صدام الأسود * دافيد باران David Baran كنا ننتظر، في مناسبة محاكمة صدام حسين، كتاباً يراجع الجرائم التي ارتكبها نظام بغداد من 1968 الي 2003. فحجم هذه الجرائم وتنوّعها يجعل منه نظاماً فريداً حتي داخل العالم العربي. وهذه الجرائم التي جري توثيقها بعناية من قبل المدافعين عن حقوق الانسان، لم تُثرْ سوي لا مبالاة متمادية من قبل الحكومات الغربية. والاسوأ أنّ عزل العراق واحتواءه، إبّان نظام العقوبات الدولية المفروضة عام 1990، تُرجم بإطلاق عملية تدخل خارجي كاملة في السياسة الداخلية. تستجيب الصفحات السبعمائة للكتاب، الذي اشرف عليه كريس كوتشيرا، لهذا الانتظار، مع الاضاءة علي المرآة الفضائحية لتناقضات الغرب. حيث بُذل جهدا كبيرا للاستعانة بالخبراء الاختصاصيين، وجاءت النتيجة محصّلة ممتازة للمعلومات المتوفّرة حول بعض أكثر الصفحات سواداً في تاريخ العراق المعاصر. إنّ من شأن تضمين كتاب واحد بالفرنسية منشورات متفرّقة، وغالباً ما كانت باللغة الانكليزية، أن يلفت انتباه الجمهور الذي دفع به رفضه المشروع للحصار علي العراق الي نوع من التساهل ازاء النظام. لذا فإنّ "كتاب صدام حسين الاسود" لا يتهاون بكشف التواطؤ الضمني الذي استفاد منه هذا الاخير. بالرغم من النوعية الجيدة للمساهمات الفردية، إلاّ أنّ الكتاب يعاني غياب التحليل العام. وإنّ وجود فجوات مهمّة حول مواضيع غير مطروقة كثيراً، مثل حملة القمع ضدّ الاخوان المسلمين (السنّة)، تُوهم القارئ أنّ مردّ العنف كان أساساً وحتي حصراً لأسباب مذهبية. فلا كلام مثلاً عن القمع الذي لم يطلْ بعض الفئات الثانوية المُعتبَرة غير خطرة (لا سيما الشيعة "المشيخية" في البصرة)، بل توجّه بشكل منظّم الي المركز (حملة تطهير طالت الضبّاط السنّة في الموصل وبغداد، تصفية قدامي البعثيين...). وفي غياب منهج منظّم لدراسة اساليب التسلّط، يصار الي الاكتفاء بوصف سريع للجهاز الامني وتقديم مُختصر لسجن ابو غريب، وهو الوحيد المعرّف عنه ضمن مجموعة من مؤسّسات الاعتقال كنا نتمنّي، من خلال ما يتوفّر اليوم من معلومات، التعرّف علي مواقعها داخل العراق. وبالكاد يشار الي المحكمة الثورية الخاصّة المسئولة عن عدد كبير من الإعدامات. يجعل بناء الكتاب من العنف نوعاً من جوهر للنظام، وفي ذلك نجاح بإظهار الطبيعة القاسية بامتياز لهذا النظام امام جمهور متساهل لا يملك القدر الكافي من المعلومات. أمّا اذا كان الهدف توفير قائمة دقيقة ومجرّدة للجرائم المرتكبة، فلماذا البدء بشخصنتها الي هذا الحدّ (حتي في العنوان)؟. لماذا التغاضي عن تعقيداتها المُحرجة، كون قسم من الشعب تورّط في ما لا يمكن تصويره علي أنه نزعة الديكتاتور وحده للاضطهاد حيث قامت ديكتاتورية الأقلية السنية. الكتاب حوي اتهامات قاطعة للنظام العراقي مع تنظيم القاعدة، ويتفق مع الحجج الامريكية في غزو العراق واولها ان صدام حسين نفسه جزء من اسلحة الدمار الشامل طوال 35 سنة لم يسلم خلالها جيرانه وشعبه من جرائمه. عن الموند