في أوقات التوتر الكبرى، لا تظهر قيمة الدول فقط في قدرتها على إدانة العدوان بعبارات أو تصريحات دبلوماسية، بل في قدرتها على منع العدوان من أن يتحول إلى انهيار إقليمي شامل. ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم الموقف المصري من التطورات الأخيرة: دعم واضح وصريح لأمن الأشقاء في الخليج، إدانة للهجمات الإيرانية على أراضيهم، وتحرك دبلوماسي متصل لخفض التصعيد، مع إبقاء قنوات الاتصال السياسية مفتوحة حتى مع طهران نفسها، هذا ليس ترددًا وليس حيادًا رماديًا، بل صياغة دقيقة لمعادلة صعبة: أن تساند الحليف دون أن تدفع الإقليم كله إلى حرب مفتوحة. القاهرة تدرك أن أمن الخليج ليس ملفًا خارجيًا بالنسبة لها، بل جزء من تعريفها المباشر للأمن القومي، هذا ليس تعبيرًا بلاغيًا، وهنا تظهر الفكرة الأساسية في رؤية القيادة السياسية المصرية: الدعم لا يعني توسيع المعركة، بل يعني أولًا منع الخصم من تحقيق هدفه الأكبر: تفكيك الإقليم وإسقاطه في الفوضى، ولهذا لا يمكن قراءة الاتصالات المصرية بالخليج كأنها مجرد "رسائل تضامن" عندما يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في اتصالاته مع قادة الخليج رفض مصر للهجمات الإيرانية واستعدادها لتقديم كل دعم ممكن، ثم يعود في الوقت نفسه ليتحدث مع الرئيس الإيراني عن ضرورة إنهاء التصعيد واستعداد القاهرة لبذل كل جهد للوساطة، فإن هذا لا يعكس تناقضًا، بل يعكس ترتيبًا واعيًا للأولويات: تثبيت الموقف العربي أولًا، ثم التحرك لمنع الحرب من التحول إلى قدر دائم وصراع أبدى يستنزف المقدرات وهنا تحديدًا تصبح فكرة الجبهة العربية الواحدة أكثر من شعار تقليدي كثيرون يتعاملون معها باعتبارها أمنية سياسية قديمة، بينما أثبتت السنوات الأخيرة أنها ضرورة عملية الأخطار التي تضرب العالم العربي لا تدخل عادة من باب القوة الصلبة فقط، بل من باب الشقوق بين العواصم العربية: خلافات تُستثمر، اصطفافات تُستغل، وملفات أمنية تتحول إلى أدوات ابتزاز متبادل لذلك تصر القاهرة على أن التضامن العربي ليس ترفًا، بل بنية دفاع أولى لأن العواصم التي تتحرك منفردة تصبح أسهل في الاستهداف، أما إذا تحركت ضمن حد أدنى من التنسيق السياسي والاستراتيجي، فإن كلفة العبث بالإقليم ترتفع فورًا. وفي رأيي، هذه هي النقطة التي تميز الموقف المصري عن كثير من المواقف الأخرى في المنطقة: القاهرة لا تنظر إلى الحرب فقط بما تفعله في هدفها المباشر، بل بما تفعله في مستقبل الإقليم كله، و أي حرب واسعة في الخليج لن تظل حربًا بين أطرافها المباشرين ستتحول إلى ضغط على الطاقة، وارتباك في الأسواق، وتهديد للملاحة، وتآكل في ثقة الاستثمار، وارتفاع في تكلفة الاستيراد والإنتاج، وربما إلى فتح جبهات أخرى على امتداد الشرق الأوسط. ولهذا فإن التحذير المصري من "استمرار دوامة العنف" ليس خطابًا إنسانيًا فقط، بل قراءة دولة تفكر بلغة الأمن القومي والمصالح المترابطة. الأهم أن مصر لا تختزل المساندة في بعدها العسكري أو الأمني، هناك مساندة سياسية ودبلوماسية لا تقل أهمية: بناء موقف عربي متماسك، التواصل مع العواصم المؤثرة، تأكيد رفض الاعتداءات على السعودية والإمارات والكويت والبحرين والدفع في الوقت نفسه نحو وقف الحرب بدل تركها تتغذى على منطق الثأر والتوسّع، وهذا النوع من المساندة هو الأكثر عقلانية في مثل هذه اللحظة، لأن ما تحتاجه المنطقة الآن ليس فقط إظهار القوة، بل إظهار القدرة على منع الانفجار الكامل. ولهذا يبدو مهمًا أن القاهرة لم تُغلق الباب أمام الحديث مع إيران، الاتصال الذى تلقاه الرئيس السيسي من الرئيس الإيرانى قبل أيام كان رسالة مزدوجة: مصر ترفض المساس بأمن الخليج، لكنها أيضًا ترى أن الإبقاء على خيط سياسي مع طهران ضرورة لمنع الانزلاق إلى ما هو أسوأ، السياسة الجادة لا تُدار بالشعارات القصوى، بل بامتلاك القدرة على التحدث مع الحليف والخصم في الوقت نفسه من أجل هدف أكبر: منع الشرق الأوسط من الدخول في حرب لا يستطيع أحد أن يضمن شكل الخروج منها. ومن هنا أصل إلى النقطة الأعمق: الجبهة العربية الواحدة التي تطالب بها مصر ليست مشروع اصطفاف عسكري جامد، بل مشروع مناعة سياسية إقليمية، معناها أن العرب لا يتركون أمنهم موزعًا بين حسابات الخارج، ولا يسمحون بأن تصبح كل عاصمة رهينة لتقدير منفرد أو تهديد منفرد، معناها أيضًا أن الدعم المتبادل لا يكون فقط عند لحظة الضرب، بل في بناء موقف موحد يمنع الضربة التالية، ويمنع منطق "فرّق تُضعف" الذي عاش عليه الإقليم طويلًا. وفي النهاية، قد يكون أهم ما في الموقف المصري أنه لا يتعامل مع التصعيد باعتباره مناسبة للخطابة، بل باعتباره لحظة اختبار لفكرة الدولة العربية نفسها: هل تبقى الدول متماسكة ومتصلة ببعضها بما يكفي لتمنع الفوضى؟ أم تترك الحرب تفرض عليها جدول أعمالها واحدًا واحدًا؟ مصر، كما يبدو من تحركاتها الرسمية، اختارت الإجابة الأولى: دعم الأشقاء، حماية الخليج، إسناد الأمن العربي الجماعي، وفتح كل باب ممكن لإطفاء الحريق قبل أن يصل إلى البيت كله وهذه ليست سياسة "منتصف الطريق"، بل ربما تكون السياسة الوحيدة العاقلة في زمن لم تعد فيه الحروب تقف عند حدودها الأولى.