خلال الشهر المنصرم ألقي الرئيس بوش خطاباً في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية علي هامش مؤتمر نظمته جمعية المحطات التليفزيونية الدينية أعاد فيه التأكيد علي قناعته الراسخة بسياسته الخارجية التي انتهجها طيلة فترة رئاسته، مؤكداً أنها كانت حملة أخلاقية ناجحة لتحرير الشعوب وإخراجها من ربقة التسلط والاستبداد. والواقع أن بوش لا يقتصر علي تأكيد إيمانه الراسخ بجدوي سياسته الخارجية ونجاعتها في تحرير الشعوب، بل هو مضطر للإيمان بها والاستمرار في عناده الأزلي لأن هذا مخرجه الوحيد لحفظ ماء وجهه ومواصلة مسيرته في البيت الأبيض. ففي ظل المعاناة التي تسببت فيها سياساته لشعوب كثيرة والفشل الذي لاحق حروبه المتعددة يفترض بأي شخص في مكانه أن يعلن علي الملأ إخفاقه المُبين، بدل التلويح بالنصر كما فعل في مؤتمر المحطات التليفزيونية الدينية، وكان يفترض أيضاً أن يفضل الاختفاء عن الساحة والانزواء بعيداً وترك مجال السياسة لمن هم أكثر واقعية وأقل انجذاباً للأيديولوجية اليمينية ل"المحافظين الجدد". لكن بوش فضل السير علي نفس المنوال والعزف علي ذات السياسات والأفكار المعتادة في ظل تجاوب جمهوره المتدين فأعلن أمامهم أن أعداء أمريكا اليوم "تتعين مواجهتهم ودحرهم. لأن ذلك ما يستدعيه العصر، والأجيال عادة ما تُستدعي لخوض المعارك والدفاع عن الوطن والحرية، ونحن بدورنا مدعوون لخوض هذه المعركة". وتابع بوش في خطابه أمام جمهور متحمس أن المعركة هي ضد أشخاص يشبهون القادة النازيين، أو الديكتاتور الكمبودي "بول بوت"، فضلاً عن الذين ارتكبوا المجازر في رواندا. ويواصل بوش خطابه قائلاً: "لقد رأينا أمثال هؤلاء الأشخاص، وإنه من المهم ألا ننسي دروس التاريخ". وأكد أيضاً أن قراره بغزو العراق والإطاحة بصدام حسين "كان وسيبقي قراراً صائباً. فقد أدرك العراقيون خطط العدو واختاروا الاصطفاف مع الحرية، ونحن نقول لهم إن أمريكا تقف إلي جانبهم". وإذا كنت أستشهد بكلام الرئيس وأورد مقاطع طويلة منه فذلك لأقارنه مع خطاب آخر أكثر هدوءاً وواقعية وأقل تشنجاً، علي رغم أنه كان مسئولاً علي ما يبدو عن إقالة القائد العسكري للرئيس بوش والمشرف علي العراق وإيران وآسيا الوسطي وأفغانستان عندما تفوَّه بكلمات متزنة بعيدة عن لغة الحرب والتهديد. ففيما يشبه المعركة السياسية، أو الأخلاقية، وقد يكون الاثنين معاً، قرر الأدميرال "ويليام فالون"، القائد الأعلي للقيادة الوسطي والمسئول عن المنطقة التي تخوض فيها أمريكا حربيها في العراق وأفغانستان، التنحِّي من منصبه وإراحة الرئيس بوش بسبب ما فسرته بعض الأوساط علي أنه عدم انصياع "فالون" للأوامر السياسية واعتراضه علي بعض المواقف والرؤي التي تتبناها إدارة الرئيس بوش. فقد تعرض الأدميرال لانتقادات حادة ومُورست عليه ضغوط شديدة لإعلانه في وقت سابق عن استعداده للانخراط في مباحثات مع إيران لتسوية الخلافات العالقة بين البلدين، فضلاً عن تأكيده في إحدي المناسبات أنه طالما بقي علي رأس القيادة الأمريكية العليا للمنطقة الوسطي، التي تضم الشرق الأوسط وآسيا الوسطي، فلن يكون هناك هجوم أمريكي علي إيران. وأضاف الأدميرال "فالون" إن الجعجعة التي أصدرتها واشنطن وبعض أركان إدارة الرئيس بوش طيلة العام الماضي عن حرب وشيكة ضد إيران، فضلاً عن التحريض علي الحرب وإبراز فوائدها من قبل الصحافة اليمينية في الولاياتالمتحدة "لن تكون مجدية، كما لن تساعد في تقدم الأوضاع في الشرق الأوسط". والأدميرال "فالون" الذي يعرف الحقائق علي الأرض باعتباره قائداً ميدانياً يدرك جيداً أن الأخطار والتهديدات التي تروج لها الإدارة الأمريكية وتستخدمها لزرع الرعب في نفوس الرأي العام الأمريكي لا أساس لها من الصحة، وبأن معلومات حقيقية وموثقة من شأنها تفنيد كل تلك المزاعم. ويمكن الإشارة هنا إلي تقرير هيئة الاستخبارات الوطنية الذي أورد بأن إيران أوقفت برنامجها النووي الموجه لأغراض عسكرية في عام 2003، وهو ما سحب البساط من تحت أرجل إدارة الرئيس بوش. والواقع أن "فالون" لم يقم سوي بما كان المؤرخون يلومون القادة العسكريين علي عدم القيام به وهو الوقوف في وجه القيادة السياسية عندما يتعلق الأمر بارتكاب أخطاء لا تغتفر، وإذا ما استدعي الأمر المبادرة بتقديم الاستقالة. ولحسن الحظ لا يتعرض القادة العسكريون في أمريكا إلي عقاب قاسٍ، أو الإعدام إذا هم عارضوا تنفيذ الأوامر، بحيث غالباً ما يتلقون عروضاً سخية للعمل في شركات استثمارية، أو صناعية بعد الاستقالة من الجيش، بل إنهم قد يعودون إلي معترك السياسة وقد يشاركون في الانتخابات الرئاسية. لكن مع ذلك فإنه من النادر جداً في الولاياتالمتحدة أن يخرج أحد القادة العسكريين الكبار علي الملأ ويجهر بمعارضته للقيادة السياسية، أو يسجل عدم ارتياحه لمواقف المسئولين السياسيين في الإدارة. ولعل آخر مثال علي ذلك كان اعتراض الجنرال "دوجلاس مكارثي" علي سياسة الرئيس "هاري ترومان"، وهو ما أدي بهذا الأخير إلي إقالته من منصبه وإحالته الي التقاعد. والأكثر من ذلك فوجئ "مكارثي" عندما لم يدرج اسمه في لائحة مرشحي الحزب "الجمهوري" للرئاسة فألقي خطابه الوداعي المؤثر في أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية التي رأسها في السابق، وقال كلماته التي أبكت الطلبة "إن الجنود القدامي يختفون فقط". ولعله من المثير للاهتمام التساؤل هنا عما إذا كان السيناريو نفسه سيتكرر مع من هم في رتبه أدميرال في أمريكا.