في زمنٍ تُستهدف فيه الحقيقة كما تُستهدف البيوت، يبرز مسلسل صحاب الأرض كعملٍ درامي استثنائي، تجاوز حدود الفن ليصبح شهادة إنسانية حيّة على ما يعيشه أهلنا في غزة خلال الحرب، وعلى الحالة الإنسانية القاسية التي فرضها الحصار والقصف والمجاعة. هذا المسلسل لا يروي حكاية متخيّلة، بل ينقل واقعًا يوميًا يعيشه الناس بلحمهم ودمهم، بلا رتوش ولا تزييف. بإخراجٍ جريء وحسّ إنساني عميق للمخرج بيتر ميمي، نجح العمل في تقديم صورة صادقة ومؤلمة، تضع المشاهد في قلب الحدث، لا على هامشه. الكاميرا هنا ليست أداة تصوير فقط، بل شاهد عدل؛ تلاحق تفاصيل النزوح، وصراع البقاء، ووجع الأمهات، وحرمان الأطفال، وصمود الناس وهم يواجهون الجوع والخوف معًا. اختار المخرج أن ينحاز للإنسان، لا للشعارات، فجاءت المشاهد ثقيلة بالمعنى، عارية من التجميل، وصادمة بصدقها. ولم يكن غريبًا أن يثير هذا العمل غضب دولة الاحتلال الإسرائيلى، فالمسلسل كسر الرواية الرسمية التي تحاول تبرير الجرائم، وكشف الوجه الحقيقي للحرب على غزة. إن غضب الاحتلال من «صحاب الأرض» هو اعتراف ضمني بأن العمل أصاب الهدف، وأن الصورة الصادقة أخطر عليه من أي خطاب سياسي، لأنها تخاطب ضمير العالم مباشرة. ومن أبرز نقاط القوة في المسلسل، إبرازه للدور الإنساني والإغاثي الذي قامت به اللجنة المصرية، حيث جسّد العمل مساهمتها في إغاثة الأهالي، وتقديم المساعدات، وكسر حدة المجاعة التي حاولت الحرب فرضها كسلاح إضافي على السكان. لم يقدّم المسلسل هذا الدور بشكل دعائي، بل كجزء طبيعي من المشهد اليومي، ليؤكد أن العمل الإنساني كان وما زال خط الدفاع الأخير عن حياة الناس وكرامتهم. لقد عكس «صحاب الأرض» كيف يمكن للفن أن يكون فعل مقاومة، وكيف تتحول الدراما إلى منصة لكشف الحقيقة، وتثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. هو عمل يقول للعالم: في غزة بشر، لهم حق في الحياة، ولهم من يقف إلى جانبهم، ولهم قصة لن تُمحى مهما حاولوا إسكاتها. في الخلاصة، مسلسل «صحاب الأرض» ليس مجرد إنتاج فني، بل وثيقة زمنية، وصرخة ضمير، ورسالة واضحة بأن الأرض لها صحاب، وأن المعاناة التي كُشفت على الشاشة ستبقى شاهدة على مرحلة حاول فيها الاحتلال كسر الإنسان، فواجهه بالصمود، وبالحقيقة، وبالفن.