رائعةٌ ومُقدَّرةٌ الجهود الحكومية المبذولة للارتقاء بفن تلاوة القرآن الكريم في الفترة الأخيرة؛ ما قد يُسهم بشكل أو بآخر في استعادة الأمجاد المفقودة لدولة التلاوة المصرية. الأمر لا يقتصر على تنظيم فعاليات ومسابقات مشهودة لاختيار أصوات قادرة على وَصل ما انقطع من ريادة حقيقية رفَعَت اسم مصر خفاقًا في هذا الميدان خلال ثلثي القرن الماضي، والتمكين لها، ولكنه امتد أيضًا إلى إنتاج أفلام وثائقية عن الرعيل الأول من القراء، والإعلان عن مشروعات أخرى مشابهة.. وهنا ثلاث ملاحظات رئيسة لا بد من وضعها في الحسبان، إن أردنا أن يكون البنيان متسقًا ومتينًا وقائمًا غير مُنهدم: - الملاحظة الأولى: نزع الطابع الدعائي والإعلاني عن هذه الجهود وتلك الفعاليات وعدم توظيفها لأية أغراض سياسية، وجعلها خالصة لوجه الله تعالى، وحفظًا لكتابه الكريم، وتعظيمًا لشأنه؛ حتى تؤتي ثمارها طيبة مباركة دون نقصان. - الملاحظة الثانية: تنقية جديد هذه الفعاليات والمسابقات والبرامج في قادم المواعيد من الأخطاء والخطايا التي شابت المرحلة الأولى بجميع تفاصيلها، ولم تكن قليلة؛ وربما كان ذلك ناجمًا عن الاستعجال، أو عن إسناد بعض المسؤوليات إلى غير أهلها، وبدا ذلك في كثير من حلقات الموسم الأول لبرنامج دولة التلاوة. لا يصح تقديم مواد متلفزة عن قراء ومبتهلين مصريين مشوبة بالأخطاء الجسيمة، في الوقت الذي قدمت فيه فضائيات عربية حديثة النشأة والعهد برامج وأفلامًا عن تاريخ القراء والمبتهلين المصريين دون خطأ واحد، وعلى درجة متقدمة جدًا من الجودة والدقة والوعي والفهم وعدم الخلط. - الملاحظة الثالثة: وأظنها مُكملة وواجبة ولازمة ومُلزمة لما قد سلف، وتتمثل في الضرب بيد من حديد على العوالم الخفية والسفلية لما يحدث في سرادقات العزاءات. ولمن لا يعلم فإنَّ هذا العالم يحكمه بزنس كبير، وتقوده مافيا متشابكة، تتحكم في الطريقة التي يُتلى بها القرآن الكريم. في بعض هذه السرادقات، يتخلى بعض القراء، ومنهم مُعتمدون إذاعيًا، ومنهم دخلاء وأدعياء، عن الوقار والانضباط المطلوبين في تلاوة القرآن الكريم، ويتحول الأمر إلى ما يُشبه (عرضًا هزليًا) لا يليق بقداسة كلام الله تعالى. في هذا العالم المريب تم استحداث ما أصبح يُعرف ب"القرآن الشعبي"، ويعني أسلوبًا ساقطًا في التلاوة، يتجاهل الأحكام اللازمة والضوابط الحاكمة للقراءة الصحيحة، ويستهوي العامة الذين لا يرجون لله وقارًا، فيتصايحون ويتقافزون كأنهم في حانة، وليسوا في حضرة مُحكم التنزيل. وفي هذه السرادقات التي يسيطر على مقاليد الأمور فيها سماسرة وفراشون يضطر بعض القراء الجيدين إلى مجاراتهم حتى يبقى الطلب عليهم موصولًا، ولا يضطروا إلى الجلوس في البيت..في مفارقة صادمة وحزينة! ولو كان هذا الهزل مقتصرًا على السرادقات فقط لكانت البلوى أهون، ولكن هذه التلاوات يتم تقطيعها و(تشييرها) وتمويلها على نطاق واسع في الفضاء الإلكتروني، فتغادر حدود المحلية، بما يسيء إلى مكانة مصر المعروفة تاريخيًا ب دولة التلاوة. المهازل التي تشهدها السهرات القرآنية في بر مصر، سواء كانت عزاءات أو أفراحًا، تتطلب تفعيلًا عاجلًا لقانون نقابة محفظي وقراء القرآن الكريم الصادر في عام 1983، أو تعديل بعض مواده؛ ليكون رادعًا لكل من تُسوِّل له نفسه الخروج عن مقتضيات التلاوة الصحيحة والسليمة. إنَّ الاهتمام بتنظيم مسابقات وفعاليات وإنتاج أفلام وبرامج عن فن تلاوة القرآن الكريم وتسويقها عبر جميع الوسائط الإعلامية المتاحة، دون مجابهة العوالم السفلية ومحاصرتها وتجفيف منابعها بكل خباياها، وحفظ كتاب الله من كل متهاون أو متخاذل أو مرتزق، أشبه بمَن يهتم بتجميل واجهة بيت آيل للسقوط!