الشرقية - إسلام عبدالخالق أسدلت محكمة جنايات الزقازيق الاستئنافية في محافظة الشرقية الستار على واحدة من أكثر القضايا التي مست في تفاصيلها أشياءً في النفس البشرية ربما تعود إلى بداية الخلق، جريمة تخطت فيها درجات البشاعة لتصبغ قرية كاملة بلونٍ قاتم وتدهس ذكرياتٍ طيبة لتجعل منها لوحة غير مسبوقة في الأذى وسفك الدماء، جريمة ارتكبها أخٍ دون أن يشعر بذرة ندم حين أزهق أرواح شقيقه وطفليه وشرع في قتل زوجة أخيه بحثًا عن تأمين نصيبه من ميراث الدنيا. في قاعة المحكمة، وبينما يسود الجو غيومًا في صفحة السماء، كانت الأمور لا تقل تقلباتها داخل ركن العدالة هناك؛ حيث تختلط رهبة المكان بثقل اللحظات الفاصلة، وقف المتهم مطرق الرأس ينتظر الكلمة الأخيرة، ولم يعد هناك متسعا للمراوغة أو الإنكار، فالأوراق قالت كلمتها، والدماء التي سالت في منزل بسيط بقرية كفر الأعصر التابعة لمركز أبو كبير كانت أبلغ من أي دفاع. وعندما اعتلت منصة العدالة كلمات الحكم، مؤيدة عقوبة الإعدام شنقًا بحق المتهم لقتله شقيقه وطفليه والشروع في قتل زوجة شقيقه، خيم صمت ثقيل على القاعة، كأن الجميع يستعيد في ذهنه تفاصيل الجريمة التي هزت وجدان قرية بأكملها. صدر حكم المحكمة برئاسة المستشار سامي عبدالحليم غنيم، رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين وليد محمد مهدي، وحازم بشير أحمد، والدكتور أحمد عبدالفتاح، وسكرتارية تامر عبدالعظيم، وحاتم إمام، ليُسدل الستار على القضية رقم 22445 جنايات مركز شرطة أبو كبير لسنة 2024، التي قُيدت برقم 4247 لسنة 2024 كلي شمال الزقازيق، مؤيدًا ومؤكدًا وفاصلًا في عقوبة الإعدام بحق المتهم åمحمدò صاحب العقود الخمسة ومهنة التدريب على قيادة السيارات، قصاصًا منه لقتله شقيقه åبلالò هو وطفليه åحورò وåعبدالرحمنò، والشروع في قتل زوجة شقيقه بسبب خلافات حول الميراث. لم تكن تلك القضية مجرد أرقام في جدول القضايا، بل كانت حكاية بيت انطفأ دفئه فجأة، وأسرة تحولت في دقائق إلى مأساة مكتملة الأركان؛ في حيثيات الاتهام، واجه المتهم جريمة قتل شقيقه بلال عمدًا مع سبق الإصرار، وقتل طفلين لم يتجاوزا سنوات الطفولة الأولى، حور وعبدالرحمن، ثم الشروع في قتل زوجة شقيقه التي نجت بأعجوبة من المصير ذاته، وكانت لائحة الاتهام ثقيلة، لكنها لم تكن أثقل من مشهد أم رأت زوجها وطفليها صرعى أمام عينيها. البداية تعود الحكاية إلى صباح بدا عاديا في كفر الأعصر، القرية الريفية الهادئة، التي تعرف بعضها بعضا بالاسم والملامح، لم يكن أهلها يتوقعون أن يكتب اسم بلدتهم تلك في صدر أخبار الجرائم؛ فåبلالò الرجل المعروف بطيبة قلبه، كان يعيش حياة بسيطة، يعمل ليؤمن قوت يومه، ويعود مساءً ليجلس مع طفلته åحورò ذات الستة أعوام، وطفله åعبدالرحمنò الذي لم يتجاوز الرابعة، كانت ضحكاتهما تملأ فناء المنزل، فيما كانت زوجته åفاتنò تدير شئون البيت في هدوء، غير مُدركة أن ثمة عاصفة تتشكل في الخفاء. اقرأ أيضا: تأجيل محاكمة الأب المتوحش قاتل ابنته بالشرقية في المقابل، كان شقيقه الأكبر محمد يحمل في داخله شيئا آخر؛ بينه وشقيقه خلافات على الميراث منذ وفاة والديهما، خلافات لم تصل إلى ساحات القضاء، لكنها ظلت كامنة في الصدور، وبحسب ما كشفته التحقيقات، تسلل الطمع إلى قلبه رويدا رويدا، حتى صار فكرة مسيطرة: أن يزيح شقيقه من الطريق ليستأثر بما تبقى من تركة، في فكرة شيطانية تحولت إلى قرار، ثم إلى خطة فجريمة مكتملة الأركان. في صباح الجريمة، غادرت الزوجة المنزل إلى السوق لقضاء بعض الاحتياجات، دقائق معدودة كانت كافية ليبدأ الفصل الأكثر ظلمة في القصة؛ حين تربص المتهم بشقيقه، وتسلل إلى المنزل مرتديًا قناعًا يخفي ملامحه. لم يكن المشهد ينذر بشيء؛ بلال يحتسي الشاي، وطفلاه يلعبان بالقرب منه، لكن لحظة انقضاض كانت كفيلة بتحويل الحياة إلى موت، حيث أطبق المتهم يديه على عنق شقيقه، غير عابئ بصلة الدم ولا بسنوات العشرة ولا بذكريات الطفولة المشتركة، وحينها قاوم بلال، لكن المفاجأة وقوة الاعتداء كانتا أسرع، فسقط جثة هامدة في فناء منزله. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالطفلة åحورò كانت قد رأت المشهد، عيناها الصغيرتان حملتا الرعب كاملا، وبجوارها شقيقها الصغير لا يدرك سوى أن شيئا فظيعا يحدث، وفي لحظة تجرد كامل من الرحمة اتخذ المتهم قراره الثاني، فقتل الطفلة ثم شقيقها، حتى لا يبقى شاهد على فعلته. ثلاث أرواح أزهقت في دقائق، داخل بيت كان حتى لحظاتٍ مضت يعج بالحياة، غير أن القدر كان يدخر مفاجأة أخرى حين عادت الزوجة من السوق أسرع مما توقع، ودخلت المنزل لتجد زوجها وطفليها جثثا هامدة. صرخة خرجت من أعماقها، لم توقظ الموتى لكنها أيقظت القاتل، الذي حاول الفرار، إلا أن الزوجة واجهته، وتمكنت في لحظة مقاومة يائسة من انتزاع قناعه وجرح وجهه، وعندها تكشفت هويته أمامها، ولم يكتف بما ارتكب، بل حاول الاعتداء عليها لتلحق بذويها، إلا أنها قاومت، ففر هاربًا تاركًا خلفه مسرح جريمة داميًا وشاهد حي على فعلته. تحركت الأجهزة الأمنية بسرعة، وتمكنت خلال ساعات من ضبط المتهم، وفي التحقيقات، تكشفت تفاصيل التخطيط المسبق، وسبق الإصرار، والنية المعقودة على القتل، وخلال أسابيع أحيل إلى المحاكمة، وواجه تهم القتل العمد مع سبق الإصرار لشقيقه وطفليه، والشروع في قتل زوجة شقيقه، وخلال بضعة أشهر كان يجلس في قفص الاتهام، بينما كانت الأم الثكلى تروي أمام المحكمة ما رأته، بصوتٍ مكسور لا تخطئه الأذن. في جلسات المحاكمة أمام محكمة جنايات الزقازيق، استعرضت المحكمة الأدلة، من تقارير الطب الشرعي التي أكدت أسباب الوفاة، إلى شهادة الزوجة، وتحريات المباحث، واعترافات المتهم، وكانت القضية واضحة في أوراقها، دامغة في وقائعها، ليصدر الحكم بالإعدام شنقا، بعد استطلاع رأي المفتي، جزاء ما اقترفت يداه. لم يتوقف المسار القضائي عند ذلك؛ إذ طعن المتهم على الحكم، لتعاد محاكمته أمام الدائرة الاستئنافية. وهناك، وبعد مرافعات ودفاع ومحاولة أخيرة لتخفيف المصير، جاء التأييد؛ فقد أيدت محكمة جنايات الزقازيق الاستئنافية حكم الإعدام، مؤكدة أن الجريمة بلغت من البشاعة والسبق والإصرار ما يجعل أقصى العقوبة هو الرد المناسب عليها، صونًا لحق المجتمع قبل حق الأفراد. في حيثيات الحكم، أكدت المحكمة؛ أن المتهم بيت النية وعقد العزم على قتل شقيقه طمعًا في الميراث، وأنه لم يتورع عن قتل طفلين بريئين خشية افتضاح أمره، ثم حاول إزهاق روح زوجة شقيقه لإتمام مخططه. ختم حكم المحكمة الفصل الأخير في القضية التي ستظل ذكراها عالقةً في الأذهان تبرهن على بشاعة تفاصيلها وأسبابها ونفس مرتكبها، وبات الحكم بإعدام المتهم باتًا بعدما رأت المحكمة أن ما اقترفه يمثل عدوانًا صارخًا على النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأنه تجرد من كل معاني الأخوة والرحمة.