فى اللحظات التى يتراجع فيها العقل أمام ضجيج السلاح، ويُدفع الإقليم كله نحو حافة اضطراب مفتوح للرسائل النارية والتهديدات المتبادلة، لا يكون أخطر ما فى الحرب عدد الصواريخ، بل المشروع الكامن وراءها، اختار الرئيس السيسى أن يكون حاضرًا فى قلب المشهد، لم يكتفِ بخطابٍ من بعيد، أو الاتصالات اليومية المكثفة، بل قرر أن يذهب بنفسه إلى العواصم الخليجية، لأن القيادة فى مثل هذه اللحظات لا تُقاس بما يُقال فقط، بل بالمكان الذى يختار القائد أن يبعث منه رسالته، وهكذا ظهر الرئيس «رجل لحظة إقليمية خطيرة» يُدرك أن حماية الأشقاء، ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع، لا يتحققان بالاندفاع، بل بالحضور، والتنسيق، والإمساك بالخيط العربى قبل أن تقطعه الحرب، الحضور هنا أكثر من زيارة وأبعد من تضامن بروتوكولى؛ كان إعلانًا سياسيًا بأن مصر قررت أن تكون فى أقرب نقطة إلى الخطر، لا لتلتحق بجوقة التصعيد، بل حيث يجب أن تقف الدولة العاقلة لوقف ما يُحاك للمنطقة، «أن تُسحب إلى حرب لا يعرف أحد أين تنتهى». أخطر ما يُواجه المنطقة: أن يُطلب من العرب أن يُصدقوا أن الحكمة ضعف، وأن ضبط النفس تخلٍّ، وأن الطريق الوحيد إلى نصرة الأشقاء هو الدخول فى مواجهة عسكرية مفتوحة، هذا بالضبط هو الفخ الذى تُحاول مصر أن تمنع المنطقة من السقوط فيه؛ لأن ما يجرى اليوم ليس مجرد تصعيد عسكرى بين أطراف متقاتلة، بل محاولة لدفع العالم العربى كله إلى أن يُصبح مسرح الحرب التالى، لا طرفًا يحمى نفسه منها. من هنا يجب أن يُقال الأمر بوضوح: الذى بدأ هذه الحرب، أو دفع بها إلى هذا المستوى من الانفجار، هو نفسه الذى يُريد الآن أن يُوسّعها، وأن يجرّ الإقليم كله إلى أتونها وهو يُعلن كل يوم تقريبًا أنه حقق أهدافه، أو أنه انتصر، أو أنه وجّه ضربات قاصمة، أو أنه أعاد تشكيل ميزان الردع، فلماذا لا يُوقف الحرب إذن؟ إذا كانت المعركة قد حققت غايتها كما يُقال، فما الذى يُبرر الإصرار على استمرارها؟ هنا بالضبط يظهر أن القضية ليست «تحقيق نصر» بقدر ما هى توسيع دائرة النار؛ لأن الحرب فى هذه الحالة لا تعود وسيلة لبلوغ هدف، بل تُصبح أداة لإدخال أطراف جديدة، واستنزاف قوى جديدة، وتحويل الصراع من مواجهة محدودة إلى حالة إقليمية طويلة الأمد. وهذا هو جوهر الموقف المصرى: القاهرة لا تقرأ المشهد من زاوية «مَن ضرب أكثر»، بل من زاوية: إلى أين يريدون أخذ المنطقة؟ ومصر، بحكم خبرتها وثقلها وموقعها، تُدرك أن أخطر ما يُمكن أن يحدث الآن هو نقل مركز الحرب إلى الخليج العربى نفسه، لا بوصفه مسرحًا جانبيًا، بل بوصفه القلب الاقتصادى للطاقة العربية والعالمية وعندما تُطرح أفكار من نوع استهداف المصافى أو البنية النفطية الإيرانية باعتبارها «أوراق ضغط»، فإنها ليست أفكارًا ذكية كما يظن البعض، بل أفكار شديدة الخبث والخطورة. لأن أى ضرب للمنشآت النفطية الإيرانية فى هذا التوقيت يكاد يساوى دعوة مفتوحة لردٍ إيرانى على المنشآت النفطية الخليجية، وهنا لا نتحدث عن تبرير لهذا الرد إطلاقًا -بل هو رد مدان ومرفوض ومشين- لكننا نتحدث عن منطق التصعيد نفسه: مَن يضرب البنية النفطية يعرف مسبقًا أنه لا يضرب هدفًا عسكريًا معزولًا، بل يفتح بابًا على استهداف بنية الطاقة فى الإقليم كله. ومن هنا، نفهم لماذا تصر القاهرة على أن الدعم الحقيقى للأشقاء فى الخليج لا يكون بدفعهم إلى الحرب، بل بحمايتهم من أن تتحول أراضيهم ومنشآتهم إلى ساحة الردود المتبادلة؛ لأن الذين يطالبون اليوم بأن يدخل الخليج مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لا يضعون فى حسابهم -أو ربما يضعون جيدًا- أن هذه المواجهة لن تكون خاطفة، ولن تكون نظيفة، ولن تنتهى فى أسبوع أو شهر ستكون حرب استنزاف طويلة على النفط، والموانئ، والملاحة، والأسواق، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعى، وربما على تماسك الدول نفسها أى أنها باختصار حرب على مستقبل المنطقة أكثر منها حربًا لحماية المنطقة. وفى هذا السياق، تُصبح محاولات الوقيعة بين العواصم العربية أخطر من مجرد ضجيج على السوشيال ميديا حين يُقال إن هذه الدولة تخلت عن تلك، أو إن مصر يجب أن تدخل الحرب فورًا لتثبت وفاءها، أو إن المساندة لا تكون إلا عبر الدفع بقوات عسكرية، فهذه ليست مواقف بريئة، بل جزء من عملية ضغط نفسى وسياسى لإعادة تشكيل وعى الناس، المطلوب من هذه الحملة أن يختلط معنى التضامن بمعنى التورط، وأن تختلط النجدة بالحساب الانفعالى، وأن يصبح كل صوت يدعو للتهدئة أو للعقل أو للدبلوماسية متهمًا بالجبن أو التخاذل. ولهذا، فإن عقيدة الرئيس عبد الفتاح السيسى فى إدارة الأزمات الدولية تبدو هنا شديدة الوضوح: دعم لا لبس فيه للأشقاء، وتحرك سياسى مكثف، واتصالات مباشرة مع العواصم الخليجية الكبرى، وفى الوقت نفسه إصرار ثابت على أن الحل لا يكون بتوسيع الحرب بل بخفضها، هذا ليس «منتصف طريق» كما قد يتخيل البعض، بل هو عين الصلابة السياسية؛ لأن الدولة الجادة لا تُقاس بقدرتها على الانفعال، بل بقدرتها على منع الآخرين من استدراجها إلى ساحة اختاروها هم وحددوا توقيتها وأهدافها. ومن هذا المنطلق، تتحرك الدبلوماسية الرئاسية لتحقيق هدف أوسع من مجرد التشاور، فى محاولة لتثبيت منطق الجبهة العربية الواحدة: جبهة لا تتأسس على الاندفاع إلى الحرب، بل على التنسيق، والشفافية، ومنع كل طرف خارجى من أن يلعب على التناقضات العربية أو يحاول دق إسفين بين الشعوب والعواصم، والأهم أن القاهرة لا تتحرك فقط بين العواصم العربية، بل تُبقى خيطًا سياسيًا مفتوحًا حتى مع إيران نفسها، وهذا ليس ضعفًا ولا تنازلًا، بل تعبير عن فهم أبسط قواعد إدارة الأزمات: إذا كنت تريد إطفاء النار، فلا تكتفى بالوقوف إلى جوار مَن يشتعل بيته، بل تحاول أيضًا أن تمنع مَن يصب الوقود من الاستمرار، ولذلك فإن التواصل المصرى مع طهران بالتوازى مع الدعم الكامل للخليج، ليس تناقضًا كما يحب البعض أن يصوره، بل ترجمة ناضجة لفكرة أن حماية الأمن القومى العربى لا تكون فقط بإعلان المواقف، بل بفتح كل نافذة ممكنة تمنع الانزلاق إلى ما هو أسوأ. وفى رأيى، أخطر ما فى هذه اللحظة أن هناك مَن يُريد للعرب أن يُقاتلوا فى المعركة الخطأ، وفى التوقيت الخطأ، وعلى الأرض الخطأ، يريدون تحويل الغضب العربى المشروع من العدوان والفوضى إلى حرب استنزاف عربية - إيرانية، بحيث يتفتت الإقليم من داخله، وتُهدر ثرواته، وتُستنزف مقدراته، وتُعاد هندسته تحت ضغط الدم والنار، وهنا بالضبط يجب أن نفهم المعادلة: مَن يُذكى المواجهة العسكرية الشاملة اليوم لا يعمل لمصلحة الخليج، ولا لمصلحة العرب، ولا حتى لمصلحة استقرار العالم هو يعمل لمصلحة مشروع يرى فى المنطقة العربية مساحة قابلة للتفجير، ثم لإعادة التشكيل على مهل. ولهذا، فإن مصر حين ترفض منطق الحرب المفتوحة لا تتخلى عن الخليج، بل تحميه من أخطر ما يمكن أن يتعرض له: أن يصبح هو نفسه الجبهة الرئيسية فى حرب لم يخترها، وأن يدفع وحده ثمن أهداف صاغها آخرون، الدعم الحقيقى لا يكون بتوريط الأشقاء، بل بحماية دولهم، وبمنع استهداف منشآتهم، وبالحفاظ على استقرارهم، وبناء موقف عربى موحد يرفض العدوان ويرفض فى الوقت نفسه الانجرار إلى حرب تخدم مخططات التوسّع والتفتيت أكثر مما تخدم أمن العرب، وهنا يصبح التمسك بالعقل، وبالتنسيق العربى، وبالجبهة الواحدة، وبخفض التصعيد، ليس مجرد خيار دبلوماسى، بل آخر خطوط الدفاع عن بقاء الإقليم نفسه.