أخطر ما في المنطقة اليوم ليس فقط الصاروخ الذى يُطلق، بل الكلمة التى تُطلق قبله وبعده، لأن الصاروخ يضرب موقعًا، أما خطاب الكراهية فيضرب الوعى نفسه وحين تتحول السوشيال ميديا إلى ساحة شتائم وتخوين وتلاسن بين الشعوب العربية، لا نكون أمام «انفعال طبيعي» كما يقال أحيانًا، بل أمام بيئة تُصنع فيها الفتنة ببطء، ويُعاد فيها تعريف العدو، ويُدفع الناس إلى أن ينظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم الخصم الأسهل، بينما الخصم الحقيقى يراقب النار ويزيدها اشتعالاً. السوشيال ميديا لم تعد مساحة تعبير فقط، بل صارت ميدانًا حقيقيًا من ميادين الصراع، وفى هذا الميدان الكلمة قد تصبح طلقة، والسخرية قد تصبح أداة تحريض، والشماتة قد تكون جزءًا من خطة أوسع لتكسير المناعة العربية ولذلك فإن حماية المنطقة اليوم لا تبدأ فقط من الجبهة العسكرية أو الدبلوماسية، بل تبدأ أيضًا من حماية الوعى العام من أن يُختطف، ومن رفض أن تتحول هواتفنا إلى منصات لتوزيع الكراهية بالنيابة عن كل من يريد للعرب أن ينشغلوا ببعضهم، بينما يُستكمل إشعال النار من فوق رؤوسهم. أخطر ما فى المنطقة اليوم ليس فقط الصاروخ الذى يُطلق، بل الكلمة التى تُطلق قبله وبعده، لأن الصاروخ يضرب موقعًا، أما خطاب الكراهية فيضرب الوعى نفسه وحين تتحول السوشيال ميديا إلى ساحة شتائم وتخوين وتلاسن بين الشعوب العربية، لا نكون أمام «انفعال طبيعى» كما يقال أحيانًا، بل أمام بيئة تُصنع فيها الفتنة ببطء، ويُعاد فيها تعريف العدو، ويُدفع الناس إلى أن ينظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم الخصم الأسهل، بينما الخصم الحقيقى يراقب النار ويزيدها اشتعالاً. المنطقة العربية خبرت طويلًا كيف تعمل الفتنة: تبدأ بنغمة عالية، ثم رسوم، ثم مقاطع مجتزأة، ثم حسابات مجهولة أو لجان منظمة تضخ المشاعر الخام: الإهانة، السخرية، الشماتة، التخوين وفى هذا المناخ تعيش جماعات مثل الإخوان وغيرهم من التيارات التى لا تزدهر إلا حين يضعف معنى الدولة وتتحول المجتمعات إلى قنابل غضب، هم لا يصنعون الأزمة وحدهم دائمًا، لكنهم يقتاتون عليها، ويستثمرون فى كسر الثقة بين الشعوب والعواصم، لأن الفوضى هى البيئة المثالية لكل مشروع يريد أن يعود من باب الانقسام لا من باب السياسة. لكن الصورة لا تكتمل إذا تجاهلنا الطرف الأخطر فى هذا الملف: إسرائيل لا تتحرك فقط بالدبابة والطائرة، بل أيضًا بالحساب والمنصة والرسالة الموجهة بالعربية، رويترز وثّقت قبل سنوات كيف أن إسرائيل بنت حملة رقمية موجهة للعرب عبر فيسبوك وإكس وإنستجرام ضمن جهد دبلوماسى وإعلامى متعدد المسارات هدفه التأثير فى الرأى العام العربى مباشرة، وهذا يعنى أن الخطاب الإسرائيلى الموجّه للعرب ليس ارتجالًا فرديًا، بل جزء من سياسة اتصال مدروسة. ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن التعامل مع أفيخاى أدرعى مثلًا باعتباره «معلّقًا» أو «ساخرًا» فقط، فهو المتحدث العسكرى الإسرائيلى باللغة العربية، ووجوده فى هذا الفضاء ليس وجودًا شخصيًا بريئًا، بل وظيفة سياسية/نفسية: إصدار تهديدات، مخاطبة الجمهور العربى مباشرة، تشكيل رواية الحرب، ثم—حين يشتعل الغضب والانقسام—الخروج أحيانًا بلهجة شماتة أو استفزاز، رويترز عرّفته بوضوح بوصفه المتحدث العربى للجيش الإسرائيلى، كما وثقت استخدامه فى إصدار أوامر وإخطارات إخلاء وتحذيرات مرتبطة بالعمليات العسكرية. ولهذا فإن الشماتة التى تصدر لاحقًا من مثل هذه الحسابات ليست مجرد سلوك سياسى بذىء، بل جزء من منطق أعمق: أن يُدفع العرب إلى اقتتال رمزى ومعنوى مستمر، حتى قبل أن يُدفعوا إلى الصدام الواقعى، من مصلحة إسرائيل أن ترى الشعوب العربية غاضبة من بعضها، لا متماسكة فى تعريف خصمها الحقيقى، من مصلحتها أن يتحول الخلاف السياسى بين عاصمة عربية وأخرى إلى معركة كرامة على السوشيال ميديا، من مصلحتها أن تتبدد طاقة الرأى العام العربى فى الشتم المتبادل بدل أن تذهب إلى مساءلة العدوان نفسه، والاحتلال نفسه، والسياسات الإسرائيلية نفسها التى تُبقى القضية الفلسطينية جرحًا مفتوحًا فى قلب المنطقة. الأخطر أن بنية المنصات نفسها قد تساعد على هذا الخلل بدل أن تكبحه، تقارير داخلية كشفت أن أنظمة الإشراف فى «ميتا» كانت أقل صرامة ومنهجية فى بعض المحتوى العبرى مقارنة بالعربى، مع مخاوف من عدم مساواة فى التعامل مع خطاب الكراهية والتحريض، وميل إلى فرط التضييق على محتوى عربى/فلسطينى مقابل فجوات فى مراجعة المحتوى العبرى، هذه ليست مسألة تقنية فقط؛ إنها مسألة أثر سياسى مباشر: حين يُترك خطاب تحريضة أو متحيز ليستمر، بينما يُقمع أو يُربك الطرف الآخر خوارزميًا، فأنت لا تُدير منصة بل تُسهم فى صناعة اختلال سردى وأخلاقى داخل الصراع. المشكلة هنا ليست فقط في «الكلام السيئ» على السوشيال ميديا، بل فى أن خطاب الكراهية صار يُستخدم كبديل عن الاستراتيجية حين تعجز بعض الأطراف عن بناء مشروع إقليمى متماسك، تلجأ إلى تمزيق المجال العام العربى من الداخل وحين تريد جماعة ما أن تستعيد حضورها، تبحث عن أشد الملفات قابلية للاشتعال وحين تريد إسرائيل أن تُخفى طبيعة دورها فى تأجيج المنطقة، تنفخ في النار العربية–العربية ثم تظهر كمن يراقب المشهد ساخرًا أو شامتًا أو معلّقًا من الخارج، رغم أنها فى الحقيقة كانت جزءًا من صناعته من البداية. ولهذا فإن الرد العاقل ليس أن نرد الشتيمة بمثلها، ولا أن نعتبر كل خلاف عربى مؤامرة، بل أن نعيد بناء قواعد النظر نفسها، أول هذه القواعد أن الخلاف لا يبرر الكراهية، وأن التنافس السياسى بين الدول العربية لا يجوز أن يتحول إلى إهانة بين الشعوب، ثانيها أن كل خطاب يدفعنا إلى نسيان أصل الخطر والانشغال ببعضنا يجب أن يُقرأ بوصفه خطابًا مشبوه الوظيفة حتى لو بدا شعبيًا أو غاضبًا أو «وطنيًا». وثالثها أن من حق أى عربى أن يختلف مع أى سياسة عربية، لكن ليس من حقه أن يتحول—بوعى أو من دون وعى—إلى وقود لمشاريع الفتنة التى لا يربح منها إلا من يريد شرقًا أوسط ممزقًا ومنهكًا.