في الوقت الذي جمع فيه الرئيس جورج بوش مستشاريه بكامب ديفيد الأسبوع الماضي من أجل التباحث حول موضوع العراق، لابد أن جل تفكيره كان منصباً علي الانتخابات النصفية المقبلة وانتخابات 2008 الرئاسية التي تليها. لقد جرت العادة علي أن تكون حالة الاقتصاد، وليس مواضيع السياسة الخارجية، هي التي تؤثر علي طريقة تصويت الأمريكيين في انتخاباتهم الوطنية. غير أن الظروف الحالية ليست عادية، ذلك أن الولاياتالمتحدة تخوض اليوم حرباً ضد الإرهاب، كما أن الآلاف من جنودها معرضون للخطر في العراق. ونتيجة لذلك، فمن المتوقع أن يلعب مستوي الاستقرار في العراق، وحجم الإصابات في صفوف الجنود الأمريكيين، إضافة إلي حالة عدم اليقين بخصوص مدة الالتزام الأمريكي دوراً مهماً في الانتخابات المقبلة. إذا كانت محادثات كامب ديفيد قد تناولت موضوع العراق، فإن الرئيس كان يتخذ أيضاً قرارات من شأنها التأثير علي ما تبقي من فترته الرئاسية. وبالتالي، فإنه يمكن القول إن بقية فترة بوش الرئاسية ستكون رهينة المآل الذي ستؤول إليه الأوضاع في العراق. ولئن كان الأداء العسكري في بداية الحرب في العراق بدا جيداً بعد أن تمكنت القوات الأمريكية والبريطانية بسرعة من التغلب علي جيش عراقي ضعيف، فإنه لم يجرِ التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب بما ينبغي من الدقة والعناية وسرعان ما تكشفت ملامح العجز عن إدارة هذه المرحلة. في الجانب الإيجابي، تم إسقاط نظام صدام حسين الذي من المرتقب أن يواجه العدالة بسبب ما ارتكبه من جرائم. وإضافة إلي ذلك، فقد صوت ملايين العراقيين في انتخابات حرة، وتم وضع دستور للبلاد، وتنصيب حكومة وحدة وطنية. كما تمكنت القوات الأمريكية من تحديد مكان زعيم تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" أبو مصعب الزرقاوي وقتله. وهو ما يعد نصراً لأجهزة المخابرات الأمريكية في العراق، ويشكل دون شك ضربة قوية لمعنويات أتباعه. إلا أنه من غير المعروف كيف سيؤثر رحيل الزرقاوي علي زخم الأنشطة الإرهابية. أما في الجانب السلبي، فقد استغرق تشكيل الحكومة العراقية وقتاً طويلاً جداً، وهو ما يعكس الشكوك المتواصلة والكبيرة في أوساط الأكراد والسُّنة والشيعة. وبالرغم من التقدم الذي لم يحظَ بما يكفي من اهتمام وسائل الإعلام علي صعيد إعادة إنشاء البني التحتية في العراق، إلا أن العديد من العراقيين مازالوا دون كهرباء وماء وغيرهما من الخدمات الأساسية. أما الأمن فهو منعدم في الغالب الأعم، ولاسيما في وقت تعج فيه البلاد بالأسلحة المختلفة التي توجد بحوزة القوات الأمريكية، والجيش والشرطة التابعين للحكومة العراقية، والمليشيات الخاصة، والفصائل السياسية، إضافة بطبيعة الحال، إلي الإرهابيين من مختلف الجنسيات الذين ينطلقون من أجندات مختلفة. ونتيجة لذلك، دفعت هذه الظروف مجتمعة بعض العراقيين إلي القول إنهم إذا كانوا سعداء بالحرية التي ينعمون بها اليوم، إلا أن الحياة اليومية هي أسوأ اليوم مما كان عليه الحال في عهد نظام الرئيس المخلوع صدام حسين. وفي وقت تستمر فيه أعمال عنف الحركات المتمردة والخصومات السياسية، شهدت شعبية الرئيس بوش تدنياً كبيراً في الولاياتالمتحدة. فبالرغم من أن استطلاعات الرأي تظهر أن أغلبية من الأمريكيين أيدت قرار التدخل في العراق، غير أن صبر الأمريكيين أثناء مرحلة ما بعد الحرب آخذ في النفاد. وبالتالي، فإن الرئيس بوش لا يتوفر علي شيك أبيض من الشعب الأمريكي. والواقع أن قائمة المواضيع التي تقض مضجع بوش طويلة وعريضة. فعلي المستوي الخارجي، هناك طموحات الأسلحة النووية الإيرانية والكورية الشمالية، ومشاعر معاداة الولاياتالمتحدة التي يجهر بها رئيس فنزويلا الغنية بالنفط هوجو شافيز، إضافة إلي المد اليساري في أمريكا اللاتينية، وعلاقة الولاياتالمتحدة مع كل من الصين وروسيا. والملفت أن بوش خفف من لهجته حول بعض هذه القضايا بعد أن منح وزيرة الخارجية كندوليزا رايس السلطة لتجربة وسائل دبلوماسية جديدة. أما علي المستوي الداخلي، فيعمل بوش علي الترويج لإصلاحات علي صعيد الهجرة والضمان الاجتماعي، وكلاهما موضوع مثير للجدل ويجب التطرق إليهما بالرغم من أنهما لا يمنحانه مكسباً سياسياً كبيراً. ولهذا الغرض، شرع بوش في مغازلة أعضاء في الكونجرس يعتبر إقناعهم ضرورياً إن هو كان حريصاً علي إنجاح مخططاته الإصلاحية. غير أن كل المشاكل، الداخلية منها والخارجية، تحتل مرتبة متأخرة طالما ظل موضوع العراق هو التحدي الرئيسي. الأمر المثالي هو أن تقضي الحكومة العراقية الجديدة علي الإرهاب، وتعمل علي استقرار الاقتصاد، وتسمح بتدشين عملية انسحاب أمريكية. والواقع أنه في حال تمكن العراق من القيام بهذا الأمر وفق جدول زمني معقول، فمن شأن ذلك أن يكون له تأثير مهم علي مناطق أخري من العالم الإسلامي. وبالتالي، يمكن القول إن استقراراً في العراق يدفع في اتجاه نوع من الديمقراطية في الشرق الأوسط يمكن أن يكون أفضل إنجاز يرتبط بإرث ولاية بوش الرئاسية. وعليه، فلا غرابة إذن أن يكون بوش ومستشاروه منشغلين بتطورات موضوع العراق.