لماذا الحزب الوطني الديمقراطي؟! د. عبد المنعم سعيد لماذا أنت في الحزب الوطني الديمقراطي؟ كانت المرة الأولي التي طرح علي فيها هذا السؤال منذ سنوات في برنامج الشرق الأوسط بجامعة هارفارد والذي يديره البروفيسير هيربرت كيلمان عندما دعاني لإلقاء محاضرة عن التطورات السياسية في مصر, والحقيقة أن السؤال الذي جاء من باحثة أمريكية مرموقة كان مفاجئا لي حيث اعتدت أن أفصل بين موقفي الحزبي وموقعي كباحث ومسئول عن مركز للدراسات, ومن ثم فقد بدا الأمر كما لو كان خلطا بين الخاص والعام غير مستحب في القاعات الأكاديمية, وكان السؤال هو الخاتمة لمجموعة من التقديرات السياسية التي قلت بها تخص النظام السياسي المصري والتعديلات الدستورية وسرعة الإصلاح السياسي والاقتصادي والتي فيها مفارقة مع السياسات المعتمدة للحزب والحكومة, وهذه التقديرات طالما نشرتها في هذه الصفحة, وصفحات أخري تخص أمورا متعددة من الصعب إعادة ترديدها في هذا المقام, ولكن خلاصتها لاتتطابق أحيانا مع مايقول به الحزب, وبعد ذلك تكرر السؤال في محافل كثيرة عامة وخاصة, وكان علي أن أقدم الإجابة. وجاءت إجابتي في كل هذه المناسبات من خلال أربع حجج رئيسية: أولاها: أن حجم الحرية التي أتمتع بها داخل الحزب الوطني الديمقراطي لايتمتع بها معظم الاعضاء في الأحزاب والجماعات المصرية الأخري حيث يكون ثمن الاختلاف دائما هو ضرورة الانشقاق والانفصال عن الحزب أو الجماعة وما يتبعها من نتائج علي الشخص وعلي الحزب نفسه كما هو معروف من تاريخ الأحزاب المصرية, ولما كانت وظيفتي ومهنتي هي التحليل السياسي والبحث في افضل الخيارات المتاحة لمصر, فإن تقديري هو أن أفضل المنصات التي تطلق منها الأفكار, بالأضافة إلي الاهرام بالطبع, هي داخل الحزب الوطني الديمقراطي حيث تصل الافكار إلي السلطة والمجتمع في نفس الوقت, ولم يكن هناك في يوم من الأيام فارق بين ما أقول به داخل اجتماعات الحزب, وخارجه في الساحات العامة الأخري, وكان الأمر محل ترحيب في الحالتين حتي كما هو الحال في احوال كثيرة ولو ذهبت الأغلبية في اتجاهات أخري, وربما كان ذلك راجعا إلي طبيعة الحزب نفسه حيث يبدو من خلال التجربة انه يمثل ائتلافا مصريا واسعا ممتدا من يسار الوسط إلي يمينه مع أنواع مختلفة من الخلطات الايديولوجية الشائعة في المجتمع والتي يعود بعضها إلي تراث الماركسية, وبنفس القدر تقاليد التيارات الدينية الشائعة في مصر. وثانيتها: أن الحزب الذي يضرب بجذوره في ثورة23 يوليو1952 وحمل منها تقاليد حزبها الشهير المعروف بالاتحاد الاشتراكي العربي, قد جرت له مجموعة من التطورات المهمة خلال السنوات الماضية, وبالتحديد منذ عام2002 حيث بلغ عدد أعضائه قرابة ثلاثة ملايين نسمة يدفع كل منهم اشتراكا سنويا قدره120 جنيها, ومن لايدفع هذا الاشتراك أو يتخلف عن الاجتماعات المحددة في لجان أو مؤتمرات الحزب فإنه يخرج طواعية أو يفصل بهدوء حيث لايدعي إلي شيء ويصبح ببساطة خارج جسد الحزب الفاعل, مثل ذلك كان جديدا علي الحزب ومساعدا علي تقليل الانتهازية التي تحدث عادة مع الأحزاب التي توجد في السلطة لفترة طويلة, ولكن ماهو أكثر أهمية هو أن أكثر من مليون شاب قد دخلوا الحزب خلال العامين الأخيرين حتي باتت الشريحة العمرية من18 إلي40 سنة تمثل65% من أعضاء الحزب, ومن40 إلي60 سنة يبلغون35%, ومن هم أكبر من60 سنة نسبتهم5%, وهو ما يعني ببساطة أن جيلا جديدا من المصريين قد أصبح الغالبية في الحزب, وحاز بالفعل علي عدد من القيادات الرئيسية فيه, ولن يمر وقت طويل حتي يمسك بالقيادة كلها, وحين ذكرت بعض هذه المعلومات عن الحزب الوطني الديمقراطي لواحد من قيادات المعارضة, كانت إجابته شبه الميكانيكية أن كل هؤلاء يبحثون عن مصالحهم وكان تعليقي السريع هو أنه لخدمة هذه المصالح وجدت الأحزاب السياسية في الأصل وان ذلك هو الفارق الجوهري بين الاحزاب السياسية والجماعات والحركات الايديولوجية. وعلي أي الأحوال فإن المسألة ليست في الأعداد والأرقام, وانما في النوعية أيضا حيث يبلغ عدد الحاصلين علي الماجستير والدكتوراه في الحزب6700 يمثلون بثقل كبير في لجنة السياسات التي يجتمع فيها نخبة متميزة من الخبراء والباحثين الذين نجحوا في وضع دراسات وبحوث وسياسات تخص الكثير من أمور المجتمع والدولة مثل التعليم والصحة والتأمين والبيئة والمرأة والطفل والعشوائيات والطاقة, وهذه قد تكون مجرد رؤي, وأحيانا أفكار, وفي حالات دراسات تفصيلية أو سياسات, وفي النهاية فإنها تتحول في مرحلة من المراحل إلي قوانين ومشروعات للتطبيق في حالة توافر التمويل والموارد والتوافق الوطني حولها. وثالثتها: أن الحزب الوطني الديمقراطي لديه موقف واضح وصريح من قضية السلام والعمل من أجله سواء مع إسرائيل أو مع الولاياتالمتحدة أو مع الغرب أو مع العالم, وفي دولة يبلغ عدد سكانها80 مليون نسمة ولديها تراث طويل وعميق من التخلف عن العالم المعاصر فإنها لاتستطيع ان تتقدم أو تتغير أو تتحسن احوال شعبها أوتحقق مكانتها بين الأمم مالم تكن تعيش في سلام, وما لم تكن تقيم في أقليم يتمتع بالاستقرار, وفي منطقة مثل الشرق الأوسط تعج بكل أنواع الاصولية والتعصب والغلو والتشدد وبذور الحروب الأقليمية والأهلية والطائفية والمذهبية فإن العمل من أجل السلام يعد من أهم الفضائل الوطنية والقومية. ومنذ اتخذت مصر طريق السلام, وكان ذلك مرافقا لانشاء الحزب الوطني, وأراضيها محررة تحريرا تاما لأول مرة منذ مايقرب من الألفين وخمسمائة عام منذ الغزو الفارسي قبل الميلاد.. ومنذ تحرير سيناء لم تخض مصر إلا حربا عادلة واحدة لتحرير الكويت كانت منتصرة ومحققة لأهدافها حيث تم التحرير وجلاء القوات الأجنبية ولم تمس العراق في نفس الوقت.. وبرغم كل الانتقادات الموجهة لعملية التنمية المصرية وما تحقق فيها خلال العقود الأخيرة, والتي شاركت في انتقادها في مناسبات شتي, إلا أن ما تحقق في مصر مهما يكن الخلاف حوله لم يكن ممكنا تحقيقه لو أن مصر فعلت ما فعلته سوريا ولم تحقق سلامها, لأنه في هذه الحالة كان عليها أن تخوض عدة حروب لكي تستعيد أرضها بكل ما يعنيه ذلك من أثمان وأثقال. ورابعتها: أن الحزب وبعد مخاض طويل, بل ومعاناة حقيقية داخله, بدأ يقتنع بأنه لاسبيل لخلاص مصر والمصريين من الفقر والفاقة والمشكلات الدورية والأزمات المتعاقبة إلا بالتنمية القائمة علي الاستثمارات المستمرة في البشر وفي الأرض وفي الموارد المصرية المختلفة, وحتي بالنسبة للمعتقدين في دور مصر الإقليمي أصبح واضحا لهم أن الدول الفقيرة لاتكتسب في العصر الحالي دورها الاقليمي من مهارتها الدبلوماسية فقط, أو من تاريخها وموقعها الجغرافي المركزي وحده, وإنما من حجم اقتصادها, واتساع مواردها, ورحابة قدراتها علي المنح والعطاء, ولذلك فإن موجة التجديد في الحزب الوطني خلال السنوات القليلة الماضية لم تشمل فقط الشباب الذين دخلوا بإعداد متزايدة, وإنما ايضا جماعة من رجال الاستثمار المساهمين في زيادة الثروة القومية لمصر, ولأول مرة منذ وقت طويل فإنه لم تعد مهمة الحزب المصري الحاكم وحكومته إدارة الفقر في المجتمع والحفاظ علي الفقراء في مصر من أن تتدهور احوالهم عما هي عليه من خلال سياسات الدعم ومثيلاتها من سياسات, وإنما بالإضافة إليها اضيفت عملية إيجاد الثروة من خلال استثمارات مصرية واجنبية متزايدة, وسياسات عامة تدعم الاستثمار ولاتحاربه. وبرغم أن هذه العلاقة بين الحزب والاستثمار كانت سببا في الهجوم علي الحزب باعتبار ما سبق تجسيدا للعلاقة بين السلطة ورأس المال أو زواج السلطة والمال كما جري العرف في الصحف المعارضة المصرية, فإن الواقع والتاريخ يشيران إلي أن السلطة ظلت علي استقلالها في كل الأحوال, ورغم التقدير والتحفيز لرجال الاستثمار علي توسع استثماراتهم فقد كان سيف القانون مصلتا وبحسم علي كل من انحرف, وكانت النتيجة باهرة سواء فيما تعلق بمستويات النمو أو الحفاظ علي العملة والاحتياطيات الوطنية أو دخول اعداد متزايدة من الفقراء إلي دائرة الطبقة الوسطي وإنماطها التعليمية والاستهلاكية والصحية. ليس معني ذلك كله أن الحزب الوطني الديمقراطي قد صنع المعجزات في مصر, بل اظن أنه كان بمستطاعه أن يفعل ما هو أكثر سواء في مجال الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي, وأظن أكثر أنه مازال مكبلا بتقاليد ثقيلة ومواريث أثقل, ولايزال أمام مصر الكثير الذي ينبغي عليها تحقيقه, ولكن مع ذلك فإن الحزب لديه قدرات أكثر من باقي الاحزاب المصرية الأخري, التي إذا أفلح واحد منها علي جانب الليبرالية فإنه يفشل في الحفاظ علي وحدته وسلامة أفكاره, واذا افلح واحد منها في مجال العدل الاجتماعي فانه يبقي سوفيتيا متخلفا في مجال التنمية الاقتصادية, وإذا تمكن واحد منها في مساس أوتار ثقافية ودينية لدي الشعب فإنه يسعي لأخذ البلاد كلها إلي حيث الظلام الدامس!! عن صحيفة الاهرام المصرية 27/10/2008