تناولت في المقال الأخير ثقافة الإنصاف الغائبة عن الشارع المصري والعربي وسوف أتناول اليوم ذات الموضوع من خلال عرض عدة أمثلة أراها تحقق الهدف وهو استعادة ثقافة الإنصاف التي كانت من أهم الصفات التي تحلي بها جيل الآباء والأجداد. المثال الأول من تركيا: التي تسعي لاستكمال جملة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المطلوبة لانضمامها الي عضوية الاتحاد الاوروبي، فقد بدأ علماء دين أتراك دراسة شاملة للنصوص الدينية، لاستبعاد أي أحاديث تجيز استخدام العنف ضد النساء. جاء ذلك في تصريح محمد جورميز، نائب رئيس مديرية الشئون الدينية في 21/6/2006، واضاف إن العديد من الأحاديث المنسوبة للنبي محمد صلي الله عليه وسلم بما فيها تلك التي تتضمن تمييزا ضد المرأة، أدخلت علي السيرة النبوية علي مر القرون. وأوضح جورميز في مقابلة مع تليفزيون "ان تي في" انه "لا يمكن ان ينسب أي حديث يهين النساء او يوصي أو يبرر باستخدام العنف ضدهن للنبي". وأضاف "ان وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين وأنهن مصدر الشر ليس له علاقة بالإسلام أو القرآن". وطلبت مديرية الشئون الدينية من 35 خبيرا تحضير هذه الدراسة. وقال جورميز إنه يتوقع ان تنتهي هذه المهمة مع نهاية 2007. وجدير بالذكر أن مديرية الشئون الدينية هي جهاز حكومي يتولي الشئون الدينية في تركيا العلمانية التي تدين الغالبية العظمي من سكانها بالإسلام. ويعتبر الدعاة والعاملون في المديرية موظفين حكوميين. وجدير بالذكر أيضاً أن تركيا التي تسعي للانضمام الي الاتحاد الاوروبي تتعرض لضغوط كبيرة من أجل مكافحة العنف ضد النساء وضمان العدالة بين الجنسين في كل مجالات الحياة. المثال الثاني من منظمة هيومان رايتس ووتش: التي أصدرت تقريراً في 2006/6/13بخصوص القذف الاسرائيلي لشواطيء غزة والذي راح ضحيته العديد من المدنيين جاء فيه - أن علي إسرائيل فتح تحقيق فوري مستقل ونزيه في حادثة القصف المدفعي الإسرائيلي الذي تعرض له شاطئ يقع شمال مدينة غزة يوم 9 يونيو 2006 وقتل فيه سبعة مدنيين فلسطينيين كانوا يتنزهون علي الشاطئ، وجرح عشرات غيرهم. وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "ثمة تخمينات كثيرة بشأن أسباب تلك الحادثة، لكن الأدلة التي جمعناها تشير بقوةٍ إلي أن قصفاً مدفعياً إسرائيلياً هو ما قتل هؤلاء الناس. ومن المهم جداً أن يقوم فريق تحقيقٍ مستقل يملك الخبرة اللازمة بدراسة الوقائع بطريقةٍ شفافة". وأنه طبقاً لقراءات حصلت عليها هيومن رايتس ووتش من قمر صناعي لتحديد الموقع ، فقد كانت حفرة القذيفة التي قتلت المدنيين قريبةً من الحفر التي نتجت عن الهجوم المدفعي الإسرائيلي يوم 9 يونيو 2006، وكانت من نفس الحجم والشكل. ولم تكن إحدي تلك الحفر تبعد أكثر من 100 متر عن موقع القذيفة القاتلة؛ بينما كانت الحفر الأخري علي بعدٍ يتراوح من 250 إلي 300 متر. وأكد التقرير علي أن القانون الدولي يفرض علي القوات المهاجمة التمييز بين الجنود والمدنيين، بحيث لا تستهدف إلا الجنود. وهو يحظر الهجمات التي لا تميز بينهم والتي تستخدم معدات قتالية لا تستطيع التفريق بين الفئتين. كما يحظر أيضاً الهجمات المبالغ فيها التي يفوق ضررها علي المدنيين ما تقتضيه الضرورات العسكرية. وقالت ويتسن: "إن من واجب جيش الدفاع الإسرائيلي قانوناً أن يفعل كل ما من شأنه التأكد من أن ما يستهدفه هو أهدافٌ عسكرية، وأن يتفادي قتل المدنيين". وأضافت: "وعلي التحقيق أن يحدد كيفية مقتل المتنزهين علي الشاطئ، وما إذا كان هناك خرق للقانون الدولي. فإذا أتضح وجود خرق، فعلي التحقيق أن يدرس الوسيلة الأنسب للتعويض علي الضحايا وكيفية منع وقوع ضحايا جدد". المثال الثالث من الكنسية البروتستنانية الأمريكية والانجليزية : اتخذت الكنيسة المشيخية في الولاياتالمتحدة توصية بسحب ودائعها واستثماراتها من إسرائيل احتجاجاً علي الانتهاك الإسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني، ثم أقرّ المجمع الكنسي الانجيلي في بريطانيا توصية مماثلة ودعا إلي العمل بموجبها علي الفور. وجدير بالذكر أن الكنيسة المشيخية هي واحدة من كبريات الكنائس الإنجيلية الأمريكية. وهي التي أنشأت الجامعات الثلاث الكبري في الشرق الأوسط: الجامعة الأمريكية في بيروت. والجامعة الأمريكية في القاهرة. والجامعة الأمريكية في أنقرة لقد تعرّضت الكنيسة المشيخية بسبب قرارها هذا إلي حملة تجريح وافتراء من قبل المؤسسات الإعلامية الخاضعة للنفوذ الصهيوني في الولاياتالمتحدة. مع ذلك بادرت الكنيسة الانجيلية إلي اتخاذ توصية بسحب الاستثمارات من إسرائيل. وإذا كانت الكنيسة المشيخية هي واحدة من مجموعة كبيرة من الكنائس الإنجيلية الأمريكية، فإن الكنيسة الأنجيلية هي الكنيسة الرسمية للمملكة . ثم إن لها أتباعاً في سائر الدول التي استعمرتها بريطانيا في السابق بما في ذلك كندا واستراليا والولاياتالمتحدة. ولا تخلو دولة من دول الكومنولث في آسيا وإفريقيا من مؤمنين منخرطين في هذه الكنيسة. أين قيم الإنصاف؟ لماذا لا يبادر الأزهر ويعلن عن تشكيل لجان موازية للجان التركية من أجل تنقية التراث والفكرالاسلامي من كل ما يتعارض مع القيم والمعايير الانسانية؟ لماذا لا نبادر نحن قبل أن يفرض علينا؟ أين قيم الإنصاف؟ لماذا نستشهد كصحف حكومية وإعلام رسمي بتقرير هيومن رايتس عندما يكون في صالح قضايانا ونهمله بل نرمي المنظمة بانها صهيونية ومعادية للمصالح الوطنية وللعرب وقضاياهم؟.... ان ازدواجية المعايير تفقدنا المصداقية أمام أنفسنا وامام أبنائنا وأمام العالم. أين قيم الإنصاف؟ لماذا لم توجه مؤسسة اسلامية واحدة كلمة شكر.... للكنيسة الانجيلية سواء التي في أمريكا أو انجلترا علي موقفهما الأخلاقي النبيل الانساني من القضية الفلسطينية.... لماذا؟ ألست معي عزيزي القاريء أننا في حاجة شديدة لإعادة إحياء ثقافة الإنصاف