"الإنصاف" هوضرورة الاشارة إلي الإيجابيات عند ذكر السلبيات حتي تتكون صورة كاملة عن الفرد أوالمجتمع أوالمؤسسة أوالدولة. ....... وهناك سؤال يراودني كثيراً وهو لماذا انخفض مستوي ثقافة الانصاف في الشارع العربي والمصري الي هذا الحد المرضي وتعالت ثقافة الكراهية غير مُبررة في بعض الأحيان تجاه الغرب وأمريكا ولدي العديد من الأمثلة التي تدلل علي ذلك ولكني سوف استخدم مثالا حديثاً ألا وهوالهجوم الذي شنته أقلام وصحف مصرية علي نشاط المعهدين الديمقراطي والجمهوري الأمريكيين في مصر. وقبل أن أدلل علي ثقافة الانصاف ... الغائبة أود أن أنقل للقاريء عدة أرقام وردت في كلمة السفير الأمريكي في مصر فرانسيس ريتشاردوني امام غرفة التجارة الأمريكية بمصر في 31/5/2006: يوجد الآن في مصر نحو300 شركة أمريكية وعدد أكبر من ممثلي الشركات من خلال الموزعين المصريين. وفي الشهر الماضي أعلنت وزارة التجارة الأمريكية مصر سوقا لذلك الشهر. وفي العام الماضي ارتفعت الواردات الأمريكية من مصروحدها ب57 % رغم أن صادرات الولاياتالمتحدة لمصر زادت بنسبة 2% فقط، وبلغ اجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر نحو4 مليارات دولار في السنة المالية الماضية، أكثر من نصفها في قطاع البترول. وزادت تدفق الاستثمارات الأمريكيةالجديدة الي مصر بنحو16% في عام 2005 لتصل الي 764 مليون دولار، بالإضافة للاستثمارات الموجودة أصلا والتي بلغت 3 مليار دولار عام 2004 ووفق تقارير الحكومة المصرية ففي ثلاثة أشهر فقط بلغت الواردات الأمريكية من المنسوجات والملابس من المناطق الصناعية المؤهلة المصرية ( الكويز) الي حوالي نصف واردات العام الماضي كله،في ثلاثة أشهر فقط وصلت الصادرات من المنسوجات والملابس الي الولاياتالمتحدة الي 118 مليون دولار بينما حققت 288 مليون دولارفي ستة أشهر من العام الماضي،فهذه زيادة بالضعف،ويعتقد المسئولون المصريون أن اتفاقية الكويز لم تساهم فقط في انقاذ نحو150 ألف فرصة عمل لعمال قطاع النسيج الخاص ولكنها ايضا قد تخلق نحو250 ألف فرصة عمل جديدة مع زيادة الصادرات للولايات المتحدة بنحو4 مليار جنيه مصري (حوالي 700 مليون دولار ) بحلول عام 2010 قدمت الوكالة الأمريكية للتنمية أكثر من مليار دولار بالعملة المحلية كقروض لأكثر من 250 ألف مشروع صغير بمصر، ومن خلال مشروع الاستيراد السلعي بالوكالة الأمريكية للتنمية حصلت أكثر من 1655 شركة مصرية علي معدات وخبرات أمريكية ستساهم في زيادة التجارة والاستثمار. واكبت زيارة وزيرة التعليم الأمريكية سبيلينجز لمصر في الأسبوع الماضي زيارة موازية لممثلين عن شركات أمريكية عملاقة مثل Apache ,Oracle, Hewlett Packard, Intel, Microsoft, IBM, Cisco,،وهذه الشركات الرائدة في مجال التكنولوجيا تعد جزءا من مبادرة التعليم المصرية وهومجهود مشترك مع وزارات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ،والتربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي،وتهدف هذه المبادرة الي تطوير التعليم في مصر من خلال الاستخدام الفعال لتكنولوجيا المعلومات والاتصال . أن السفارة الأمريكية في مصر تعد أكبر سفارة في العالم لديها عمالة مثبتة من 2000 موظف مصري وأمريكي، هذا بغض النظر عن المعونة السنوية ( 2.2 مليار دولار) والتي تأتي بها مصر في المرتبة الثانية من حيث حجم المعونات بعد اسرائيل. وأشار السفير إشارة في غاية الأهمية قائلاً "لقد وجدت ديناميكية وطاقة بين المصريين، في القطاع الخاص وفي الحكومة، بادئة في الظهور من خلال عملية الإصلاح،الا أنه في كثير من الأحيان تختفي هذه الانجازات والوعود، التي تنضح بها هذا البلد والشعب العريق، وراء عناوين وصور سلبية تصور فقط جزءا صغيرا من حقيقة مصر اليوم،للأسف، نحن نري بالفعل مقاومة شرسة للإصلاح الذي سيدعم انفتاح مصر للمنافسة والتغيير والتحدي والنموكما تبرزه يافطات الطريق في مدينة شرم الشيخ وكما أكده خطاب الرئيس مبارك وخطاب رئيس الوزراء نظيف هناك وهنا في القاهرة،لكنني شخص متفائل وأختار التفاؤل،وأعتقد أن وجود مثل هذه المقاومة الشرسة للإصلاح في حد ذاته يبين لي أن عملية الإصلاح قد اصبحت بالفعل ذات مغزي لدرجة انها اثارت حفيظة البعض الذين قد يخافون من التغيير،ان التغيير حادث لا محالة له،أما التقدم فليس محتوما" نعود الي موضوع المعهدين الديمقراطي والجمهوري وهما منظمات أمريكية غير حكومية ولا تقدم أي دعم مالي بل كل ما يقدمانه هودعم تقني في صورة برامج ومدربين، وسوف أتناول هنا المعهد الديمقراطي الذي تناولته بعض الأقلام والصحف من أنه نظم لقاء "سرياً" لمنظمات مجتمع مدني ... هذا اللقاء السري قد حضرته..... ومظاهر سريته أنه أقيم في فندق ماريوت الزمالك وفي قاعة مفتوحة والتحدث والحوار والمناقشات كانت من خلال ميكروفونات يمكن أن يسمعها كل نزلاء الفندق ومن دواعي السرية أن القائمين علي العمل كانوا يستقبلون المدعوين في الممر المتجه للقاعة وتلتقط لهم الصور ووزعت كتب ومذكرات عن نشاط المعهد وبرامجه كان يمكن لكل من مر أمام القاعة أن يأخذ نسخاًَ منها وأن اللقاء تم تغطيته صحفياً. ثم نأتي للسر الأكبر وهوموضوع الورشة وكان عن 1- كيفية استقطاب متطوعين للعمل المدني 2- كيفية إقامة تحالفات بين منظمات المجتمع المدني . بطريقة علمية ومؤسساتيه..... واحقاقاً للحق فإن درجة الاستفادة كانت عالية. .......أين السرية في هذا؟ .... ما هوالعيب في هذا؟ .... ماالذي سوف يُضير مصر أكرر "مصر" من هذا؟ إن مستوي العمل في مؤسسات المجتمع المدني في أشد الحاجة لمثل هذه الورش لأتقان العمل ورفع درجة تأثيره . ما هي علاقة هذا بالسيادة الوطنية ؟ ..... والجدير بالذكر هنا أن للمكتب الرئيسي في واشنطن فروعاً في 56 دولة من ضمنها الأردن/فلسطين/لبنان/اليمن/مصر- وأن فرع المعهد في مصر لا يوجد به أمريكي واحد وأن فريق العمل من جنسيات مختلفة من ضمنها المصرية. مفهوم السيادة الوطنية في ظل النظام العالمي الجديد: لم تعد السيادة الوطنية في ظل النظام العالمي الجديد وثورة الاتصالات ومناخ العولمة وذوبان الحدود بمفهومها القديم (الحدود / التمترس دفاعاً عنها / الهوية المعيقة للتفاعل والتلاقح / عدم قبول التدخل في الشأن الداخلي) بل أصبح لها مفهوم آخر وهوالشراكة في صنع القرار الدولي بقدر ما تشارك في صنعه بقدر ما تتمتع بمساحة من حرية اتخاذ القرار علي المستوي الوطني- والعكس صحيح الانغلاق وعدم المشاركة دعوة صريحة للتدخل في شأنك الوطني. ومن هنا يجب أن ننظر الي أن التدخل الخارجي في الشأن الداخلي وخصوصاً فيما يتعلق بالتنمية وحقوق الانسان أصبح إحدي سمات ثقافة النظام العالمي الجديد. والسؤال المطروح في الشارع السياسيي العربي لماذا لا تثار فكرة السيادة الوطنية إلا عندما يتعلق التدخل الخارجي بالحريات وحقوق الانسان ؟ هل من مصلحة امريكا نشر الديمقراطية في المنطقة ؟ في تقديري أن الاجابة نعم وذلك لكون المنطقة من اكثر المناطق انتاجاً ثم اصبحت بعد احداث 11سبتمبر 2001 تصديراً للعنف والذي هوبالتأكيد نتيجة لعدة اسباب داخلية وأخري خارجية منها علي سبيل المثال: انخفاض أسقف الحريات في بلدان هذه المنطقة. ارتفاع مستوي الفساد طبقاً للتقارير الدولية. انخفاض معدلات التنمية. ارتفاع معدلات البطالة. ازدواجية المعايير من قبل المؤسسات الدولية والنظام العالمي الجديد عند مناقشة القضايا المتشابهة. عدم الوصول الي حل للقضية الفلسطينية. هذا المناخ لا يساعد علي استقرار المنطقة وبالتالي انشاء ونموو استقرار المصالح الأمريكية بها- ومن هنا يأتي الضغط في اتجاه الديمقراطية سبيلاً للحد من المناح المفرز لثقافة العنف والمعيق لللستثمار. وممارسة لثقافة الإنصاف... هل قرأ أصحاب القرار في الولاياتالمتحدة؟ التقرير الذي أصدره "مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية" في واشنطن في 2005 تحت عنوان رئيسي "من النزاع إلي التعاون" وعنوان فرعي "كتابة فصل جديد في العلاقات الامريكية العربية". بدأ التقرير بتقييم واقعي جاء فيه:"إن العلاقات الامريكية- العربية تشهد أكبر تراجع لها منذ سنوات طويلة. لقد أصبحنا نشهد معارضة غير مسبوقة في المنطقة بينما تضاءلت بشكل كبير أعداد العرب الذين يأتون إلي الولاياتالمتحدة طلباً للدراسة أوالزيارة أوالعلاج أوبحثاً عن أعمال تجارية. لذا فإن الخوف والغضب والإحباط الذي أصبح سائداً بين العرب والامريكيين بدأ يشكل فجوة خطيرة في الثقة تتسع يوماً بعد يوم. إن التزامنا بتصحيح هذه الأوضاع لا ينطلق من نظرة أيديولوجية وإنما من تقييم واضح يشير إلي أن تدهور العلاقات العربية- الامريكية يشكل تهديداً خطيراً لأمن ومصالح الجانبين علي المدي الطويل". وأكد التقرير ، علي ضرورة " أن تعمد الولاياتالمتحدة إلي اتخاذ التدابير اللازمة لإرساء دعائم الأمن والاستقرار، ومغادرة العراق وأن تظهر قيادة فاعلة في التوصل إلي حل شامل يفضي إلي قيام دولة فلسطينية تتمتع بالأمان والديمقراطية وتعيش جنباً إلي جنب مع دولة إسرائيل الديمقراطية الآمنة". واضاف التقرير مجموعة من التوصيات والبرامج البناءة التي تستهدف إعادة صياغة السياسة الامريكية تجاه المنطقة منها : ' "أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمر شديد الأهمية للاستقرار في العالم العربي واقترح التقرير إنشاء مجلس استشاري رئاسي يعني بالتنمية والنموفي الوطن العربي يساعد في تحديد والإشراف علي الحقوق التجارية وبرامج المساعدات والموارد الأخري الضرورية لتسهيل عملية التنمية في الإقليم". ' "تأسيس لجان ثنائية تتضمن ممثلين للوكالات الامريكية والحكومات العربية. وتهدف هذه اللجان الثنائية إلي خلق أهداف مشتركة في عدد متسع من القطاعات قبل تحديد حجم التجارة ومستويات التمويل المستقبلي وإعفاءات الديون في سبيل تحقيق هذه الأهداف". ' "ضرورة تكوين لجنة تعمل علي إزالة المعوقات أمام وصول الطلاب العرب إلي الولاياتالمتحدة، وطالب بإنشاء مؤسسة للشراكة العربية تمولها المؤسسات الخاصة وتعمل علي نشر وتعزيز التعليم والتبادل التجاري والإصلاحات في أوساط الأجيال القادمة من الزعماء العرب". إذن ملخص هذه التوصيات هوتكوين علاقات تستند إلي الأهداف والمصالح المشتركة وتؤدي إلي تحسين الأوضاع في المنطقتين. وبالتالي يبقي هنا السؤال الاستراتيجي ما هوالمانع أن ُأفعل مصالحي اديرها في فلك مصالح الدولة التي تدير العالم اليوم ؟