة أوفي دوائر منتظمة وغير منتظمة تارة أخري.. أوفي خطوط مستقيمة تارة ثالثة.. (وعادت ريما لعادتها القديمة) لقد فقد كل شعور استثنائي بالاطمئنان وعاد إليه الإحساس العادي لقط ينتظر الإعدام.
وفكر أن يطلب الحارس ليستفسر منه عن سبب التأخير ولكنه وجد في ذلك حماقة كبري.. لأن ما حدث بالأمس كان مخالفة لكل التعليمات واللوائح التي يفترض أن يراعيها الحراس.. فالزيارة ممنوعة، والاتصال بالسجناء محرّم، فما بالك بتناول لحم فئران متبل في عقر سجن العرين.. الذي يعتبر مجرد التفكير في صيد الفئران جريمة شنعاء.. منذ أن نالوا الحظوة الكبري لدي الامبراطور وفتحت أمامهم أبواب الوظائف والمراكز الكبري بعد أن كانوا أكثر صعاليك الغابة احتقاراً وإثارة للقشعريرة!!
هدأ «مشكاح» عندما اعترف بحماقة موافقته علي تناول طعام مكوّن من لحم الفئران في زنزانته، حتي ولو كان الذي أحضره فأر رسمي يتباهي بغليونه وردائه الرسمي.. إنها جريمة بكل المقاييس وعليه أن يبتلع غضبه وقلقه ويحمد الله علي أن كل ذلك لم ينكشف.
لكن الجوع اشتد عليه وقرص أمعاءه بشدة فخرجت أنفاسه حارة تعكس اشتداد غضبه وقلقه.. وأخذ يقسم أمام النافذة المسيجّة بالقضبان أنه سيلغي اتفاقه مع ذلك الفأر إن لم يصله خبر ما.. أو إذا لم يحدث تطور جديد في الأمر في مدة غايتها ربع ساعة.. ثم مد المهلة إلي نصف ساعة.
ولما قاربت علي الانتهاء صار أكثر تسامحاً ومد المهلة إلي ساعة لا أكثر.. ثم أقنع نفسه بمدها حتي غروب الشمس بما أنه لا يملك ساعة ليقدر المهلة المحددة تماماً.
ثم استسلم بعد قليل وألغي كل تفكير في أي مهلة وأخذ يموء في ضعف قط جائع سجين.. وهو يراقب مربعات الضوء وهي تصعد باهتة علي الجدار كلما مالت الشمس نحو المغيب ولم تبد أي إشارة من صاحب الغليون تبشر بالأمل..
غربت الشمس وحط الظلام.. وجلس «مشكاح» متعباً محبطاً جائعاً يؤكد لنفسه أن ما حدث بالأمس لم يكن سوي حلم عابر لم يحدث في الواقع.. أو أنه إذا كان قد وقع مجرد وسيلة من وسائل التعذيب النفسي.. إذ كيف نصدق أنه من الممكن أن يسمح له بأكل فئران متبلة أو غير متبلة في سجن امبراطور حرّم صيد الفئران؟! ولمن؟.. لقط جريمته كانت الاحتجاج علي إلغاء المهنة المحرمة؟!..
تلك المهنة التي تثير ذكرياتها لعاب القطط كما يحدث له الآن.. فتثير غددهم وتفيض منها العصائر فتوتر الأمعاء وتعكر المزاج وتبعث علي الغضب ثم اليأس.. وتدفع القط المحاصر للوقوف بأرجله الأربعة علي حافة البكاء!!
وقبل أن يقرر للمرة الألف إلغاء الاتفاق الغامض مع الفأر تنبه إلي الصوت الرخيم العذب الذي أحدثه حديد المفاتيح في حديد الأبواب المغلقة، فاستيقظت كل حواسه وانتعشت آماله المحبطة.. وتنمر متصنعاً الغضب في ركنه ينتظر القادم وهويرتعش وفي داخله لهفة حاول أن يخفيها تحت الستائر الثقيلة لتصنع الغضب.. ودخل القادم.. والحقيقة أنها دخلت..
لم يكن الآتي فأر الأمس الرسمي صاحب الغليون.. لكنها كانت فأرة رسمية أكثر جمالاً وأكثر سمنة فتح لها الظربان السجانان الباب وهما ينحنيان في احترام ثم أغلقا الباب وانصرفا.
جزّ القط «مشكاح» علي أسنانه وحرّك رأسه بقوة مصفقاً بأذنيه ليتأكد أنه لا يحلم، ومنع آهة اشتهاء مفترسة من الانطلاق من بين شفتيه، واستطاع بصعوبة أن يعيدها لبلعومه ويبتلعها مع لعابه الفاضح.. واستدار طالباً تفسيراً لما يحدث، ولكن الفأرة الرسمية سكنت فترة كافية بالضبط لنفاد الصبر تماماً.. ثم تنحنحت معتذرة عن إزعاجه قائلة:
- الحقيقة أنني حضرت في مهمة رسمية.. انتعشت آماله في تنفيذ اتفاق الأمس.. ولكنها لم تذكر شيئاً عن ذلك وقالت:
- لقد أرسلوني في مهمة بغيضة لا أحبها..لقد طلبوا مني أن أكشف عليك كشفاً دقيقاً لأن القانون يفرض ألا نأخذ القطط بالشبهات.. إن سلطات التحقيق قد تخطئ عادة في مثل حالتك، لكن المحكمة تريد أن تتأكد بشكل قاطع أنك لم تخالف القانون بالفعل.. كانت تتحدث بصوت رخيم عذب ولذيذ.. أوهكذا خيّل لمعدته.. فقد كان قوامها السمين يخايل جوعه وهي رائحة غادية أمامه تترجرج كقالب من حلوي الفالوذج المصنوع من چيلي لحم الفئران علي الطريقة الفرنسية أو هكذا خيّل لأمعائه الخاوية.
كان يتابعها محاولاً منع نظراته من التفكير في لحمها فأخفي عينيه تحت كفيه بعد فشله في إسدال جفنيه.. لكن خيالها كان يخترق عظامه حتي النخاع، خاصة عندما ضحكت ضحكة فئرانية رائعة دمرت مقاومته وهي تؤكد له:
- إن عدالة امبراطورنا المرعب حقيقة ولا تقبل أخذ المواطنين بالشبهات.. لابد من الإجابة بصراحة هل خالفت القانون أم لا؟..
إن تطاولك علي الإمبراطور ليس جريمة.. المهم أن نتأكد من براءتك من تهمة أكل لحم الفئران.
علينا أن نجري بعض الفحوص لدمك ولعصارات معدتك.. لنؤكد لهم أنك لم تأكل لحم الفئران منذ صدور القانون.. وسيكون في ذلك إعلاناً لبراءتك فيطلق سراحك فوراً.. والحقيقة أن القط لم يتابع جيداً الجزء الأخير من كلامها، فقد كان رأسه يدور في البداية بسبب جوعه ورغبته القاتلة في التهامها.. ثم بدأ يدور أكثر عندما ذكرت لحم الفئران وأكله وارتباط ذلك بإثبات براءته كان الأمر أكثر تعقيداً من أن يفهمه قط في مثل ظروفه الصعبة.. خاصة وقد تجسد أمامه فداحة ما ارتكبه بالأمس بتحريض من ذلك الفأر الرسمي صاحب الغليون.
فأغشي عليه وكان هذا ما توقعته الفأرة.. فأمرت بحمله إلي حيث يمكن فحصه وتحليل دمه!
4
لا تصدني ولكن كلني
عندما أفاق من إغماءته الطويلة، وجد نفسه علي سرير أبيض نظيف في حجرة بيضاء نظيفة، لها فتحة مزخرفة تطل علي شاطئ نهر الينسون النظيف.. الذي يخترق الأحراش في أكثر مناطقها جمالاً ووحشية ونظافة.
كانت الستائر فيروزية وللملاءات البيضاء شراريب أرجوانية وعلي منضدة نظيفة ذات عجلات ثلاث كانت أطباق طعام رآها من قبل تتصاعد منها أبخرة يعرف رائحتها تماماً، فانتابه فزع قاتل جعله يقفز من مكانه ثم ينكمش مرتعشاً مندهشاً لأنهم يكررون معه ذلك، وأين؟..في المستشفي حيث من المفترض أن يكشف عن تناوله طعام لحم الفئران من عدمه.
لكن صوتاً يعرفه جاءه هادئاً أليفاً من خلف صفحات جريدة الموز الاستوائي الخضراء المفرودة في فراغ الغرفة أمامه وبين سريره والكرسي الفاخر المجاور للنافذة المزخرفة قال له صاحب الصوت:
- هدئ من روعك يا صديقي.. أنت في أمان تام هنا، ولا تدع الخوف يتملكك كالسذج إلي هذه الدرجة يا عزيزي.. المفروض أنك قط ذكي لك رأي مستقل.. وما دمت جائعاً فلابد أن تأكل حتي يمكن أن نتفاهم.. كن عملياً.. أليس هذا هو طعامك المفضل؟!
سأل «مشكاح» في فزع:
- من أي لحم صنع هذا الطعام؟
ضحك الفأر صاحب الغليون وهو يزيح صفحات الجريدة عن وجهه وقال مداعباً:
- هل فقدت حاسة الشم يا صديقي.. إنه من الطعام الذي تفضله والذي يجعلك دون غيره قادراً علي التفكير السليم.. وقد ملأت معدتك منه بالأمس.. وكانت له أفضل النتائج!..
لم يعد القط قادراً علي الفهم.. فاستسلم لحالة الغباء المريحة التي يمارسها كلما اختلطت أمامه السبل وتعقدت الأمور.. بينما استمر الفأر الرسمي صاحب الغليون ضاحكاً:
- لقد مسحت الأطباق كلها لدرجة أنهم لم يحتاجوا لغسلها بعدك.
واستغرق في القهقهة معجباً بفكاهته مؤملاً أن يشاركه «مشكاح» الضحك.. لكن القط صرخ مرتعباً:
- ماذا تريد أن تفعل بي؟.. أنا لم آكل منه أمس ولن آكل منه أبداً.. لست جائعاً.. ولن أرتكب تلك الحماقة مرة أخري.. إنهم سيفحصون معدتي؟.. أليس كذلك؟.. هل ظهرت نتيجة التحاليل يا سيدي.. أرجوك ارحمني.. فأنا قط مسكين وقعت في قبضة من لا يرحم.
قهقه الفأر الرسمي مرة أخري قهقهة رسمية عريضة كأي ضبع صومالي مرح وقال:
- عظيم.. هذا تحول رائع.. من المطلوب أن تبدو حريصاً.. لقد بدأت في التفكير لمواجهة الموقف.. وهذا تقدم كبير.. كالعادة حاول «مشكاح» أن يفهم دون جدوي، وجلس يائساً فعاجله الفأر قائلاً:
- اطمئن!.. إن من واجبي أن اطمئنك.. ثم أبعد الصحيفة نهائياً واقترب منه هامساً:
- إن تقارير المعمل عنك كانت كلها سلبية لقد أثبتت الباحثة العبقرية بالدليل العلمي القاطع.. أنك لم تتناول لحم فئران منذ صدور قانون تحريم صيد الفئران.. فماذا تريد أعظم من هذا؟!
حاول «مشكاح» أن ينطق مظهراً دهشته أو فرحه فلم يستطع سوي أن يقول بصوت مبحوح:
- ولكني أكلت منه بالأمس.. كيف إذن جاءت التحاليل سلبية؟!..
قطع الفأر صاحب الغليون ضحكته.. أعني أنه ضحك ثم قطع ضحكته وقال:
- أيها الساذج المسكين، إنه مجرد تقرير مكتوب ومعتمد.. مجرد ورق.. يصبح رسمياً عندما نريد نحن ذلك.. إفهم.. أنت الآن بريء تماماً.. كقط لم يتناول أبداً إلا لبن أمه القطة.. أم أنك كنت تفضل لبن الفئران..
وانفجر ضاحكاً..
والحقيقة أنه كان في حالة معنوية عالية لا تناسب «مشكاح» الذي قال في صوت واهن:
- أيعني ذلك إنني لن أعدم؟!
صمت الفأر الرسمي صاحب الغليون.. ونظر في عينيه مباشرة نظرة صامتة.. ثم أدار رأسه عنه ومضي ناحية النافذة.. يتأمل المنظر الخارجي.. مما كاد يذهب بعقل «مشكاح».. لولا أن الفأر استدار في الوقت المناسب وقال:
- إن هذا يتوقف عليك وحدك.. ألم يكن هذا جزء من اتفاقنا.. هل نسيت؟!
لم يكن «مشكاح» قادراً علي تذكر أي شيء. ولكن الحديث بهذا الود عن اتفاق ما تم بينهما كان شيئاً كحبل النجاة لغريق لا يعرف السباحة.. المهم أن هناك اتفاقاً ما يجعلهما صديقين وهذا يكفيه الآن فهز رأسه موافقاً بينما استمر الفأر في الحديث قائلاً:
- قلت لك إن صداقتي ستكون باب السعادة الذي سيفتح أمام آفاق حياة جديدة أتذكر؟!
أم أنك مازلت تعاني آثار العلاقة الأزلية بين القط والفأر؟!
لا يا صديقي لنبدأ صفحة جديدة وأثبت لصديقك الجديد أنه جدير بثقتك.. كما وثق هو بك.. هيا.. تقدم وكل.. طعامك المفضل.. ولكن لا تأكلني أنا.. فلست مجهزاً بعد لهذه اللحظة.. هيا:
واستغرق في الضحك مرة أخري.. وكان «مشكاح» معجباً بروحه المرحة يحاول أن يجاريه في الابتسام والمرح فقال بصوت أقل ضعفاً:
- لا أريد أن أخالف القانون!..
اقترب منه الفأر صاحب الغليون وهمس بنفس طبقة صوته في ود:
- يا صديقي «مشكاح».. اسمع كلام صديقك «رمّاح».. نعم هذا هو اسمي يا صديقي.. وافهم لقد حرّمت القوانين صيد الفئران.. وألغتها كمهنة محترمة، كوسيلة للكسب والقسوة، ولكنها لم تمنع أكل الفئران.. أليس كذلك.. هل لاحظت في القانون أي بند أو فقرة تحرم أكل الفئران في قانون حماية الفئران من الصيد.
اتسعت عينا «مشكاح» دهشة وواصل «رمّاح» حديثه بصوت عميق حزين:
- ولو فهمت ذلك.. لعرفت أن هذا القانون اللعين كارثة..
فازدادت دهشة «مشكاح» وسأله:
- هل أنت وأنت فأر ضد قانون حماية الفئران.. إنك فأر ويجب أن تقف مع قانون يحمي بني جنسك.. إن ما يدهشني هو أنك تلعن هذاالقانون وتحرضني علي أكل لحم عشيرتك..
هز «رمّاح» الحزين رأسه المملوءة بالحزن وقال نافذ الصبر:
- ستظل غبياً يا صديقي حتي لو أكلت أطناناً من لحم الفئران..
رد «مشكاح» بسرعة
- لم أفهم..
فصاح به «رمّاح»:
- ولن تفهم علي الإطلاق..
سقط رأس «مشكاح» علي صدره يأساً وقال:
- ساعدني علي الفهم.. أرجوك وإلا طار عقلي..
اعتدل «رمّاح» في كرسيه وكان قد جلس عليه منذ برهة، وجره نحو السرير وأخذ في هدوء يشرح للقط أضرار قانون حماية الفئران من الصيد علي الفئران.. وأخذ ينشط ذاكرته مستعيداً تلك الأيام الخوالي عندما كانت القطط لا هم لها سوي البحث عن الفئران، وكانت الفئران تعيش علي حافة الخطر كأي مخلوقات برية رومانسية وكان إحساسها الدائم بالخطر يجعلها تتدرب باستمرار، وتكتسب مهارات فنون الحرب من كر وفر وهرب ومراوغة وقفز ونط واختفاء واحتماء وتسلق وتزحلق.
كانت الفئران تري في الظلام، وتعبر الأنهار سباحة وتتحمل الجوع والعطش ولم يفقدوا أبداً ميزة البديهة الحاضرة، وكانوا يثيرون الهلع والقشعريرة، ولا يظهرون خوفهم أبداً وكانوا يسكتون ويتجمدون لساعات إذا ما حوصروا.. كانوا يعرفون مقدار الخطر المتربص بهم عند كل ركن وفي كل زاوية، ولذا اكتسبوا حصانة طبيعية وقدرة علي تجنب الخطر واحتمال المكاره.. بل وكانت عندهم مناعة خاصة علي مقاومة الأمراض.. وقدرة خاصة علي صفاء التفكير.. ولم يعرفوا الكسل والترهل والبطنة فاكتسبوا رجاحة العقل والفطنة.. أما الآن وبعد أن حل بهم الأمان صاروا يتسكعون هنا وهناك بلا عمل، يأكلون في شراهة ففقدوا القدرة علي الفهم بل والقدرة علي الحلم والأمل.
وعندما وصل الفأر «رمّاح» إلي هذه النقطة كان الانفعال قد بلغ به مبلغاً شديداً جعل صوته يتهدج حزناً وعيناه تمتلآن بالدموع فاختنق صوته مما جعل قلب «مشكاح» يذوب عطفاً عليه وعلي بني جنسه من الفئران!
ونكمل باقي الحكاية في المره الجاية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.