رغم بساطة طرح مثل هذا السؤال؛ إلا أن الإجابة عليه تحتاج إلي تفكير عميق وبحث دقيق، يفرض علينا ضرورة التعرف أولاً إلي الضحايا ثم تتبع الأدلة وخيوط الجريمة حتي يمكننا أن نتعرف إلي الجاني، ولا يكفي أن نلقي باللائمة كلها علي أكتاف المحتل الأمريكي وسلوكه في العراق، رغم أنه أحد المشاركين الأساسيين في عمليات القتل أو التعرض للقتل، وسبب رئيسي في استمرار نشاط القتلة الآخرين. تشير أرقام الخسائر البشرية في العراق، حتي الآن، إلي أن الضحايا يتبعون جهات عدة، حيث تشمل قائمة الخسائر: نحو 88% من العراقيين معظمهم من السنة وبعض الشيعة، و4% ممن يقال عنهم إرهابيين ومتمردين وعناصر مقاومة، و3% من قوات التحالف أكثرهم من القوات الأمريكية، و2% من الدبلوماسيين الأجانب أو الأفراد العاملين في العراق، و3% هوياتهم غير معروفة. أي أن الشعب العراقي هو المستهدف الرئيسي من عمليات القتل والتدمير والتصفية والإبادة، الأمر الذي يقود إلي أن صاحب المصلحة في ذلك جهات تهدف إما إلي معاقبة الشعب العراقي لتخليه عن الدفاع عن نظامه البائد المستبد بقيادة الديكتاتور الأعظم صدام حسين، وإما إلي معاقبة هذا الشعب علي قبوله عملية التحول الديمقراطي ومشاركته فيها وسعيه نحو الحرية بأبعادها المختلفة، وإما لإثارة فتنة طائفية دينية أو عرقية تقود في النهاية إلي تقسيم العراق إلي دويلات، وإما لإثبات عجز قوات الاحتلال من ناحية؛ وقوات الأمن والشرطة العراقية من ناحية أخري... عن فرض الأمن والاستقرار في العراق، أو لإجبار القوات الأمريكية علي الرحيل لعدم جدوي استمرارها في العراق، أو ربما يكون بهدف تصفية حسابات تاريخية وعمليات انتقامية لما واجهه بعض العراقيين علي أيدي زبانية صدام حسين. أي أن القول بأن ما يجري في العراق عبارة عن مقاومة أمر مشكوك فيه، ولا يعبر بصدق عن حقيقة ما يحدث في العراق من قتل وتدمير، لأن الطلقات توجه بشكل مكثف إلي صدور العراقيين بينما نصيب قوات الاحتلال منها لا يذكر، وفي الوقت نفسه يجري تقويض دور قوات الأمن والشرطة والجيش العراقي في حماية الأمن والاستقرار من خلال إحداث أكبر خسائر في صفوفهم، وإن كان بعض القتلة يتذرعون بأن معظم هذه القوات مشكلة من الأكراد، متناسين أنهم في الأصل عراقيون لهم دورهم في حماية وطنهم وحفظ استقراره، كما أن قتل المصلين في الجوامع وترويع الأبرياء والآمنين من الشعب العراقي لا يدخل في إطار ما يمكن أن نطلق عليه "مقاومة". توجد بالعراق تنظيمات مقاتلة عديدة، من أهمها: القيادة العامة للقوات المسلحة التي تتكون من العسكريين العراقيين السابقين خاصة من قوات الحرس الجمهوري الخاص والأمن والمخابرات وأعضاء من حزب "البعث" وقوات شبه عسكرية مثل الفدائيين، وهؤلاء جميعاً لا يمنحون خلاياهم أسماء إسلامية، والمقاومة الشعبية لتحرير العراق، والمقاومة العراقية وقيادة التحرير، وجماعة العودة، وحركة رأس الأفعي، التي تضم بعثيين سابقين، والذين لهم علاقات قوية بالقبائل العربية السنية حول الفلوجة والرمادي، وتنظيم المنصورين، وكتائب الأنبار المسلحة، وتنظيم السكرتارية العامة لتحرير العراق الديمقراطي، ومنظمة الرايات السوداء، والجبهة الموحدة لتحرير العراق، والجبهة الوطنية لتحرير العراق، وجيش أنصار السنة، وتنظيم مجاهدي الطائفة المنصورة، وكتائب المجاهدين في الجماعة السلفية بالعراق، وألوية الجهاد، والحركة الإسلامية المسلحة لتنظيم "القاعدة"، وجيش محمد، والجيش الإسلامي للعراق، وتنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين". هذا كله يوضح أن بالعراق ما لا يقل عن 150 ألف مقاتل يعملون ضد الشعب العراقي الأعزل ومصالحه، ويقفون حجر عثرة أمام مستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، تساندهم قوي داخلية وخارجية من مصلحتها استمرار التورط الأمريكي في العراق من جانب، وإذكاء النعرة الطائفية والعرقية بين أطياف الشعب العراقي من جانب آخر، بل إن هناك جهات تدفع من أجل الانتقام من العراق أو لتصفية حسابات مع أشخاص بعينهم. وإذا أضفنا إلي هؤلاء المقاتلين جميعاً نحو 195 ألف جندي محترف من قوات التحالف، و130 ألف جندي ورجل أمن وشرطة من العراقيين، يتقاتلون علي أرض العراق، نستطيع أن ندرك من هم الجناة ومن الضحايا. ورغم اعترافنا بطبيعة التركيبة المعقدة للمجتمع العراقي فإنها لم تكن سبباً مباشراً للصراع والتقاتل فيما بينها، لأن هوية العراق كانت التاج الذي تحمله كل منها علي رأسها، وكان الظلم والقهر نابعين من النظام الحاكم الذي بث بذور الكراهية بين طوائف هذا الشعب، فسعي الأكراد إلي الاستقلال، وبعد 12 عاماً من كفاحهم تم توفير الحماية الدولية لهم من بطش صدام حسين عام 1992، ومن ثم كانت البداية لفرض استقلالهم عن العراق خاصة بعد مذبحة حلبجة عام 1988 التي قتل فيها نحو 5000 كردي، ثم حملة الأنفال عام 1989 التي قتل فيها ما يزيد علي 180 ألف كردي. أما الشيعة الذين يمثلون نحو 60% من إجمالي عدد السكان في العراق، فقد ظلوا تاريخياً الأغلبية المضطهدة والمبعدة عن المناصب الرئيسة في الدولة، لذلك جاءتهم الفرصة ليأخذوا وضعهم بعد زوال نظام صدام حسين، وقد تعاطفت معهم الولاياتالمتحدةالأمريكية ومنحتهم الفرصة لفرض سيطرتهم علي حكم البلاد في ظل صفقات واضحة ومحددة مع الأكراد سواء حول المناصب السياسية أو منحهم الحكم الذاتي.