السياسة والاستراتيجية لها مواسم يتم فيها مراجعة الفكر والتطبيق وتقييم الأرباح والخسائر. وهذه المواسم مرتبطة بمواعيد تقليدية ظلت إلي درجة كبيرة علي علاقة بتغير الإدارة الأمريكية، وفي حالات خاصة جاءت كرد فعل لأحداث مفاجئة كما حدث في أعقاب 11 سبتمبر. وحقيقة الأمر أن الولاياتالمتحدة احتكرت منذ انتصارها في الحرب العالمية الثانية تصدير وتسويق الأفكار والمفاهيم الاستراتيجية الكبري والمقصود بها كل ما يتعلق بأمور الحرب والسلام إلي باقي دول العالم، أما الدول الأخري فدورها لم يتعد التأقلم مع هذه المفاهيم أو نقدها أو مقاومة تأثيرها، ولا يستثني من ذلك بدرجات متفاوتة دول كبري أعضاء دائمين في مجلس الأمن مثل الاتحاد السوفييتي سابقا وروسيا الاتحادية حاليا. والسبب في ذلك يرجع إلي عدد من العوامل من أهمها أن الولاياتالمتحدة كانت متفوقة منذ بداية القرن العشرين في ميدان التكنولوجيا العسكرية التطبيقية ولم ينافسها في ذلك إلا ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي، وفي الحالتين كان السبق النهائي للولايات المتحدة علي ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، والاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة. والسبب الثاني تميز الولاياتالمتحدة بمراكز ومعاهد استراتيجية متعددة عسكرية ومدنية دائمة البحث عن الجديد وسط أجواء مفتوحة لا تتحرج من مناقشة الأمور العسكرية علانية، كما تسمح للمجتمع المدني أن يدلي بدلوه في أمور يظن البعض أنها مقصورة فقط علي الجنرالات. ولا يعني ذلك خلو الساحة الاستراتيجية من إسهامات سوفييتية عظيمة، وأفكار صينية قديمة، وتجليات إنجليزية وفرنسية، لكن عناصر الإطار العام للفكر الاستراتيجي مازال في معظمه أمريكيا خالصا. ولو نظرنا إلي الخلف قليلا لوجدنا أن الصواريخ الباليستية والقنابل النووية قد خرجت من رحم الحرب العالمية الثانية، وظلت الطائرة والدبابة والسفينة الحربية عناصر أساسية في الحرب التقليدية حتي بداية الثمانينيات من القرن الماضي. ومع إدارة الرئيس ريجان أُعيد النظر في هذه المنظومة، وتحالفت تكنولوجيا الإلكترونيات والمعلومات مع فكر استراتيجي جديد يتحدث عن "ثورة في الشئون العسكرية"، خرجت من تحت عباءتها الصواريخ الكروز والطائرات الشبح والصواريخ الموجهة بالرادار والأشعة الحمراء، والصواريخ المضادة للصواريخ، والأقمار الصناعية العسكرية للتجسس والإنذار المبكر وتوجيه الذخيرة من الفضاء. وامتدت الثورة إلي منظومة إدارة الحرب فجعلت القائد العسكري والجندي في الميدان والمسئول السياسي في مكتبه يعملون معا في نفس الوقت الحقيقي للمعركة. وبانتصار الغرب في الحرب الباردة، وفي حرب الخليج الأولي التي استخدم فيها لأول مرة الصواريخ الكروز وغيرها من إنتاج حقبة الثورة في الشئون العسكرية، تحولت الاستراتيجية العسكرية في عصر كلينتون نحو تخفيض الإنفاق العسكري، وإلغاء كثير من القواعد العسكرية في الخارج، والتركيز علي حل المشاكل الدولية باستخدام العمل السياسي والدبلوماسية. إلي أن جاءت إدارة الرئيس بوش الابن برؤية جديدة عن دور أمريكا في العالم تُمثل القوة العسكرية فيها عنصرا أساسيا في التعبير والتغيير. وتواكبت مع ذلك أحداث 11 سبتمبر وتصاعد موجات الإرهاب العالمي، وظنت الإدارة الأمريكية أن القوة الأحادية هي الوسيلة الناجعة والحاسمة في مواجهة هذا التهديد، ونجحت إلي حد كبير في تعبئة دول معها في حربيها في العراق وأفغانستان، لكن النتائج لم تكن علي مستوي التمنيات. ومع انتهاء رئاسة الرئيس بوش سوف تبدأ الولاياتالمتحدة موسم المراجعات الاستراتيجية أو بتعبير آخر موسم تعريف وإدارة خيارات الحرب والسلام. والملاحظة الأولي التي يمكن تسجيلها أن الولاياتالمتحدة لم تفقد بعد دورها القيادي في هذه العملية الأساسية لكن لم تعُد وحدها في الميدان. ومن المثير أن إدارة الرئيس بوش وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة كانت تستضيف في البيت الأبيض زعماء عشرين دولة من دول العالم لمناقشة كيفية إدارة الأزمة المالية العالمية مُقدمة بذلك مدخلا رمزيا تاريخيا موحيا عن الملامح الاستراتيجية للعالم في أعوامه القادمة. وقد سبقت هذه الصورة الموحية عاصفة عالمية مٌفعمة بصور التهديد والخطر والفوضي وسط عنفوان تكنولوجي يضيف كل يوم قدرات إنسانية لم يعرفها البشر من قبل، لكنه لم يملك بعد ناصية السيطرة عليها داخل إطار عولمي واضح ومفهوم وآمن. بدون شك وخلال موسم المراجعات الاستراتيجية سوف تُواجه الإدارة الأمريكية تحديا فكريا صعبا لتغيير المسار وإعادة رسم دور أمريكا ومسئولياتها علي مستوي العالم. وهناك بالتأكيد تهديد الإرهاب، والتهديد النووي في ظل أزمة طاقة، وتحولات ديموجرافية علي مستوي قارات العالم، فضلا عن أوجاع العولمة، وتأثيرات الثورة التكنولوجية المتوقعة وغير المتوقعة. وبالنسبة للتهديد النووي يطل علينا المشهد العالمي بتفاصيل متناقضة. فهناك دول تعمل علي تقليل دور السلاح النووي في استراتيجيتها العسكرية، وهناك دول تسير عكس هذا المسار وتري في امتلاك السلاح النووي ضرورة لضمان أمنها. وبالتوازي مع ذلك هناك خطر انتشار التكنولوجيا النووية من بوابة إنتاج الطاقة السلمية لحاجة العالم لموارد طاقة جديدة لم يعد ممكنا الاستغناء عنها. هذه الأمور أصبحت موضع بحث مكثف هذه الأيام في الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية، وأمام هذه الدوائر تجربة ثماني سنوات مضت، وهي تجربة عالمية كما هي أمريكية. وخلاصة تجربة الماضي أن تقسيم العالم إلي دول لها الحق في امتلاك السلاح النووي وأخري ليس لها الحق نفسه لن يكتب لها النجاح، وأن تحقيق هذه المعادلة غير العادلة بقوة السلاح مُكلف للغاية إن لم يكن مستحيلا. ونتيجة لذلك سوف تتسم المناقشات حول هذا الموضوع بالبحث عن تعديلات في العقيدة النووية الأمريكية وحلف الناتو نحو تقليل دور القوة النووية في السياسة الخارجية والدفاعية وحصرها في إطار الملاذ الأخير للدفاع عن النفس وليس للتهديد والردع. وهذا التوجه يتناغم مع مبادرات قدمها استراتيجيون أمريكيون من بينهم هنري كيسنجر مؤخرا دعوا فيها إلي خفض أهمية السلاح النووي تمهيدا لإزالته في النهاية. ومن الطبيعي أن يتوازي مع ذلك تطوير في معاهدة منع الانتشار النووي المُخطط مراجعتها في 2010 بما يعمق وسائل الرقابة والتحقق والعمل علي تحقيق عالمية المعاهدة بضم دول مازالت خارجها. أمريكا أيضا في حاجة إلي مراجعة معاهدة "ستارت" مع روسيا من زاوية أساليب التفتيش والتحقق وأيضا العمل من أجل خفض ترسانة الدولتين النووية إلي أقصي حدود ممكنة. وبجانب ذلك أصبح من الضروري علي الولاياتالمتحدة أن تتواضع وتجلس مع روسيا والصين في مراجعات استراتيجية للتأكد من وجود توازن استراتيجي غير قابل للانفلات في أية لحظة. وما حدث خلال السنوات الماضية أن الولاياتالمتحدة كانت علي يقين من تفوقها العسكري الكامل علي كل من روسيا والصين، وبرغم حدوث مناوشات هنا وهناك مع الدولتين إلا أن أمريكا استمرت في طريقها واثقة من تفوقها الكامل وقدرتها علي الردع. ولم تتردد في هذا المناخ من شن حرب علي صدام حسين في 1991، ثم الانخراط في حرب كوسوفو 1998، وبعدها تورطت في حربي أفغانستان والعراق. وتشير إرهاصات في الأفق إلي صعوبة استمرار الولاياتالمتحدة في الاستمتاع بحرية الانفراد باتخاذ القرار علي المستوي الدولي كما كان الأمر من قبل. فهناك عوامل جديدة من بينها نمو القوة العسكرية الصينية والروسية بما يجعل الولاياتالمتحدة في حاجة إلي الجلوس مع الدولتين ومع قوي أخري صاعدة للحديث حول خيارات الحرب والسلام في المستقبل. وقد تضطر الإدارة الأمريكيةالجديدة إلي إعادة النظر في مشروعها لنشر قواعد للصواريخ الدفاعية في دول أوروبية قريبة من الحدود الروسية، وأخري في آسيا قريبة من الحدود الصينية. كما قد تحتاج الإدارة الأمريكيةلروسيا والصين في معالجة التهديدات الإيرانية، وفي حربها ضد الإرهاب، ثم فيما ظهر مؤخرا من تدهور الأمن في أعالي البحار، وانتشار القرصنة في مناطق قريبة من سيطرة الأسطول الأمريكي الخامس في المحيط الهندي، والسادس في البحر الأبيض المتوسط.