يمكن لحضور سوريا مؤتمر السلام في مؤتمر انابوليس الذي التأم مؤخراً أن يسهم في خفض حدة التوتر في لبنان، ذلك البلد الذي دخل في مرحلة فراغ في القيادة بعد ان وصلت الفئات المتصارعة الي حالة من الجمود حول انتخاب رئيس جديد للبنان كما يقول محللون. سورية التي تمارس ضغطا قويا لصالح المعارضة اللبنانية في وجه الحكومة المدعومة غربيا في بيروت، كانت قد حضرت إلي انابوليس بعد ان وافق المسئولون الأمريكيون علي احتمال بحث موضوع مرتفعات الجولان السورية التي تحتلها اسرائيل منذ عام 1967، وقد يساعد حضور سورية للمؤتمر في بداية ذوبان الجليد الذي يكتنف العلاقات الثنائية بين دمشقوواشنطن، وهو ما يتوقع بعض المحللين ان يساعد في اضفاء الاستقرار علي لبنان، كما وفي اضعاف علاقة سورية مع ايران. يقول ابراهيم حميدي، مراسل صحيفة "الحياة" العربية اليومية النافذة في دمشق: "ثمة صلة واضحة جدا ظهرت في الاسبوعين الماضيين بين ازمة لبنان وبين انابوليس.. إن ذلك يشكل جزءاً من عملية تركز مرة اخري علي النزاع العربي-الاسرائيلي.. وسيكون لها بالتأكيد اثر ايجابي علي لبنان". لبنان يمر في مرحلة جنينية في الغضون، سيطر نوع من الهدوء المشوب بالحذر علي لبنان مع دخوله في فوضي دستورية غير مسبوقة، فيما انتشرت قوات من الجيش مدعومة بعربات مدرعة في شوارع بيروت الرئيسية للحيلولة دون وقوع اعمال عنف. وقد توقع محللون حدوث القليل من الحراك السياسي قبل ظهور نتائج مؤتمر انابوليس، خاصة اذا خرجت سورية راضية عن المؤتمر. ما تزال العلاقات السورية مع الولاياتالمتحدة مجمدة من الناحية الفعلية منذ شهر شباط - فبراير 2005، اي منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري. وكان تحقيق بإشراف الاممالمتحدة قد وجه اصبع الاتهام الي مسئولين سوريين كبار بالوقوف وراء اغتيال الحريري، فيما يجري الإعداد لتشكيل محكمة دولية لمحاكمة اولئك الذين سيدانون في نهاية المطاف بالوقوف وراء جريمة اغتيال الحريري. ويعتقد بعض المحللين ان دمشق تسعي حالياً للتوصل الي صفقة شاملة، والتي تتم بموجبها استعادة العلاقات مع واشنطن وتفضي الي المساعدة في تحسين علاقاتها المتوترة مع البلدان العربية التي ظلت تنظر بقلق عميق الي علاقات سورية القوية مع ايران في السنتين الماضيتين علي وجه الخصوص. وقد حدد اميل خوري، وهو كاتب عمود في صحيفة "النهار" اللبنانية الخطوط العريضة لهذه الصفقة، فذكر في مقال له كتبه مؤخرا ان سوريا عرضت المساعدة في إضفاء الاستقرار علي لبنان، وبالتالي "لن يتم استخدام المحكمة الدولية لفرض عملية انتقام سياسي يعرض النظام السوري للخطر". هل تسعي الولاياتالمتحدة إلي تدفئة العلاقات مع سورية؟ حتي الآن، أظهرت ادارة بوش القليل من الرغبة في التوصل الي اعادة ترتيب جدية مع دمشق، لكن ذلك قد يتغير طبقا لما قاله محللون. وفي حقيقة الأمر، جاءت الدعوات لإشراك سورية في أنابوليس من مصادر غير متوقعة. فقد قال الميجر جنرال الاسرائيلي موشي كابلينسكي الذي كان نائبا لرئيس اركان الجيش الاسرائيلي خلال مؤتمر في واشنطن في الشهر الماضي: "ان الوقت قد حان لاستخدام الجزرة"، وليس العصا فقط في التعامل مع سورية. واضاف انه يجب اشراك سورية بهدف: "إبعاد سورية عن محور المقاومة" -التحالف الاقليمي الذي يضم سورية وايران وحزب الله وحماس، والذي يعارض اسرائيل والسياسة الاميركية في الشرق الاوسط. واشار الي ان "هذا سيضفي الاستقرار علي لبنان ويخفض من قوة النفوذ الايراني علي لبنان وسورية". مع ان سورية ارسلت وفدا ثانويا الي انابوليس، فقد وفر تواجدها وحده، باعتبارها عدواً عربياً بارزاً لاسرائيل، تغطية دبلوماسية للدول العربية حتي تحضر، مما عزز الآمال الاميركية بنجاح المؤتمر. ويقول السيد حميدي في الحياة: "ان حقيقة ان السوريين حصلوا علي ما ارادوه من واشنطن (حول اجندة انابوليس) قد جعلت السوريين راضين، واعتقد بأن هذا سيكون جزءا من عملية استئناف الحوار بين الادارتين". لكن حضور سورية لانابوليس ارق مضاجع حلفائها في ايران وحزب الله وحماس. وكان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد قد وجه انتقادا يوم الاحد الماضي إلي المسؤولين العرب الذين حضروا اجتماع انابوليس قائلا: "ان المشاركة في هذه القمة هي بمثابة إشارة الي ان ثمة افتقاراً الي الذكاء لدي بعض من يدعون انفسهم ساسة. وأنا آسف لان بعض الناس من حولنا يخططون للمشاركة في المؤتمر الذي يساعد فقط في دعم المحتلين الصهاينة". وتقول امل سعد غريب من مركز كارينج إنداومنت للشرق الاوسط في بيروت ان تعليق السيد احمدي نجاد صيغ "بلغة قوية جدا"، وكان بمثابة "تحذير واضح لسورية من انها اذا قدمت تنازلات في انابوليس فإنها ستسقط من عين ايران". الي ذلك، يخشي ساسة تيار 14 اذار من ان تفضي الرقصة الدبلوماسية بين دمشقوواشنطن الي بيعهم في صفقة اوسع بين الولاياتالمتحدة وسورية وايران، مع العلم بأن السيادة اللبنانية ظلت علي الدوام موضع التضحية لصالح الوئام الاقليمي. من جهته يقول اندرو تابلر، رئيس تحرير صحيفة "سورية اليوم" سيريا توداي: "ان ايام التواجد السوري المباشر في لبنان هي في طور الأفول". ويضيف: "ومع ذلك، فإن دعوة سوريا إلي أنابوليس تعطيها الفرصة لإظهار تأثيرها علي الاطراف في لبنان، وأن باستطاعتها ان تساعد في تحسين الوضع هناك".