تشهد مصر في السنوات الثلاث الأخيرة تحسنا ملحوظا في مؤشرات الأداء الاقتصادي، فقد تجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي حاجز ال 5.5%، وكسر متوسط دخل الفرد حاجز 1500 دولار سنويا، وزادت الاستثمارات المحلية والأجنبية بمعدلات كبيرة. مع هذا يثار حول هذه المؤشرات عدد من الشبهات، أول هذه الشبهات يتعلق بتضارب الأرقام الصادرة عن الجهات الحكومية المختلفة. فبينما يقول رئيس الوزراء إن معدل التنمية وصل إلي 7.2%، فإن وزير التخطيط يقف به عند حدود 6.8%، أما وزير المالية فإن له رأي آخر فيري أن معدل النمو لم يصل سوي إلي 6.2%. لا شك أن في هذا تضارب، ولا شك أيضا أن هذا التضارب يضر مصداقية الحكومة، وصدقية البيانات الصادرة عنها. في نفس الوقت فإن تضارب هذه البيانات لا يعني تناقضها، فليس من بين هذه البيانات ما يشير إلي توسع بينما يشير بعضها الآخر إلي انكماش، وليس من بين هذه البيانات المتضاربة ما يشير إلي معدل مرتفع للنمو، بينما يشير بعضها الآخر إلي معدل منخفض. فالبيانات جميعها تشير إلي معدل نمو تصنفه الأعراف الدولية علي أنه في المرحلة الدنيا من معدلات النمو المرتفعة. ما لدينا هو تضارب يعكس نقصا في التنسيق بين الجهات الحكومية، وهي مشكلة مصرية مزمنة، ولكن ليس لدينا تناقض في بيانات يشير بعضها إلي اتجاه بينما يشير بعضها الآخر إلي اتجاه معاكس. وفي هذه الحدود يجب أن يدور الحوار العام، ولهذه النقص يجب أن توجه سهام الناقدين. الشبهة الأخري التي تثور حول نمو الاقتصاد المصري تتعلق بعدم وصول آثار التنمية الجارية للفقراء من المصريين، يستدل أصحاب هذه الحجة علي صحتها بالإشارة إلي المدن السكنية الفاخرة والمنتجعات السياحية التي يجري بناؤها، وإلي المراكز التجارية الفخمة في ضواحي المدن الرئيسية. كون المستهلكين الرئيسيين لهذه السلع والخدمات هم من الأغنياء هو أمر غير مشكوك فيه، ولكن حتي تصل هذه السلع والخدمات إلي مستهلكيها النهائيين فإن الآلاف من الفقراء ومتوسطي الحال يساهمون في إنتاجها وتوصيلها لمستهلكيها، فكل مبني سكني فاخر يتم بناؤه لإسكان الموسرين يخلق فرص عمل وفرصة لزيادة الدخل لدي عاملين من الفقراء، بدءا من البنائين والحرفيين الذين يبنون المساكن والمنتجعات، مرورا بالعمال في مصانع تنتج مواد البناء، انتهاء بمقدمي الخدمات في مدن سكنية جديدة، والعاملين علي صيانتها وحراستها بعد انتهائها. شبهة أخري تثار حول التنمية الجارية في مصر تتعلق بأن فرص العمل التي يتم توفيرها في إطار التنمية الراهنة لا تتيح لشاغليها سوي أجور شديدة الانخفاض لا تكفي لإخراجهم من مأزق الفقر. ولا تخلو هذه الحجة من وجاهة، فالأجور التي يحصل عليها كثير من العاملين، خاصة من أصحاب المهارات المنخفضة، هي علي درجة شديدة من الانخفاض. ومع هذا فإن الاستنتاج الذي يخرج به أصحاب هذه الحجة من رفض لنمط التنمية الراهن برمته هو استنتاج غير صحيح. فالعامل الذي يقبل بوظيفة منخفضة الأجر إنما يفعل ذلك لأنه يدرك أن هذه الوظيفة، رغم انخفاض أجرها، هي أفضل من البقاء في صفوف العاطلين، وأن القبول بهذه الوظيفة يدخل علي مستوي معيشته تحسنا حتي وإن كان غير كاف، وأنه كإنسان عاقل وعقلاني ورشيد يدرك أن القليل من خير لا شيء، وأن التحسن المحدود خير من اللا تحسن علي الإطلاق. المؤكد أن هناك تحسنا في ظروف معيشة المستفيدين من فرص العمل الجديدة، والمرجح أن هذا التحسن بالنسبة لكثير منهم أقل من أن يكون كافيا. غير أن التعامل مع هذه المشكلة لا يكون علي الطريقة التي يذهب إليها البعض من رفض أسلوب التنمية الراهن كلية، ولا بالمطالبة التقليدية برفع الأجور. فمع أن المطالبة برفع الأجور تظل مطلبا مشروعا وضروريا طوال الوقت، إلا أن الأمر يحتاج منا إلي مناقشة أعمق بكثير من مجرد رفع شعار تحسين الأجور. فالأجور المنخفضة من وجهة نظر النمو الاقتصادي هي ميزة لها فوائدها، ولعلنا نتذكر أن واحدة من الميزات الرئيسية التي مكنت بلدا كالصين من تحقيق معجزته الاقتصادية الرائعة هي الأجور المنخفضة التي أتاحت لها إنتاج سلع رخيصة قادرة علي المنافسة في أسواق العالم المختلفة. فانخفاض الأجور يعني انخفاض تكلفة المنتجات، وزيادة قدرتها التنافسية في مواجهة سلع مماثلة رخيصة الثمن في السوق المحلية والأسواق الخارجية علي حد سواء. ومع كل فرصة تسويق جديدة، يتولد ربح، ومع كل فائض اقتصادي جديد تتولد موارد قابلة للاستثمار، ومع كل استثمار جديد تتولد فرص عمل جديدة تحد من أرقام مئات الألوف من العاطلين وهكذا. وبالتالي فإن السؤال من الناحية الاقتصادية لا يكون حول رفع دخول العاملين من المواطنين، وإنما حول المفاضلة بين تحسين ظروف العاملين، مع الحد من فرص خلق وظائف وفرص عمل جديدة، وبين خلق عدد أكبر من فرص العمل منخفضة الأجر لعدد أكبر من العاطلين. صحيح أن القدرة التنافسية للمنتجات المحلية لا تنتج فقط عن انخفاض الأجور، فالسيطرة علي كل أشكال الهدر الاقتصادي، بدءا من انخفاض مهارة العاملين ومرورا بانخفاض الكفاءة الإدارية وانتهاء بتكلفة فساد البيروقراطية الحكومية وبطء معاملاتها، كل هذا يمكن له أن يساهم في تخفيض النفقات، ويتيح رفع أجور العاملين دون إضعاف القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، ولكن في كل الأحوال تظل الأجور أحد عوامل التكلفة، ويظل البحث حول المزيج والحل الوسط الذي يحقق أفضل نتائج ممكنة للاقتصاد المصري والفقراء من المصريين هم الموضوع الأولي بالحوار الجدي. هذا هو النقاش الذي يجب أن يجري، وهذه هي الأسئلة التي يجب البحث عن إجابات لها. أما الشعارات التي تختزل القضايا المعقدة، والتي تجهض أي حوار جدي حول قضايا التنمية وتخفيض البطالة ومحاربة الفقر فإنها لا تضع طعاما علي مائدة فقير من الفقراء، وإن صنعت أبطالا وقيادات من النوع الذي يقود إلي الهاوية. فالفصل التعسفي بين التنمية للفقراء والتنمية للأغنياء هو من قبيل البدع التي لا تقوم علي أساس. فالنظر لحالة التنمية في مصر بأفق أرحب وأكثر تعقيدا من مجرد الاختزال البسيط للمجتمع لأغنياء وفقراء يبين أن المصريين جميعا في قارب واحد، وأنه رغم التناقضات بين ركاب هذا القارب، فإن لهم جميعا مصلحة مشتركة في الوصول به إلي الشاطئ وتجنيبه عواصف قد ترسله بلا رجعة إلي قاع البحر.