في بعض الليالي الشتوية، لا يأتي المطر كضيفٍ رقيق يطرق النوافذ برفق، بل يحضر بثقلٍ غامض، كأن السماء تقرر أن تفتح دفاترها القديمة دفعة واحدة الرياح تعصف، والبرق يشق الظلام بخطوطٍ حادة، والرعد يدوّي كصوتٍ قادم من أعماق بعيدة… ليلة لا تُشبه غيرها، تأتي صدفة، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى. الشتاء، رغم دفئه العاطفي وارتباطه بالذكريات، يحمل وجهًا آخر لا يعرفه إلا من عاشه وحيدًا حين تخلو الغرفة من الأصوات، ويغيب الونس، تتحول قطرات المطر إلى طرقاتٍ ثقيلة على القلب، ويصبح صوت الرياح أشبه بنداءٍ طويل لا يجد من يجيبه الوحدة في تلك اللحظات لا تكون مجرد شعور عابر، بل حضورًا طاغيًا يملأ المكان. الخوف من الرعد والبرق ليس ضعفًا، بل استجابة إنسانية فطرية أمام قوة الطبيعة ذاك الضوء الخاطف الذي يسبق الصوت، وتلك الثواني القليلة التي تليه، كفيلة بأن تزرع القلق في النفس وكأن العالم كله يتوقف انتظارًا لتلك الضربة الصوتية المفاجئة البعض يمر بها مرورًا عاديًا، لكن هناك من يشعر بها كاهتزاز داخلي، كأن شيئًا ما في أعماقه يرتجف. ورغم هذا الخوف، يبقى للشتاء مكانٌ خاص في القلب فهو يحمل ذكرياتٍ أبسط، حين كان المطر مناسبة للفرح لا للقلق أيام كانت الخطوات الصغيرة تركض تحت السماء المفتوحة، والضحكات تختلط بصوت الماء، دون اكتراثٍ للرعد أو البرق كانت البراءة وقتها كفيلة بأن تُسكت أي خوف، أو تؤجله على الأقل. لكن مع الوقت، تتغير الأشياء يكبر الإنسان، وتكبر معه حساسيته، وربما أيضًا مخاوفه في ليلة شتوية كهذه، قد يجد نفسه يبحث عن صوتٍ يطمئنه، عن يدٍ تمسك به في لحظة ارتباك، عن وجودٍ يخفف من وطأة الوحدة فليس كل خوف سببه الرعد، أحيانًا يكون الخوف الحقيقي هو غياب من يشاركنا هذه اللحظة. الليالي الشتوية المرعبة لا تتكرر كثيرًا، لكنها حين تأتي، تفرض حضورها بقوة تذكّرنا بأننا، رغم كل شيء، نحتاج إلى الأمان، إلى دفءٍ لا تصنعه البطانيات، بل تصنعه القلوب القريبة وبين صوت المطر وهدير الرياح، يبقى السؤال معلقًا: هل ما يخيفنا فعلًا هو العاصفة… أم الوحدة التي تكشفها.