خلال أيام عديدة من اللقاءات التي أجريتها في القدس ورام الله مؤخراً اندهشت من طبيعة الجدل الذي لمسته في هاتين المدينتين. لم يكن ذلك الجدل - وهو ما أثار دهشتي ولفت انتباهي- يدور حول الجمود الذي انتهت إليه عملية السلام العربي- الإسرائيلي، ومبادرة السلام العربية، أو حول الصراع الدائرة رحاه بين "فتح" و"حماس" في غزة، أو حول ما إذا كانت غزة قد سقطت بالفعل في أيدي الإسلاميين، أو العواقب التي يمكن أن تنتج عن تحول غزة حسب تعبير البعض إلي "حماستان". ولكن الحقيقة هي أن غزة لم تسقط بأكملها في أيدي الإسلاميين.. وهو ما دفع البعض إلي القول إن إسرائيل يجب أن تسمح بوصول الأسلحة والذخائر إلي قوات "فتح" في القطاع، حتي تتمكن من التصدي ل"حماس". كما أنني سمعت من فلسطينيين وإسرائيليين، علي حد سواء، أنه بمقدور مصر فعل المزيد من أجل منع وصول الأسلحة والأموال عبر الأنفاق الممتدة من حدودها إلي داخل القطاع. ومقابل كل رأي كنت أسمعه من طرف فلسطيني أو إسرائيلي يدعو إلي تقوية وضع "فتح"، كنتُ أسمع رأياً مقابلاً يذهب إلي أن ذلك لن يحدث أي فارق لأن "حماس" قد قامت بناء علي حسابات دقيقة بالهجوم علي جميع المواقع الأمنية الرئيسية التي تسيطر عليها "فتح" في غزة وسيطرت عليها. لقد أعرب كل من تكلمت معهم عن قلقهم من تحول غزة إلي معقل إسلامي، لأن ذلك سيمثل إلهاماً لبقية الإسلاميين في الشرق الأوسط، ويوفر ملاذاً جديداً للمتطرفين من جميع الانتماءات. كما أعرب البعض عن خشيتهم من أن يكون ذلك إيذاناً بنهاية فكرة حل الدولتين اللتين تعيشان في سلام جنباً إلي جنب، لأن "حماس" لن تقبل أبداً بالسلام مع إسرائيل. والشيء اللافت للنظر أنه كان هناك قلق لدي الإسرائيليين والفلسطينيين علي حد سواء من المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن تحول غزة إلي "دولة فاشلة". لم يكن أي واحد ممن ناقشتهم يعتقد أنه سيكون من السهل عزل مثل تلك الدولة أو احتواؤها، أو حتي كانت لديه فكرة عن الكيفية التي يمكن الاستجابة بها لهذا التطور، كما أن الإسرائيليين لم يبدوا أية رغبة في العودة إلي مكان يمتلك فيه كل شخص تقريباً سلاحاً، ويمكن لإسرائيل أن تواجه فيه "بغدادها الخاصة". عدد قليل من الإسرائيليين هم الذين قالوا لي إنه إذا لم تتصرف مصر بحسم أكبر مع الفلسطينيين، فإن إسرائيل يجب أن تعمل علي إعادة احتلال تلك الأجزاء من غزة الواقعة بالقرب من الحدود المصرية لمنع تهريب المزيد من الأسلحة الفعالة إلي "حماس". أما بالنسبة للفلسطينيين فإنني لاحظت أنهم قد توصلوا إلي خلاصة لافتة للنظر وهي أنه من الضروري ألا تنجح "حماس" في الضفة الغربية مثلما نجحت في قطاع غزة. خلال مناقشاتي مع بعض نشطاء "فتح" لمست رغبة متجددة لدي الحرس الجديد من "فتح" (النشطاء المنتمين إلي الجيل الثالث والرابع) في إعادة تنظيم صفوفهم علي مستوي القواعد الجماهيرية، من أجل إعادة بناء منظمتهم علي نسق جديد أو إعادة صياغتها. وهؤلاء الشباب يعلمون أنهم قد خسروا الانتخابات بسبب انقساماتهم، وبسبب فساد الحرس القديم وعجزه عن الاستجابة لاحتياجات ومطالب الشعب الفلسطيني. لقد لمست منهم وعياً جديداً بأهمية قيام "فتح" بتقديم الخدمات والبرامج الاجتماعية وعدم الاكتفاء بالوعود الكلامية فقط إذا ما أرادت أن تحتفظ بسيطرتها علي الضفة الغربية. سمعت من البعض اقتراحاً آخر يدعو للاهتمام. هذا الاقتراح يقول: "دعونا نجعل الضفة الغربية تنجح، وبعد أن تنجح دعونا نعرض نموذج نجاحها في مقابل فشل غزة (حيث تبلغ البطالة الوظيفية 70 في المئة).. دعوا "فتح" تنجح في الضفة الغربية، ودعوا "حماس" تسيطر علي دولة تعاني من الخلل الوظيفي والفوضي الأمنية، ودعونا نحن نبني دولتنا". إن هذا الاقتراح يعني أنه إذا ما أصرت "حماس" علي التمسك بغزة، فإننا يمكن بذلك أن ننتهي ليس إلي حل الدولتين، ولكن إلي حل الثلاث دول. هذا المقترح قد يبدو جيداً من الناحية النظرية، ولكنني أشك في أنه يمكن أن ينجح لأن وجود "دولة فاشلة" في غزة سيكون مصدراً دائماً لعدم الاستقرار، كما أن إسرائيل لن تجد من السهل عليها أن تستمر في احتلال شريط ضيق لمحاربة عملية التهريب، وهو ما قد يدفعها إلي إعادة قواتها للقطاع وهذه العودة ستستدعي بالتبعية تمرداً مضاداً مثل ذلك الذي سبق لها أن واجهته في جنوب لبنان. وعلي رغم أن هناك الكثير من العوامل التي تفرّق بين سكان الضفة الغربية وسكان غزة، إلا أن الهوية الفلسطينية تظل عاملاً موحداً بينهما. مما يعني أن إنشاء دولة فلسطينية بدون غزة سيكون مصدراً دائماً لإحساس الفلسطينيين بالظلم ودافعاً مستمراً لهم للمطالبة بإعادة ضمها للدولة الفلسطينية إذا ما قامت. إذن ما العمل؟ إذا كان قيام "دولة فاشلة" في غزة أمراً غير مقبول، فإن هناك حاجة إلي المزيد من الجهود من أجل عدم تبلور مثل تلك الدولة. يجب علي مصر مثلاً أن تتحرك لمنع تدفق السلاح والأموال علي "حماس". وإذا ما كانت لدي "فتح" خطة لدعم وجودها في غزة، فإن تلك الخطة تستحق الدعم منا، علي أن نقوم بتقديم ذلك الدعم بالتنسيق مع الإسرائيليين والمصريين. إن ما قامت به "حماس" في غزة، كان بمثابة جرس إنذار ل"فتح" وللمستقلين الفلسطينيين.. فهم يعرفون الآن أنهم يجب أن يتنافسوا معها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً حتي يتمكنوا من مواجهتها. ولكنهم كي يقوموا بذلك فإنهم يحتاجون إلي المساعدة، وهو ما يعني أن الدول المانحة يجب أن تتنبه إلي حقيقة أننا إذا لم نساعد علي إعادة صياغة "فتح"، فإننا قد نواجه مستقبلاً يسيطر فيه الإسلاميون علي القضية الفلسطينية، وعندما يحدث ذلك فإنه لا "حل الدولتين" ولا حتي "حل الثلاث دول" سيكون احتمالاً وارداً.