«لم أتخيل يكون هذا السحر بساطا يحملني، وأنتقل وراءه، إلى بلاد بعيدة، من الهند إلى هولندا والمغرب. لو لم أكن روائيا لأصبحت مخرجا يؤمن بأن السينما لا تشبه فنا آخر، ولا يغني عنها فن آخر. أحلم بفيلم يختفي مخرجه، كما لو أن الفيلم يخرج نفسه». من هنا تنطلق مع الروائي المصري سعد القرش بأحدث إصداراته "في مديح الأفلام" وهو يقول «علاقتي بالسينما حب من طرف واحد، هكذا أضمن له حياة ممتدة؛ وعشقا لا يطاله ملل، فلا أنتظر أن ينتهي هذا الحب بزواج يصيب العلاقة بشيء من الرتابة. لن أصبح كاتب سيناريو ولا مخرجا ولا ممثلا، بل يعنيني أن أظل عاشق أفلام، تحلو لي الهجرة إليها في المهرجانات». وعن الكتاب نقرأ للسيناريست الكبير د. محمد كامل القليوبي «مثقف وكاتب مبدع يقدم تأملاته خلال سعيه وراء الأفلام.. تأملات في التاريخ والسياسة والأدب والفن مع تحليل لظواهر سينمائية وأفكار تثيرها الأفلام.. رحلة معرفية شائقة يتحول معها الكتاب إلى نص أدبي في حد ذاته. مع صدور هذا الكتاب ستبادله السينما وعشاقها حبا بحب». من المقدمة نقرأ : في صيف 1980 كافأت نفسي بدخول السينما للمرة الأولى. حتى ذلك الوقت، كنت إذا مررت بدور السينما في مدينة المحلة الكبرى، وشاهدت ملصقات الأفلام، قدرت أن العالم في الداخل لم يخلق من أجلي، هذا ترف لا يحتمله وقتي ولا مصروفي الذي ليس موجودا ولا معترفا به. كانت السينما مكافأة تستحق من أهل القرى بعض التسامح؛ فلا يجدون حرجا في اصطحاب الشاب خطيبته لمشاهدة فيلم، أي فيلم، في المحلة الكبرى، وهذا مصدر فخر تتباهى به الفتاة؛ إذ أصبحت مشروع عروس لها خطيب يدللها، وأي دلال أكبر من «فسحة» في السينما. في ذلك الصيف، كنت خارجا من صيام قاس، مصحوب بأعمال يومية شاقة في الغيط، ويوم العيد يعفيني مشقة الصيام، ويمنحني فرصة للراحة. كان تقريبا يوم 11 أغسطس، ولم أخبر أحدا بوجهتي، وتسلحت بقروش قليلة تكفي السفر إلى المحلة في أتوبيس النقل العام، وشراء تذكرة لمشاهدة فيلم، أي فيلم، في «سينما المحلة»، إحدى خمس دور عرض سينمائية في المدينة الصناعية الصاخبة. لا يعنيني اسم الفيلم، ولا أبطاله، المهم حالة المشاهدة، والانخراط في عالم كنت أظنه لا يخصني. كان فيلم «امرأة بلا قيد». لست معتادا على حالة الإظلام المفاجئة، وحاولت لملمة جلبابي حرصا على بقايا قروش أشتري بها ساندوتش فول من محل «البغل»، وكوب عصير قصب، ثم العودة إلى البلد، طويت الجلباب تحتي، وانكمشت في المقعد، لا أجرؤ على فتح فمي، والتدخل في شجار لا أرى أطرافه، في مقاعد الدرجة الثالثة «الترسو» حيث أقعد. عرضت مشاهد لعادل إمام، فانتهى الشجار، وصفقوا للبطل وهو يقفز ويطيح رجالا أشداء، وقلت إن الفيلم أكشن وكوميدي، ثم تبين أنه إعلان، «تريللر» فيلم «الجحيم» لمحمد راضي، وأننا سنشاهد فيلما آخر. بعد 30 عاما وسبعة أشهر وبضعة أيام، كان الفتى الذي نجا من السرقة حين تسلل إلى هذا الفضاء الساحر، في ندوة بأبوظبي، بصحبة مدير تصوير فيلم «الجحيم»، ماهر راضي. حكيت له وأنا أستعيد ما كان وأبتسم، وشرح لي جانبا من إضاءة وديكور الفيلم. الفتى الذي حافظ على جلبابه من حروق السجائر في السينما سيقرأ، في ما بعد، «الطريق» لنجيب محفوظ، ويشاهد معالجتين واقعيتين دون المستوى الفلسفي للرواية. استطاع محفوظ أن يهزم حسام الدين مصطفى ومن بعده أشرف فهمي. وحين قرأت رواية جيمس كين «ساعي البريد يدق الباب مرتين» لم أشك كثيرا في استفادة محفوظ، أو اقتباسها من رواية «كين»، ولم يختلف معي، في هذا الشك، مترجم الرواية أحمد عمر شاهين. كنت أفضل مديحة كامل بطلة فيلم «الجحيم» على نيللي بطلة فيلم «امرأة بلا قيد» الذي بدأ، وطيف النور يتيح بعض الرؤية، وأخاف أن يسرقني أحد، أو يتسلى بإطفاء سيجارته في جلبابي الجديد، وهذا منعني أن أركز في متابعة تفاصيل الفيلم، والحق أنه لم يكن يحتاج إلى تركيز، ويناسب قلق فتى يخشى سرقة فلوسه، ويتوقع أن يثقب الجلباب بسيجارة. الفيلم الذي كان بوابتي إلى عالم السينما لم أشاهده في التلفزيون، ولا حرصت على ذلك، ولا أحببت بطليه، نيللي وحسين فهمي، وبقي من الفيلم أغنية لشفيق جلال لا أتذكرها، وأغنية تقول نيللي في بدايتها «أنا نور ونار ومدلعة». نور هو اسم البطلة الغجرية التي يحترق من يقترب منها، وسوف أعرف أن الفيلم معالجة لرواية «كارمن»، وأحزن لأنه أحد الأعمال التجارية الكثيرة لبركات مخرج «دعاء الكروان» و«الحرام» و«الحب الضائع». خرجت من عتمة السينما إلى نور العيد، وقد انتزعت حقي في المتعة. لم أفكر أن هذا السحر سيكون بساطا يحملني، وأنتقل وراءه، إلى بلاد بعيدة، من الهند شرقا إلى هولندا شمالا، والمغرب غربا. سعد القرش روائي مصري، نشر مقالات ودراسات ومتابعات لمهرجانات وأفلام في مجلات منها أدب ونقد، الفن السابع، سطور، المجلة، وجهات نظر، الفنون، السياسي. له مجموعتان قصصيتان وخمس روايات: «حديث الجنود» 1996، «باب السفينة» 2002 و(ثلاثية أوزير): «أول النهار» 2005، «ليل أوزير» 2008، «وشم وحيد» 2011. ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، وفاز كتابه «سبع سماوات.. رحلات في الجزائر والعراق والهند والمغرب وهولندا ومصر» بجائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة (2008 2009) من المركز العربي للأدب الجغرافي.