عادت محنة ضحايا الاعتداءات الجنسية المرتكبة أثناء الصراعات لتحتل المقدمة عندما طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في الاسبوع الماضي مثول اثنين من السودانيين أمامها قال انهما مرتبطان بفظائع مرتكبة في دارفور فوفقا للمدعي العام هناك أدلة قوية تشير إلي مسئولية المشتبه فيهما عن حالات اغتصاب جماعية وغيرها من جرائم الحرب، وقد سبق ان اصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمر قبض بحق قائد جماعة جيش الرب المتمردة في اوغندا وذلك بداعي جرائم حرب، ومن بينها الأمر بممارسة الاستعباد الجنسي والاغتصاب. وهكذا فإن تحرك المحكمة الجنائية الدولية يتسارع ليدعم التجربة التراكمية لآليات العدالة الدولية التي سلطت الضوء علي أنواع وأنماط محددة من الجرائم الجنسية الموجهة بصفة رئيسية إلي النساء والفتيات في المناطق التي تمزقها الحرب، وحددت كذلك المسئوليات الفردية في ارتكابها، وقد أبرز عمل هذه المحاكم أيضا الصعوبات في ملاحقة المرتكبين قضائيًا ومكافحة ثقافة الحصانة التي تحمي الأفعال الاجرامية وتنتشر هذه الحصانة بالطبع في كل المجتمعات سواء كانت في حالة سلم أو حرب، وليس من قبيل المصادفة أن يوم المرأة ا لعالمي هذا العام مكرس لمكافحة هذا الافتقار المنتشر إلي الخضوع للمساءلة بيد أن آثار وتداعيات هذه الحصانة تكون من أجلي صورها في أوقات الحرب بسبب طابع الانتشار الواسع والانتظام و- غالبًا - الاستدامة الذي تتسم به الاعتداءات الجنسية وبسبب عدد مرتكبيها وفظاظتها. ومع أن هذه الانتهاكات الجنسية ضد النساء تكون أشد وحشية في الحرب فإنها كثيرا ما تنشأ من الأفكار المسبقة الراسخة ومن غياب المساواة ومن التمييز الذي ظل يغض الطرف عن هذا العنف طوال الوقت وعندما لا يتعرض المرتكبون للعقاب فإنهم يتجرأون علي توجيه ضربتهم مرة أخري فيديمون ويشجعون بذلك حلقات الهجوم والانتقام المفرغة عندما يخرج البلد من الصراع، ولذا فإن اتاحة العدالة للضحايا ليست مطلبا أخلاقيًا فحسب بل أيضا شرطا مسبقا لإرساء التصالح والسلام. ولكن مع أن قوانين الحرب ظلت لقرون تحرم الاغتصاب فإن العنف الجنسي كان بصورة تقليدية قليلا ما يتم الابلاغ عنه وملاحقته قضائيًا ونتيجة لذلك ظلت هذه الجرائم تعتبر مما تقرره المواجهات المسلحة من نواتج جانبية يؤسف لها إنما لا يمكن تجنبها فالنساء كضحايا أو ادوات للمتصارعين ليس بمقدورهن المطالبة بحق الانصاف. ولم تتم سوي مؤخرًا مواجهة هذا الاستضعاف وكان ذلك بالدرجة الأولي عن طريق العمل الرائد للمحاكم الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة ورواندا، وقد قامت هذه المحاكم بتعريف العنف المنظم ضد النساء علي انه جرائم يمكن إخضاع المسئولين عنها للمساءلة، الأمر الذي يؤدي إلي تمكين الضحايا ليكون لهم يومهم في المحكمة، وقد أعطي إنشاء المحكمة الجنائية الدولية دفعا قويا لهذا الفقه القانوني الناشئ والعقلية الجامدة التي أخذت تتغير، وينص النظام الأساسي لهذه المحكمة علي أن "الاغتصاب أو العبودية الجنسية أو التعقيم السري أو اي اشكال أخري من العنف ذات الخطورة المماثلة" تعتبر جرائم حرب وإذا تم ارتكاب هذه الأفعال كجزء من اعتداءات واسعة الانتشار أو منظمة علي سكان مدنيين فإنها تشكل جرائم ضد الانسانية.