سمعت أحدهم يقول في غضب: منذ مينا "موحد القطرين" لم يتجرأ أحد علي مؤسسة الرئاسة في مصر كما فعل وزير الثقافة فاروق حسني! فالرجل يدس بأنف الرئاسة في كل أحاديثه، ويعطي لنفسه الحق في أن يرفع هالات الاحترام والهيبة التي تحيط بهذه المؤسسة وهو أمر يحنق المواطن العادي الذي تربي علي أن مقعد الرئاسة أو القيادة.. مكانه في أعلي عليين ولا يتكلم عنه إلا في إطار من التقدير الشديد الذي يصل في أحايين كثيرة إلي حد التقديس.. والمثال الصارخ علي ذلك أن وزير الثقافة "فاروق حسني" في حوار له بإحدي الصحف أشار في تبسيط لمعادلة الحاكم والمحكوم أزعجت الكثيرين خصوصاً عندما قال: أنا والرئيس نفهم بعضنا بعضاً.. وكأنه بذلك يريد أن يزرع صورة معينة له لدي مؤسسة الرئاسة.. وكلنا يذكر أنه عندما أعلن نفسه مرشحاً لمقعد اليونسكو في أوائل عام 2007 أرجع ذلك إلي رغبة مؤسسة الرئاسة وليس رغبته هو! مع أن الجميع يعلم أنه هو الذي كان يموت شوقاً لهذا المقعد والدليل علي ذلك ثورته الحالية علي أوروبا وأمريكا وأفريقيا لأنها لم تؤيد ترشيحه فرسب في الامتحان! وفاروق حسني ومعاونوه هم الذين دفعوا بمؤسسة الرئاسة لكي توجه شكراً خالصاً لملك إسبانيا علي تأييد اسبانيا له، وتبين لاحقاً أن اسبانيا لم تعط في الجولة الأخيرة غير المرشح الأوروبي.. ولعل أسوأ ماتورط فيه هو قوله إن الرئيس مبارك هاتفه بعد الفشل الذريع في اليونسكو قائلاً له: ارم وراء ظهرك وهي عبارة قد نفهمها علي أنها من قبيل السلوي وتخفيف الأحزان خصوصاً أننا نعلم جميعاً الجانب الإنساني الكبير في شخص الرئيس.. وبالتالي ما كان لفاروق حسني أن يصرح بهذا الأمر.. وكذلك تراجعه في الاستقالة فكلنا يذكر أنه كان يقول: لو فشلت في اليونسكو فسوف أترك مقعد الوزارة..لكنه الآن يرسم علي البقاء عشرين عاماً أخري. .. إن فاروق حسني قد أساء إلي مصر بإدارته لمعركة اليونسكو بشكل خاطئ ويريد إفساد علاقات مصر مع الدائرة الأوروبية والمتوسطية والأفريقية.. ويجعل وهو شيء متجاوز الحد مؤسسة الرئاسة علي لسانه ليل نهار ليجعلها حصانة له.. وليسكت معارضيه خوفاً وبطشاً وهو أمر يسيء إليها.. لأن مؤسسة الرئاسة لكل المصريين وليست فقط لشخص وزير الثقافة. زمن قطر! .. في ضوء تعقد الأوضاع السياسية في لبنان وفشل زعيم الأغلبية سعد الحريري في تشكيل حكومته أعلنت قطر استعدادها لاستضافة رجال السياسة في لبنان وتكرار ما حدث في ظروف متشابهة مع حكومة السنيورة قبل فترة.. ولا أحد يدري ماذا تم في مرحلة السنيورة غير أن الهمس كان كثيراً وعميقاً وشاملاً علي اعتبار أن في الأمر صفقة بل صفقات ورشاوي مالية لهذا الطرف أو ذاك! أيا كان الأمر، فالثابت عملاً أن قطر ترسم لنفسها طموحاً قد يفوق كل التصورات، وهذا ليس عيباً، ولكن العيب في اعتقادها أنها تستطيع أن تفعل كل شيء وحدها، وكأنها تتحرك في الفراغ! والخطأ الذي تقع فيه هذه "الإمارة" الصغيرة ربما عن جهل أو عدم خبرة ودراية أن الفضاء الذي تتحرك فيه ليس فارغاً وإنما تشغله قوي إقليمية، وتتحكم فيه قوي خارجية.. وأن هناك جملة من المعادلات الحاكمة لا يمكن غض الطرف عنها أو التقليل من أمرها.. وليس معني أن قطر لم تدركها فيكون ذلك مؤشرا أنها ليست موجودة وفاعلة.. وعجز قطر عن إدراك ذلك يجعلها في الواقع تهدر وقتاً وجهداً ومالاً فيما لا طائل من ورائه. والمثال علي ذلك تحركها في دائرة دارفور.. وهو تحرك لم يسفر عن شيء البتة.. وكلنا يعلم أن المدونات التي وقعت.. فشلت قبل أن يجف الحبر المكتوبة به! صحيح ان دولاً كبري مثل فرنسا هي التي أسالت لعاب قطر نحو القيام بهذه الوساطة بين دارفور والخرطوم، لكن المؤكد أن موقف فرنسا قد صادف هوي في نفس حكام قطر.. وإذا انتقلنا إلي دائرة اليمن والصراع في صعده وجدنا اطلالة قطرية لم تسفر عن شيء.. بل إن إطلاق سراح المقرحي "الليبي" لأسباب صحية.. كان لقطر دور فيها.. وهناك حديث متواتر حول رغبة قطرية في أن تلعب دور المُهديء في الخلاف السوري العراقي.. وليس مُستبعداً أن تطمح هذه الدولة العربية الصغيرة في أن تلعب دوراً في الحوار العربي الإيراني الذي اقترحه مؤخراً السيد عمرو موسي أمين عام الجامعة العربية. في كل الأحوال، فإن دور المهدئ ونازع فتيل الأزمات، هو دور مطلوب، وليس حكراً علي أحد، لكن السؤال: لماذا تكره قطر أن تقوم بالتنسيق مع الدول الكبري في المنطقة.. والحق أن هذا التنسيق الذي نريده لن يقلل من دور قطر الذي تطمح إليه بقدر ما يضمن نجاحه.. لكن ما الحيلة، وقصر النظر سمة غالبة عند العرب خصوصاً في تلك الدول التي تظن أن الدور والمكانة والتأثير يمكن شراؤها بالمال!! الأممالمتحدة وخيال الظل! .. عندما قام العقيد الليبي معمر القذافي بتمزيق ميثاق الأممالمتحدة أثناء خطابه أمام الجمعية العامة للمنظمة الدولية تعاطف معه الكثيرون من القاعة وخارجها لأن الأممالمتحدة قد تحولت في السنوات الأخيرة وتحديداً منذ انفراد أمريكا بالقرار الدولي إلي مجرد قاعة كبيرة تعلن فيها القرارات المأخوذة سلفاً في البيت الأبيض.. أي أنها أصبحت أشبه بمكتب تابع لوزارة الخارجية الأمريكي يأتمر بأمرها. ومعلوم أن المصداقية في هذه المنظمة قد تأكلت منذ زمن وفضحتها جملة من المواقف العالمية في العراق وافغانستان وأمريكا اللاتينية ناهيك عن موقفها الذي لا معني له إزاء جبروت الدولة الإسرائيلية وتعنتها وتسميمها للأجواء جميعا. وليس خافيا علي أحد ان مسألة إصلاح الأممالمتحدة تملأ رؤس الكثيرين ويتحمس له عدد من رؤساء وقادة الدول.. ولذلك لقي سلوك العقيد القذافي ارتياحا لدي الكثيرين والحق ان واقع الحال يؤكد ان الأممالمتحدة وتحرير مجلس الأمن قد تجاوزته الأحداث.. فالمناخ الدولي الذي أنشيء فيه هذا المجلس قد تغير من النقيض إلي النقيض.. وهذا معناه ان مجلس الأمن بات اشبه بخيال الظل الذي لا تخافه الطيور! وكلنا يذكر ان معادلات القوي من إنشاء مجلس الأمن مغايرة تماما لوقعها الحالي: فقد كانت امبراطورية كبري، وكذلك بريطانيا التي كانت ممتلكاتها لاتغيب عنها الشمس والاتحاد السوفييتي كان قائما ويشارك أمريكا القرار الدولي في ظل ثنائية قطبته يعمل لها ألف حساب! أما اليابان فكانت مهزومة وألمانيا النازية كانت تقلق جيرانها.. اليوم اليابان أصبح لها شأن آخر.. وكذلك المانيا... أما فرنسا فلقد تقلصت امتداداتها وكذلك بريطانيا عادت لتكتفي بحدودها الجغرافية.. كما ان الاتحاد السوفييتي قد طويت صفحته وتم اختزاله في دولة واحدة هي روسيا. معني ذلك أننا أمام معادلات دولية جديدة يتعين وضعها في الاعتبار والعمل دون إبطاء علي إصلاح الأممالمتحدة وصياغة دستور جديد لها.. وتمزيق العقيد الليبي للميثاق الحالي فيه إشارة لذلك كما فيه ان الأممالمتحدة بصورتها الراهنة لا جدوي منها ولا تستحق ان يبكي عليها الباكون. والمعروف ان هناك طروحات كثيرة تري ضرورة الابقاء علي هذه المنظمة الدولية شرط ان تكون فاعلة ومؤثرة وتقوم بمسئولياتها الدولية في موضوعية ونزاهة. في ظني ان ما فعله العقيد الليبي كان يود الكثيرون ان يقوموا به لأنه انذار بأن الأممالمتحدة قد فقدت هويتها الدولية وأصبحت مجرد أداة في يد الدولة العظمي أمريكا تحقق بها ما تريده وتؤمن بمد آلياتها سياساتها الدولية وكأنها سياسة المنظمة.