عندما كتبت عن الخطر الذي استشعرته بخصوص الذي يجري في حزب الوفد، وذلك علي نفس هذه الصفحة بتاريخ 25/2 وتحت عنوان "ظاهرة الانقلابات الداخلية في الأحزاب المصرية"، لم أكن لأتصور أن تصل الأمور إلي ما آلت إليه لهذا الحزب العريق ولقياداته وجماهيره، وبغض النظر عن مؤازرتهم لطرف ما علي حساب الطرف الآخر. فهل كان منا من يتصور ولو للحظة أن ينتهي الأمر ولو مرحليا بحبس د. نعمان جمعة مع آخرين علي ذمة التحقيقات التي تجريها النيابة العامة معهم، وذلك بعد أن وجهت لهم خمسة اتهامات بالبلطجة واستخدام أسلحة نارية للشروع في القتل والإتلاف والحريق العمدي وإثارة الشغب! وعلي الرغم مما ذكرته في مقالي السابق بخصوص عدم انتمائي لأي حزب أو جماعة سياسية أخري، إلا أنه يهمني الآن أيضا أن أؤكد علي ذلك، حتي يعرف الجميع حقيقة انتمائي وموقعي، والذي ينحصر في كوني مصريا مهموما بالشأن العام في وطني ومشاركا ولو بالرأي وهو أضعف الإيمان من وجهة نظري فيما يدور فيه، لذلك فإن حزني وأسفي علي ما أصاب حزب الوفد، إنما يرجع في الحقيقة لإدراكي بعمق الشرخ الذي هز وضرب ذلك الكيان السياسي العتيد، وأن ما حدث في مقر الحزب، سوف يكون له العديد من التداعيات السيئة، والتي سوف تؤثر بالسلب علي مجمل حياتنا السياسية بشكل عام، كما يرجع خوفي مما حدث، لتأثير ذلك الزلزال وتوابعه، والتي تجسدت في الاقتتال الذي دار بمقر الحزب، والصراع المحموم علي السلطة فيه، بالشكل الذي سيؤكد لدي قطاع عريض من كتلة الصامتين عن المشاركة السياسية، أن ابتعادهم وعزوفهم عن المشاركة، له في الواقع دوافعه ومبرراته، وأن مربع الصمت والانزواء هو المكان الأنسب لملايين المصريين الذين آثروا السلامة والابتعاد عن مقار أحزاب يتم حرقها وضربها بقنابل المولوتوف وإشعال النار فيها بل وإطلاق الرصاص الحي بين المتخاصمين بها للأسف الشديد! إن الذي حدث في مقر حزب الوفد، لا يمكن النظر إليه علي أنه مجرد صراع منفلت علي كراسي السلطة فيه، فالذي نعرفه عن ذلك الحزب التاريخي أنه يتميز عن غيره من الأحزاب السياسية الأخري، بكونه يضم في عضويته أكبر عدد من الحقوقيين أو القانونيين، فكيف لحزب هذا شأنه أن تتم تصفية الصراعات بين قياداته بهذا الأسلوب غير القانوني؟ وأن يكون منطق الحرق وثقافة ضرب النار هي الوسيلة الوحيدة لحل مشكلاته! وربما يكون ذلك هو الذي دفعني لمحاولة التفتيش عن بعد عن الذي جال في ذهني وعقل د. نعمان جمعة عندما ذهب لاقتحام مقر الحزب والتحصن فيه مع نفر من مؤيديه المدججين بالأسلحة النارية. تري هل كان د. نعمان وهو رجل القانون بل وأستاذ القانون المدني بجامعة القاهرة وعميد كلية الحقوق بها لسنوات عدة واعيا ومدركا لمخاطر وتبعات تصرفاته وتصرفات مؤيديه التي نتج عنها إشعال النار في مقر الحزب وتدمير محتوياته وإصابة (26) مصابا منهم (10) بأعيرة نارية، خرجت من ثلاثة مسدسات تم استخدامها في إطلاق الرصاص؟ هل استقر في ضمير د. نعمان أستاذ القانون أنه هكذا يتم حل المشكلات وتصفية الخصومات؟ هل نسي د. نعمان وقتها أنه كان يوما ما ومنذ أشهر قليلة ماضية أنه كان مرشحا لحزبه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟ وأن الذي أقدم عليه بمؤازرة مؤيديه لا يمت من قريب أو بعيد، لسلوكيات رجل كان من المحتمل أن تضعه أصوات الناخبين علي مقعد رئيس الجمهورية؟! وبينما تتدافع الأسئلة علي عقلي، وفي وسط معاناتي وإحباطي، فإذا بعيني تقعان علي كتاب في مكتبتي الخاصة، عنوانه "دروس في مبادئ القانون" في الحقيقة تسمرت عيناي علي مؤلف الكتاب، إذ أنه د. نعمان جمعة بشحمه ولحمه كما يقولون وقد شاركه في التأليف د. عبدالودود يحيي أستاذ القانون المدني أيضا بجامعة القاهرة والمحامي بالنقض. وعلي الرغم من ابتعاد تخصص الكتاب عن تخصصي في مجال الاقتصاد، إلا أن اعتقادي بوحدة العلوم الإنسانية والاجتماعية، يبرر لي القراءة أحيانا في أصول ومبادئ علوم إنسانية أخري في غير تخصصي العلمي، ولذلك لم يكن هناك من مفر، فالمناسبة تستدعي منا بالضرورة أن نعيد قراءة الصفحات الأولي علي الأقل من الكتاب الذي أشرنا إليه، خاصة في ظل ما نستشعره من تناقض واضح بين التخصص العلمي له والذي كتبه د. نعمان جمعة بخط يده في كتابه وبين الذي أقدم عليه في مقر الحزب الذي كان يترأسه!! لذلك فإنني أدعو السيدات والسادة القراء لمشاركتي في إعادة قراءة بعض ما ورد علي لسان د. نعمان جمعة والذي ذكر فيه ما يلي وتحت عنوان جانبي حول المعاني المختلفة للفظ القانون، حيث يقول: "القانون يفيد معني النظام، ويقصد به تكرار أمر معين بطريقة منتظمة، وفي الدراسات القانونية يشير لفظ القانون إلي مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، والتي يكفل احترامها بجزاء يوقع علي المخالف عند الاقتضاء، ووفقا لذلك المعني فإن القانون يعتبر ضرورة اجتماعية لتنظيم علاقة الفرد مع غيره من أفراد الجماعة البشرية، لأنه لو ترك لكل فرد أن ينظم علاقاته وفق رغبته ومشيئته، حتي لو تعارض ذلك مع رغبات الآخرين، لعمت الفوضي، وانتهي الأمر إلي تحكم الأقوياء في الضعفاء.. ويستطرد د. نعمان في مؤلفه المذكور قائلا: "إن هناك صلة وثيقة بين الحق والقانون، فالقانون الذين ينظم الروابط الاجتماعية للتوفيق بين مصالح الأفراد في المجتمع، إنما يحقق ذلك عن طريق بيان حقوق الأفراد، وعلي ذلك فالحق والقانون يكمل كل منهما الآخر، فالقانون هو الذي يقرر الحقوق ويرسم حدودها ويفرض احترامها، ووسيلته في ذلك تكون عن طريق إقرار حقوق لبعض الأفراد في مواجهة الآخر". أما في مجال التعريف بخصائص القاعدة القانونية، واختلافها عن القواعد الاجتماعية (قواعد الدين وقواعد الأخلاق)، فإن الكتاب يقرر بأن القاعدة القانونية تتميز بخصائص ثلاث هي: 1 إنها قاعدة عامة ومجردة. 2 إنها تنظم سلوك الأفراد في المجتمع. 3 أنها تكون مصحوبة بجزاء توقعه السلطة العامة علي المخالف. وإذا كان القانون ينظم سلوك الأفراد في المجتمع، فإنه لا يعتد إلا بالمظهر الخارجي لهذا السلوك، وأما ما يكمن في النفس وما يستقر في ضمير الشخص فلا شأن بالقانون به، لأن القانون لا يهتم بالنوايا، طالما لم تظهر هذه النوايا إلي العالم الخارجي بأفعال مادية، وعلي ذلك قد يضمر شخص سوءا لآخر، بل قد يفكر في إحراق منزله أو في سرقة منقولاته، دون أن يقع تحت طائلة القانون، مادام هذا التفكير لم يظهر بأفعال مادية تدل عليه، إلا أن ذلك لا يمنع القانون من الاعتداد بالنوايا إذا ترتب عليها آثار مهمة، وأيضا إذا اتصلت هذه النوايا بنشاط خارجي للأفراد. وفي معرض كلام د. نعمان جمعة عن علاقة القواعد القانونية بغيرها من القواعد الاجتماعية فإنه يقول: "ليست قواعد القانون هي وحدها التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، بل توجد إلي جانبها قواعد اجتماعية أخري تقوم بدورها في هذا الشأن كمبادئ الأخلاق وأوامر الدين ونواهيه وقواعد المجاملات، فإذا كان القانون يختلف عن الأخلاق في عدة أوجه، وذلك لاختلاف الغاية من كل منهما، إلا أن هذا لا يعني أن الصلة منقطعة بين القانون والأخلاق، وذلك أن القانون والأخلاق يلتقيان في دائرة مشتركة بينهما، فكثير من القواعد القانونية تعتبر في نفس الوقت قواعد أخلاقية، أو هي تطبيق لمبادئ أخلاقية، فالقواعد القانونية التي تحرم الاعتداء علي جسم الغير أو ماله، وتلك التي توجب الوفاء بالالتزام.. كل هذه القواعد ليست إلا تقنينا لمبادئ خلقية، وكلما ارتقت الإنسانية، اتسعت الدائرة المشتركة بين القانون والأخلاق بها، نتيجة لدخول بعض المبادئ الأخلاقية في دائرة القانون، الأمر الذي يرفعها إلي مرتبة القواعد القانونية عن طريق فرض جزء يكفل احترامها. أما بالنسبة إلي علاقة القانون بالدين، فإن الجزاء الذي يترتب علي الأول هو في الحقيقة جزاء مادي توقعه السلطة العامة التي تملك إجبار الناس علي احترام القانون، أما بالنسبة للدين فإن جزاء مخالفة أوامره هو جزاء مؤجل يوقعه الله سبحانه وتعالي علي المخالف. وتنصرف قواعد سلوك البشر في المجتمع كذلك إلي ما يعرف بالمجاملات، وهي سلوكيات تواضع الناس علي احترامها والسير في سلوكهم اليومي وفقا لها باعتبارها من تقاليد المجتمع وعاداته، ولذلك تشترك هذه القواعد مع القواعد القانونية في أنها تحكم أيضا سلوك الأفراد في أي مجتمع، وإن اختلف الجزاء بين كل منهما، حيث إن مخالفة قواعد المجاملات لا تستتبع توقيع الجزاء المادي الذي يترتب علي مخالفة القواعد القانونية، وإنما يتعرض المخالف لها لجزاء أخف، هو سخط المجتمع، واحتقار الناس له! انتهي كلام د. نعمان في مقدمة دروسه عن مبادئ القانون، والتي كان يلقيها علي طلابه في الأيام الأولي لهم بكلية الحقوق. وهكذا يتبين لنا أن العنوان الذي اخترناه لهذا المقال، هو عنوان دال وموح ويؤكد علي مصيبتنا الكبري في كل الذي جري بمقر حزب الوفد وحوله، وإذا كان لنا من عزاء في كل ما حدث، فإن هذا العزاء قد بدأ بإحالة الموضوع إلي النيابة العامة وربما إلي القضاء والمحاكم بعدها، ولكن ذلك لا يمنعنا بالقطع من الإحساس بمرارة الانتكاسة التي أصابت حزب الوفد العريق في الصميم، فإعادة أمور الحزب الثاني من حيث الأهمية والشعبية بعد الحزب الوطني إلي سابق عهدها سيتطلب وقتا ليس بالقصير، الأمر الذي سيؤدي في عمومه إلي تعثر وتأخر جهود إصلاح ورأب الصدع في الحياة السياسية الحزبية في مصر المهترئة أصلا، وبالتالي استطالة أمد انتظارنا وحلمنا بالديمقراطية حتي إشعار آخر.