هل ثمة مسألة قبطية في مصر؟هل يواجه الأقباط مشاكل حقيقية يمكن أن تزج بالبلاد نحوشفير الفتنة الطائفية؟ تساؤلات طالما كانت تطرح نفسها مع تفجر أحداث العنف الطائفي بين مسلمي مصر وقبطها، غير أن حرص الدولة المصرية المستمر علي الحيلولة دون تبلورأوذيوع صيت ما يسمي بالمسألة القبطية أو المشكلة الطائفية كان من شأنه أن يخمد نيران الفتنة في مهدها عبر وسائل أمنية ودعائية وأ حيانا سياسية غالبا ما كانت تدخل في عداد الحلول الجزئية الآنية الترقيعية المبتسرة، والتي طالما كانت مصحوبة بنفي قاطع لوجود أزمة طائفية في مصر علي خلفية شعور الجماعة القبطية بالغبن أوالتهميش. غيرأن متغيرات واعتبارات جديدة قد دلفت مؤخرا إلي قضية الاحتقان الطائفي المزمن والمكبوت لدي أقباط مصر، كان لها بالغ الأثر في توجيه دفة أحداثها وتطوراتها علي نحو درامي وسريع الوتيرة.فقد تقلص الفاصل أو المدي الزمني الذي يفصل بين كل حادثة عنف طائفي وأخري، ذلك أنه كانت تمر السنون علي حادثة عنف طائفي حتي تدهم المصريين حادثة أخري غالبا ما كان مسرحها بؤر التوتر القبلي والولاءات الأولية في صعيد مصرأو ما يشبهها من بعض مدن الدلتا أو الأحياء الشعبية في القاهرة، أما الآن فلم تكد تمر أشهر قلائل علي واحدة من تلك الأحداث حتي تتبعها أخري أشد وقعا في مدن وأحياء طالما كانت أبعد ما تكون عن دائرة وقوع مثل هذه الاحتكاكات الطائفية. علاوة علي ذلك، برز دور العامل الخارجي في القضية بعد أن غدا الخارج ملاذا لتنظيمات قبطية مارقة وقاعدة لهجومهم الحاد علي النظام الحاكم والشعب في مصر علي السواء بذريعة ما يرتأيه أقباط المهجر وأتباعهم في مصرإفتآتا علي حقوق الأقباط، بل إن بعضا من هؤلاء طفق يوجه سهامه الجارحة مهاجما الإسلام ومسيئا إلي نبيه علي شاشات الفضائيات وعبر أثير الإذاعات التنصيرية أو الصحف المشبوهة التي أعدتها وهيأتها جهات غربية عمدت إلي توظيف أولئك الخارجين علي مباديء العقيدة وأصول المواطنة، كمؤجج للفتنة وباعث لعدم الاستقرار في مصر، وأداة للضغط علي نظامها وابتزازه علي صعيد السياستين الإقليمية والدولية. وبالرغم من أن غالبية القائمين بمثل هذه الأدوار المشبوهة كانوا محل إدانة من الكنيسة القبطية والجماعة القبطية في مصر، إلا أن ممارساتهم الممقوتة كان لها دور محوري في التأثير علي مجريات القضية القبطية كما أضحي مروجوها رقما صعبا في معادلة تلك القضية. وفي ذات السياق،تجلت تداعيات ثورتي الإتصالات والمعلومات،حيث غدا من اليسير علي أي مواطن متصل بشبكة المعلومات العالمية الإلكترونية أو بالأقمار الاصطناعية أن يتابع ما يجري علي أي مكان في أرجاء المعمورة وهو في عقر داره، بل وأن يجري اتصالاته ويبث رسائله الصوتية والمرئية إلي شتي بقاع الأرض في ثوان معدودات ودونما رقابة،وهو الأمر الذي خرج بتفاصيل التفاعلات اليومية للقضية القبطية من نطاقها القطري المحدود إلي فضاء دولي أرحب، صار بدوره فيما بعد مسرحا مثاليا لتداول مثل هذه القضايا لاسيما إذا ما توفرالطرف الذي يتبناها ويضطلع بمهمة تسويقها عالميا، خصوصا إذا ما وجد من لايضن عليه بالدعم والتأييد. من هنا،جاء دور أقباط المهجر في الغرب لاسيما الولاياتالمتحدة وكندا والذين تواصلت جهودهم أو كادت مع نظرائهم في أوروبا وبقاع أخري من المعمورة، وإن بدت بينهم بعض مظاهر التناقض أو التباين في الآليات والوسائل أو حتي عدم التآلف الشخصي. وبدعم من جهات رسمية غربية، تكثفت انتقادات أقباط المهجر،الذين نصبوا أنفسهم أوصياء علي أقباط مصر، للمصريين حكومة وشعبا، وطفقوا عبر مؤسساتهم وإمكاناتهم الدعائية التي وفرتها لهم الحكومات المضيفة، يتصرفون كأداة في يد تلك الحكومات تستغلها في الابتزاز السياسي للنظام المصري في أمور تتجاوز بكثير الشأن القبطي الذي قد لاتكترث به تلك الحكومات، باستثناء كونه أداة ضغط ملائمة للي ذراع القائمين علي السلطة في القاهرة . غير أن ما يسترعي الانتباه في هذا الصدد هوتجاوز زعماء أقباط المهجر ممن ينفخون في نيران الفتنة الطائفية في مصرلحدود دورهم المزعوم الذي يدعون أنه منصب في مساعدة أقباط مصر علي نيل ما يعتبرونه حقوقا سياسية ودينية مسلوبة، وباتوا يتصرفون وكأنهم دمي تحركها أصابع الحكومات الغربية ضمن إستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط، والتي تمثل مصر موضع القلب منها، كما أن ولاءهم الأول والأخير لم يعد لبلدهم الأصلي أو لقضيتهم وإنما أضحي لمن يمدهم بالدعم السياسي والمالي ويوفر لهم المأوي والحماية ويشجعهم علي التطاول علي بلادهم والتشهير بحكامهم وشعبهم،فلم يعد إيقاع هجومهم علي الدولة المصرية يتناسب ومقدار العنف الطائفي الذي تشهده البلاد، أو يأتي استجابة للمعاناة التي يكابدها الأقباط، أوحتي تعبيرا عن مشاعرهم وهمومهم، بقدر ما بات يمثل تلبية لما تمليه أولويات صناع السياسة الغربية حيال مصر والمنطقة. ورغم إظهار الكنيسة القبطية رفضها لهذا التيار وتبرؤها من ممارساته المشينة، إلا أن قطاعا، لابأس به، من أقباط مصر قد نزعوا نحو الإصغاء إلي هؤلاء واعتبارهم مخلصين لهم من نير الغبن والتهميش استنادا إلي المبدأ البراجماتي المعيب "الغاية تبرر الوسيلة" لاسيما بعد أن تقلصت الآمال في تغيير حقيقي تشهده البلاد من شأنه أن يوجد حلولا لمشاكل المصريين المزمنة، خصوصا الأقباط منهم. إلي جانب ذلك، أسفر شعور الأقباط بانكشاف النظام المصري سياسيا أمام الخارج عن سعي أقباط المهجر بالتعاون مع عناصر وجهات قبطية في الداخل،من أجل اللعب علي هذا الوتر الحساس والسعي لإبتزاز النظام في أعقاب كل حادث عنف طائفي تشهده البلاد، حتي وإن كان مفتعلا. ومن جانبها، كانت الحكومة المصرية تغذي هذا التوجه لدي الأقباط علي نحو غير مباشر من خلال إذعانها لمطالبهم ورضوخها لابتزازهم عبرميلها في أحيان كثيرة إلي تقديم بعض الترضيات للاقباط عقب أحداث العنف الطائفي ذات الدوي العالمي كأحداث الكشح، أو أحداث الإسكندرية التي وقعت في شهر أكتوبر الماضي أو تلك الأخيرة التي أعلنت لجنة المواطنة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان والمعنية بالشأنين القبطي والإسلامي في أعقابها أنها تضع علي صدارة جدول أعمالها هذه الأيام العمل من أجل الإسراع في إصدار قانون موحد لدور العبادة بحيث يتسني للأقباط بناء وترميم الكنائس دونما تعقيدات، فضلا عن إدخال تعديلات تشريعية تضمن تعظيم فرص الأقباط في تولي المناصب القيادية وزيادة نسب تمثيلهم في البرلمان. مثل هذه المتغيرات السابقة التي استجدت علي القضية القبطية شكلت، في ظل اتساع هامش حرية التعبيرفي مصر مؤخرا، بيئة مواتية لتبلور حزمة من المطالب القبطية التي تولي أقباط المهجر تسويقها والترويج لها عالميا والمتمثلة في منح الأقباط مزيدا من الحقوق السياسية بما يسمح لهم بتقلد المناصب الهامة القيادية والحساسة في مصر بغير استثناء أو إقصاء أو تمييز، إلي جوانب أخري دينية تتجلي في إقرار قانون موحد بشأن إقامة دور العبادة وتوفير الأجواء المناسبة لممارسة شعائرهم الدينية. بيد أن مكمن القلق والتأزم في تصوري هو أن الأقباط لا يريدون أن تتم تلبية هذه المطالب في إطار جملة الطروحات أوالمطالب الوطنية المصرية التي تتبناها كافة القوي السياسية ومنظمات المجتمع المدني كمدخلات يتم توجيهها إلي النظام الحاكم بغية إقرارها عبر عملية ممنهجة وجادة للإصلاح الشامل في البلاد،وإنما يطالبون بأن تتم تلبية مطالبهم بشكل منفرد وعلي نحو فئوي أو طائفي بمنأي عن مطالب الجماعة الوطنية المصرية التي تشارك الأقباط المعاناة، حيث تصر زعامات أقباط المهجر وأتباعهم في مصر علي ضرورة أن تضطلع الدولة المصرية بتلبية مطالبهم أولا وعدم إدراجها ضمن حزمة المطالبات الشعبية بالإصلاح الشامل الذي يري الأقباط أنه حلم بعيد المنال. ومن شأن هذا التوجه الإصلاحي الطائفي من قبل بعض الأقباط أن يفضي إلي نتائج وعواقب وخيمة حالة ما إذا غدا مطلبا قبطيا عاما، لأنه سوف يشق عصا الطاعة وينال من السلام الاجتماعي في المجتمع المصري كما سيثير النزعات الطائفية والفئوية بين المصريين، فضلا عن أن من شأنه أن يعزز من الشكوك التي تجول بخواطربعض المصريين حيال الأقباط فيما يتصل بولائهم وإنتمائهم ووطنيتهم. ذلك أن تخليهم أو إنسلاخهم عن المشروع الوطني الإصلاحي المدني الجامع الذي تنضوي الجماعة الوطنية المصرية تحت لوائه،إنما ينم عن نزوع قبطي نحوتجاوز مسألة الحصول علي حقوق أصيلة يرتئونها مسلوبة منهم، والانجراف إلي نفق مظلم من الشطط الفكري والطائفي الذي يزين لهم التحول من جماعة وطنية طالما اعتبرت نفسها مغبونة ومهمشة إلي أقلية أو فئة متميزة ، وحينئذ لن تجدي محاولات التستر علي تفاقم الأزمة الطائفية أو التشكيك في أننا بصدد مسألة قبطية ملتهبة.