لم تكن مواجهة إرهاب الجماعة الفاشية «الإرهابية» وعناصرها المتطرفة التي تختبئ في الجبال أو تتسلل عبر الدروب الصحراوية أو تتخفى بين المواطنين في الأزقة والشوارع من أجل ارتكاب إرهابها الدنيئ، مقتصرة على السلاح والمدرعات فقط، بل كان شيء آخر، أشد تأثيرًا، وهي «المعلومة»، تلك الأداة التي أصبحت حجر الزاوية في قدرة الدولة المصرية على صد موجات العنف والإرهاب، وقطع الطريق على الجماعات الإرهابية وخفافيش الظلام، وكشف مخططات ذ والمعادية للدولة قبل أن تتحول إلى دماء وعنف وتدمير، من هنا يأتي الدور الحقيقي لقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، والذي أسهم بشكل كبير وفعال في القضاء على الإرهاب والتخلص من الإرهابيين وسد كافة الطرق والمنافذ أمامهم من أجل أمان وأمن هذا البلد وهذا ما نراه الآن من إنجازات تتحقق على الأرض في كافة المجالات، حيث أن الأمن أساس النهضة والتقدم والاستقرار. أصبحت المعلومة من مجرد وسيلة مساعدة إلى سلاح استراتيجى يعتمد عليه الأمن الوطنى فى توجيه ضربات استباقية، وفى تفكيك خلايا مسلحة قبل تحركها، وكشف شبكات إرهاب وتمويل وتزوير وتجنيد، وصولًا إلى إحباط مخططات كبرى استهدفت الكنائس ومنشآت الدولة، وفي السطور التالية نرصد التحولات الجذرية التى شهدها القطاع بعد 30 يونيو؛ عندما أعيد بناء منظومته بالكامل، وربط قواعد البيانات بالتحليل الذكى والتقنيات المتقدمة، ليس فقط لمواجهة إرهاب وعنف الجماعة، بل لضرب جذوره، وتجفيف روافده المالية والتنظيمية والفكرية. إن ما جرى خلال السنوات الماضية يبرهن على أن المعلومة، حين تدار بعقل استراتيجى، قادرة على إخماد نار الإرهاب قبل أن تشتعل، وتحويل التهديدات الكبرى إلى ملفات منتهية قبل أن يسمع عنها المواطن، وهكذا أصبحت التجربة المصرية نموذجًا فى كيفية صناعة الأمن عبر المعرفة، وكيف يمكن للدولة، حين تمتلك معلومة دقيقة، أن تمتلك مستقبلًا آمنًا ومستقرًا. ورغم أن رجل الأمن الوطنى لا يظهر أمام عدسات الكاميرا، ولا ينال نصيبًا مما يسلط الضوء على جهود الأجهزة الشرطية الأخرى؛ فإن أثره كالنجم الذى يضيئ دون أن يُرى، هؤلاء الرجال الذين يعملون ليلًا ونهارًا، فى صمت، دون أن يعرفهم الناس أو تذكرهم وسائل الإعلام، حملوا على عاتقهم مهمة إعادة بناء عقل الدولة بعد أن حاولت جماعة الإخوان الفاشستية، اغتياله عقب يناير 2011، عندما وجهت رصاصة مباشرة إلى جهاز أمن الدولة، فاقتحمت مقاره، وبعثرت أسرار البلاد فى الشوارع، وحرقت وثائق، وسعت لقطع الرأس الذى يقود منظومة الأمن الداخلى، لكن خاب عملهم الفاسد ورد الله كيدهم في نحورهم. مرحلة فاصلة هذه الضربة لم تكن حدثًا عابرًا؛ بل كانت خطة محكمة من جماعة الشر لضرب الجهاز الذى يمثل «العقل» داخل وزارة الداخلية، فحين انهار الجهاز، تراجع حضور الدولة أيام حكم العصابة فى الشارع، وانطلق البلطجة، وتمدّدت الجماعات التكفيرية، وتضاعفت قدرة الإخوان على التغلغل داخل مفاصل الدولة، خلال تلك الفترة البائسة والمحبطة، كانت سيارات الرئاسة فى عهد المعزول تُستخدم لتهريب الأسلحة من ليبيا إلى سيناء، بينما توقفت قدرة الجهاز الأمنى على الرصد، وغاب التنسيق، وأصبح الإرهاب يتحرك بأريحية غير مسبوقة، لكن مع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم عقب ثورة شعبية جارفة في يونيو 2013، بدأت عملية إعادة البناء، أدركت الدولة أنه لا يمكن مواجهة الإرهاب بالبندقية فقط، وأن استعادة عقل الداخلية شرط أساسى لاستعادة مصر نفسها، وبالفعل نجح قطاع الأمن الوطني في إعادة بناء منظومته بكفاءة وقدرة فائقة واحترافية عالية، تدريجيًا مع استعادة عافيته شيئًا فشيئًا، إلى أن عاد إلى كامل قدرته السابقة بل أقوى، بالاعتماد على الكفاءات، وإعادة هيكلة منظومة المعلومات، وربطها باستراتيجية أمنية متطورة. السنوات التالية كانت شاهدة على تحول جذرى فى طريقة المواجهة، فقطاع الأمن الوطني «صائد الإرهابيين» لم يعد ينتظر وقوع العمليات الإرهابية كى يرد عليها، بل أصبح يسبقها بخطوات طويلة، وذلك يتم عبر عمليات الرصد، المتابعة، الاختراق الإلكترونى، وحصر واستجواب الشبكات، تتبع مصادر التمويل، تحديد مسارات تهريب السلاح، تحليل البيانات الضخمة، كلها أصبحت أدوات فى منظومة أمنية تعتمد على المعلومات لا على رد الفعل، وبهذا استعاد صائد الإرهاب كامل قدرته؛ حيث رصد بقايا العناصر الإرهابية الهاربة وضيق الخناق عليهم، والتى كانت تخطط لإحداث فوضى واسعة، لم ينتظر الجهاز تنفيذ مخططاتهم، بل وجّه ضربات استباقية قطعت دابر الإرهاب فى مهده، وأحبطت عمليات كانت تستهدف منشآت الدولة ورجال الشرطة والشخصيات العامة، وخلال واحدة من أهم هذه العمليات، كان يتم استهداف أخطر قيادات تنظيم الإخوان الإرهابي الذين يتولون نقل مجموعات التكليفات بين الدروب الصحراوية، كما تم تصفية العديد من العناصر الإرهابية الخطيرة، وكان رجال الأمن الوطني يبذلون جهدًا كبيرًا للقضاء على الإرهابيين الذين كان هدفهم الوحيد آنذاك ولا يزال عودة الفوضى وعدم الاستقرار للبلاد وزعزعة الأمن للوصول إلى مخططهم الخبيث. ولم تتوقف الضربات عند ذلك، فقد كان القطاع يكشف بصفة دائمة مخططًات ضخمة كان تستهدف تنفيذ عمليات إرهابية واسعة ضد الكنائس ومؤسسات الدولة فى مختلف محافظات مصر، حتى أن المعلومات الدقيقة والثمينة قادت رجال الأمن إلى مزرعتين فى البحيرة والإسكندرية، استخدمتهما عناصر إرهابية كمخابئ سرية تحت الأرض لتصنيع العبوات الناسفة وتخزين الأسلحة، وعند مداهمة الموقعين، عثرت القوات على كميات كبيرة من المواد شديدة الانفجار، وألغام أرضية، وقنابل معدة للتفجير، إضافة إلى أسلحة آلية وبنادق ودوائر كهربائية، وأظهرت نتائج التحقيقات أن القياديين الإرهابيين شكرى نصر محمد البر، ورجب عبده مغربى كانا يقودان هذه المجموعات، بهدف إحياء موجة جديدة من الفوضى. اللافت أن كل هذه العمليات جاءت متوازية مع جهود أخرى قادها قطاع الأمن الوطني لكشف منفذى تفجيرات الكنيسة البطرسية، وكنيسة طنطا والغربية، فسرعة التوصل إلى العناصر الانتحارية، وتحديد شبكات الدعم، ومراكز التدريب، والتمويل، لم يكن أمرًا تقليديًا، بل كان يعكس تحوّلًا جذريًا فى آليات التحليل المعلوماتى، بالاعتماد على أحدث تقنيات العمل الأمني. كان القطاع يوم بعد آخر يعيد بناء قدراته ويعمل ليل نهار من أجل الحفاظ على الوطن والمواطنين يكثف من جهوده، وتجلّى هذا التطور فى صورة واضحة عندما زار الرئيس عبد الفتاح السيسى مقر قطاع الأمن الوطنى بمدينة نصر منذ عدة سنوات قليلة، تلك الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل كانت رسالة واضحة «الدولة تدعم الجهاز الذى يحمل عقلها وتحميه»وخلال الاجتماع مع قيادات القطاع، شدّد الرئيس على ضرورة مواصلة العمل الدؤوب، وتحديث القدرات التدريبية، واعتماد أحدث وسائل التحليل المعلوماتى، وإدراك حجم التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، كانت تلك الزيارة بمثابة تجديد رسمي للتفويض الذى مُنح للجهاز كى يقود معركة الدولة ضد الإرهاب. تفوق معلوماتي ولفهم أهمية تطور دور المعلومة فى هذه المواجهة، لابد من تفنيد جهد القطاع وآلية عمله الحديثة؛ إذ أنه أصبح يعتمد على المعلومة قبل الحركة، وعلى الرصد قبل الاشتباك، وعلى تحليل البنية التنظيمية للجماعات قبل توجيه الضربة، هذه الاستراتيجية أدت إلى تقليص العمليات الإرهابية بشكل كبير، بجانب الاعتماد على التطور التكنولوجي والمصادر السرية، بجانب وعي المواطن الذي أصبح وسيلة وأداة دعم كبيرة للقطاع، الذي لم يستطع العمل دون وعي ودعم المواطن، الذي يعد عين رجل الأمن في الشارع. وفى إطار هذا التطور، جاءت سلسلة من العمليات النوعية خلال السنوات الأخيرة لتؤكد أن الأمن الوطني أصبح العمل القائم على العلوم الأمنية قبل القوة الميدانية، من أبرز هذه العمليات إحباط هجوم عيون موسى، فقد كشفت المعلومات وجود مجموعة إرهابية تستعد لاستهداف كمين استراتيجى على مدخل سيناء الجنوبى، وعندما تحركت العناصر الإرهابية، كانت قوات الأمن فى انتظارها، فتم القضاء على اثنين منهم قبل أن يفجر أحدهم الحزام الناسف الذى كان يرتديه، وتعامل خبراء المفرقعات مع الحزام، وتمشيط المنطقة بالكامل، فى عملية أكدت أن التفوق المعلوماتى سبق التفوق العسكرى، وأن المعركة أصبحت فى غرفة العمليات قبل أن تكون فى الميدان. وفى محافظة القليوبية، تكررت الصورة نفسها، المعلومات التى وصلت إلى رجال قطاع الأمن الوطني رصدت تكليفات من قيادات جماعة الإخوان الإرهابي لتحريك مجموعات مسلحة تزامنًا مع حملات التحريض الإعلامى التى تبثها قنوات الجماعة، المعلومات كانت دقيقة إلى الحد الذى مكّن القوات من رصد وكر لمجموعة إرهابية داخل مزرعة، ليتم مداهمتها وتبادل إطلاق النار الذى انتهى بمقتل 6 إرهابيين، عُثر فى الوكر على ترسانة صغيرة من الأسلحة والمتفجرات، ما يؤكد أن المجموعة كانت على وشك تنفيذ عمليات كبيرة فى نطاق القاهرة الكبرى. أما فى شمال سيناء، فقد نجحت أجهزة الأمن بالتنسيق مع القوات المسلحة فى القضاء على خلية إرهابية بالعريش، بعد رصد معلومات دقيقة عن وجود مجموعة تستعد لاستهداف نقاط حيوية، وعندما داهمت القوات المبنى الذى يختبئون بداخله، وقعت اشتباكات انتهت بمقتل 11 عنصرًا، وضبط بنادق آلية وعبوات ناسفة وحزامين ناسفين، كانت هذه العملية بمثابة رسالة واضحة للجماعات الإرهابية بأن قدرة الدولة على الرصد أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات. لكن مواجهة الإرهاب لم تقتصر على العمليات الميدانية فقط فقد تابعت أجهزة الأمن الوطنى واحدة من أخطر القضايا المتعلقة بتزوير المستندات الرسمية، والتى شكّلت مصدرًا رئيسيًا لتمويل بعض الأنشطة المعادية. وتم ضبط 43 متهمًا بحوزتهم أختام حكومية مزورة، وجوازات سفر مزيفة، وتأشيرات دخول وخروج، وأوراق رسمية منسوبة لجهات مختلفة، هذه الضربة كشفت جانبًا آخر من المعركة، المعلومة ليست فقط لكشف الإرهاب المسلح، بل لكشف الاقتصاد الخفى الذى يغذيه. ولم يكن تنظيم الإخوان الإرهابي بعيدًا عن هذا المشهد، ففى واحدة من أكبر الضربات المعلوماتية، كشف الجهاز مخططًا إخوانيًا واسعًا كان يهدف إلى إشاعة الفوضى تزامنًا مع ذكرى 25 يناير، فقد رصد الأمن الوطنى تكليفات من قيادات هاربة فى تركيا إلى عناصر التنظيم فى الداخل، لتأسيس كيانات إلكترونية تحمل أسماء مثل "الحركة الشعبية" و"الجوكر"، بهدف استقطاب عناصر من الشارع، وإدارة مجموعات سرية عبر تطبيق "تليجرام" تُكلّف بتنظيم تظاهرات وإغلاق طرق والاعتداء على منشآت الدولة، كما رصد الجهاز تحركات حركة «حسم» لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير تستهدف شخصيات عامة ودور عبادة، المعلومات الدقيقة لم تترك لهم فرصة؛ إذ تم ضبط العناصر الإلكترونية والميدانية، والعثور على مخازن أسلحة ضمت 20 بندقية آلية، وعبوات ناسفة، وقاذفاتRPG، ومواد شديدة الانفجار. هكذا، أثبت الأمن الوطني أن المعركة ضد الإرهاب لا تعتمد على الحل الأمنى فقط، بل على استراتيجية شاملة تجمع بين الضربات الاستباقية، والرصد المعلوماتى، والتنسيق الأمني، وتجفيف التمويل، إضافة إلى مواجهة الفكر المتطرف، وبرامج إعادة التأهيل، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية التى تقطع الطريق على أسباب التطرف. ففى الاستراتيجية الحديثة، لم تعد المعلومة مجرد وسيلة للتتبع، بل أصبحت منصة متكاملة تشترك فيها قواعد بيانات ضخمة، ونظم تحليل رقمى، وتقنيات ذكاء اصطناعى، وتمشيط إلكترونى داخلي وخارجي، كما أصبح من الممكن رصد تحركات العناصر الإرهابية، وتعقب التحويلات المالية المشبوهة، ومنع استخدامها فى تمويل العمليات الإرهابية، إضافة إلى أن شركات التواصل الاجتماعى صارت جزءًا من المواجهة، من خلال الضغط لإزالة المحتوى المتطرف الذى تعتمد عليه الجماعات فى التجنيد. ومع ربط المواجهة الأمنية بخطط التنمية، تحوّل الإرهاب من تهديد وجودى إلى تهديد أمكن السيطرة عليه، بعدما فقدت الجماعات المسلحة القدرة على نقل المعركة إلى قلب الدولة، فقد أصبح قطاع الأمن الوطني يمتلك المعلومة، ويملك القدرة على تحليلها، ويملك القرار السريع فى تنفيذ الضربة قبل وقوع الحادث. لهذا فإن التجربة المصرية فى مواجهة الإرهاب، بقيادة قطاع الأمن الوطنى، أصبحت نموذجًا يعتمد على فكرة واحدة: «إذا امتلكت الدولة المعلومة الدقيقة.. امتلكت القدرة على حماية وجودها»، وهذا يدل على أن هذه المعركة ليست مجرد مواجهة بين إرهابي ورجل أمن، بل صراع بين فكر وفكر، بين دولة تحمى شعبها، وتنظيمات تعتمد على العنف والفوضى، وتريد إيقاع الشعوب في غياهب الفوضى والفتنة. لذلك فعندما تتطور أدوات الإرهاب، تتطور معها أدوات المعلومة، ومادامت المعلومة حاضرة.. فإن الإرهاب محكوم عليه بالفشل، ويتم السيطرة عليه استباقيا. اقرأ أيضا: عيد الشرطة 74| الداخلية في عهد السيسي.. منظومة أمنية حديثة برؤية شاملة