دوي الانفجارات يهز الجنوب.. غارات إسرائيلية جديدة على لبنان    صفارات إنذار شمال دولة الاحتلال بعد رصد اختراق مسيرة    تطورات مقلقة في الحالة الصحية ل عبد الرحمن أبو زهرة... والأسرة تكشف الحقيقة الكاملة وتضع حدًا للجدل    عصام عمر: أبحث عن التأثير وليس مجرد الظهور    اتفاق الزوجين على الطلاق الرسمي ثم المراجعة الشفوية «حرام»    هل يجوز أن تكون شبكة الخطوبة فضة؟    سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة تستهدف بلدات في الجنوب اللبناني    انتداب المعمل الجنائي لمعاينة حريق المنيب لمعرفة الأسباب وحصر الخسائر    د. محمد كامل مكتشف «السلحفاة المصرية العملاقة»: مصر كانت «جنة استوائية» قبل 70 مليون سنة!    لغز العثور على جثة سيدة مشنوقة داخل منزلها بعد أيام من ولادتها    هشام ماجد: الضحك رسالتي| حوار    في ذكرى ميلاده.. الأبنودي يهدي كلماته لشهداء فلسطين ويرثي ناجي العلي    سقوط لصوص الهواتف المحمولة في قبضة الداخلية    تأييد توقيع عقوبة الإعدام.. لقاتل المصريين بقطر    اقتصادي: استمرار التصعيد في لبنان يُهدد بغلق مضيق هرمز واشتعال أسعار الشحن    مجموعة السلطان قلاوون.. جوهرة العمارة المملوكية في قلب شارع المعز    محمد صلاح يكتب: الإعلام والمسئولية «2»    بالأسماء، مصرع وإصابة 11 شخصا في حادث انقلاب سيارة بالقليوبية    إجراءات الشهادة أمام النيابة وفق قانون الإجراءات الجنائية    الأوقاف: صرف أكثر من 16 مليون جنيه في أنشطة "البر" خلال 3 أشهر    صحيفة: الوفد الأمريكي سيطلب إطلاق سراح أمريكيين محتجزين في إيران    بمشاركة وزير الشباب والرياضة.. ختام مميز للنسخة 14 من بطولة الجونة للإسكواش    محمد إسماعيل: الزمالك قدم مباراة كبيرة أمام بلوزداد وكنا أفضل في الشوط الأول    نائب رئيس الزمالك يهنئ اللاعبين والجهاز الفني بالفوز على بلوزداد    حسين عبد اللطيف يعلن قائمة منتخب الناشئين    تامر شلتوت: والدي قاطعني عامين.. لم يحدثني بسبب قراري بترك كلية الطب    تأكيدًا ل«البوابة نيوز».. سفير الكويت: ودائعنا في مصر تتجدد تلقائيًا    صندوق النقد والبنك الدولي يعقدان اجتماعاتهما السنوية لعام 2029 في أبوظبي    مصادر دبلوماسية رفيعة ل الشروق: لا صحة مطلقا لعدم تجديد الوديعة الكويتية بالبنك المركزي    ثنائي الزمالك يخضع لكشف المنشطات عقب الفوز على بلوزداد    مطار القاهرة يطبق إلغاء العمل ب«كارت الجوازات الورقي» للركاب المصريين    عرض "متولي وشفيقة" يواصل لياليه على مسرح الطليعة (صور)    محافظ جنوب سيناء يلتقي مشايخ وبدو طور سيناء بقرية وادي الطور    خبير: التوقيت الصيفي يعود بقوة.. ساعة واحدة توفر الطاقة وتدعم الاقتصاد    رئيس البرلمان الإيراني: لدينا حسن نية لكن لا نثق في الجانب الأمريكي    وسائل إعلام إسرائيلية: الدفاعات الجوية اعترضت صواريخ أطلقت من لبنان    مدرب بلوزداد: قدمنا مباراة كبيرة ضد الزمالك.. والتأهل لم يُحسم    رئيس شعبة الاتصالات: مد غلق المحال حتى 11 مساءً يعزز النشاط الاقتصادي    لا فقاعة في سوق العقارات.. المطور العقاري محمد ثروت: المرحلة الحالية في مصر تشهد تطورا ملحوظا    النائب محمد بلتاجي يوضح تفاصيل مقترح "التبرع بمليون جنيه لسداد الديون": الدولة ليست المسئول الوحيد عن حل هذا الأمر    البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق يترأس صلوات بصخة الصلبوت بالفجالة في الجمعة العظيمة    الزمالك يعلن إصابة بيزيرا بإجهاد في العضلة الخلفية    محمد الحلو: تزوجت 5 مرات وجمعت بين 3 زوجات في وقت واحد    محافظة الإسكندرية تحذر من النزول إلى الشواطئ غير المجهزة حفاظا على سلامة المواطنين    معتمد جمال: الفوز خطوة مهمة أمام شباب بلوزداد.. ومباراة العودة لن تكون سهلة    "صحة الشيوخ" تناقش مقترح تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية    إسعاف الفيوم يتتبع بلاغًا غامضًا وينقذ مسنّة في اللحظات الأخيرة    تجارة عين شمس: إنتهاء إطلاق اللوائح الجديدة للكلية قريبا    محافظ أسوان يتفقد محيط الكنائس لتحقيق الجاهزية الكاملة بها لإستقبال إحتفال الأخوة الأقباط    حارس يشعل النيران لإخفاء جريمته.. كشف لغز حريق استراحة الأزهر في أخميم بسوهاج    قبل ما تاكل فسيخ في شم النسيم، إزاي تحمي نفسك من التسمم الغذائي    قافلة دعوية موسعة للأوقاف تجوب أحياء حلوان لنشر الفكر الوسطي    صحة القليوبية تطلق قافلة طبية مجانية بالقناطر الخيرية    رئيس الوفد يهنئ قداسة البابا تواضروس الثاني والمسيحيين بعيد القيامة المجيد    نائب وزير الصحة يتفقد المنشآت الطبية بالبحيرة ويوصي بصرف مكافآت للمتميزين    العبودية بين المراسم والجوهر    الصدق مع الله.. اللحظة التي تغير حياتك من الضياع إلى النور    أستاذ بجامعة الأزهر: لا يوجد حديث نبوي يتعارض مع آية قرآنية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحقيق التراث‮.. ‬الفريضة الغائبة 4 - 4
محمد صالح فرحات‮:‬ ‮»‬سلسلة الذخائر‮« ‬جذبتني لعملية التحقيق ومعرفة مدارسه المختلفة
نشر في أخبار الحوادث يوم 23 - 07 - 2016

قدمنا علي مدي الأسابيع الماضية،‮ ‬سلسلة من التحقيقات والحوارات عما أطلقنا عليه‮ "‬انهيار مدرسة التحقيق‮"‬،‮ ‬إذ رصدنا أسباب هذا الانهيار وكيفية معالجته،‮ ‬وتعرضنا لعمل بعض الجهات المهتمة بالتحقيق والعقبات التي تواجه نشر التراث المحقق،‮ ‬ونقدم في هذه الحلقة وجهاً‮ ‬له اسهاماته الهامة في هذا المجال،‮ ‬وهو الباحث محمد صالح فرحات لنتعرف منه علي رؤيته وأهم السلبيات التي‮ ‬يرصدها في هذا المجال‮.‬
الباحث محمد صالح فرحات المحقق والباحث في التراث،‮ ‬حاصل علي ليسانس اللغة العربية من كلية التربية،‮ ‬جامعة المنصورة،‮ ‬وليسانس في اللغة العربية وأدابها،‮ ‬كلية الآداب،‮ ‬جامعة طنطا،‮ ‬هو أحد المحققين من لهم إنجاز واضح في هذا المجال،‮ ‬ويعد امتدادا لجيل المحققين الكبار،‮ ‬وقد قدم للمكتبة كتاب‮ (‬مفهوم التحقيق‮.. ‬الغاية والأداة‮)‬،‮ ‬وبحث عن‮ (‬الحقائق الغائبة حول كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة ت‮ ‬276ه‮) ‬وإصلاح طبعة الشيخ أحمد شاكر،‮ ‬المنشور في مجلة تراثيات بالهيئة القومية لدار الكتب والوثائق القومية،‮ ‬وبحث آخر عن‮ (‬النسخ‮ ‬غير الأصيلة‮) ‬وخطورة الاعتماد عليها‮ (‬منشور في مجلة معهد المخطوطات‮).‬
وهذا لايتوقف علي كم الأعمال التي أنجزها،‮ ‬إنما‮ ‬يتوقف علي مدي الجدية،‮ ‬وتصور حدود عمل وواجب المحقق في التعامل مع النص القديم،‮ ‬الذي‮ ‬يتصدي لإخراجه،‮ ‬أو لبعثه مرة أخري إلي الوجود في زمن‮ ‬غير زمنه،‮ ‬وإطار ثقافي‮ ‬يختلف عن الإطار الذي نبت فيه،‮ ‬وهو ما‮ ‬يصعب من عمل المحقق،‮ ‬ويعظم من المسئولية الملقاة علي عاتقه،‮ ‬محمد صالح واحد ممن‮ ‬يمثلون هذا النموذج المرتجي أو المأمول‮.‬
وعن التحقيق‮ ‬يقول‮: ‬إنه مهنة انعزالية،‮ ‬لذا نري المحقق شخصا‮ ‬غير اجتماعي،‮ ‬أغلب وقته في مكتبته منعزلا عن الناس،‮ ‬في محاولة منه لاستعادة السياق التاريخي الذي صدر فيه النص الذي بين‮ ‬يديه،‮ ‬وهو في النهاية عمل فيه إثارة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن عملا مملا بالنسبة للقائم به‮.‬
وعن بداية علاقته بالتحقيق‮ ‬يقول‮:‬
مع اصدار سلسلة الذخائر،‮ ‬تحديدا في الفترة التي تولي فيها الدكتور محمود فهمي حجازي،‮ ‬رئاسة التحرير،‮ ‬وكان د‮. ‬عبدالحليم راضي نائبا لرئيس التحرير،‮ ‬مع كل عدد من السلسلة نجد مقدمات لعدد من الاساتذة الكبار،‮ ‬الذين لم نجلس إليهم،‮ ‬وكانت متابعتي تلك في السنوات الأخيرة من دراستي،‮ ‬ومع هذه المطلعات بدأ التغيير في اهتماماتي،‮ ‬وغلبت عليَّ‮ ‬الرغبة في التعرف علي عملية التحقيق ومدارسه وأساتذته،‮ ‬وكانت رحلة البحث في عالم محمود شاكر وكان ذلك عام‮ ‬1997،‮ ‬مع صدور مجموعة مقالات في مجلة العربي عن الشيخ محمد شاكر،‮ ‬وهو صاحب مجموعة المقالات التي كان لها تأثير مزدوج من ناحية،‮ ‬جذبتني للتحقيق،‮ ‬وجذبتني‮ -‬أيضا‮- ‬ناحية شخص محمود شاكر،‮ ‬فضلا عن أنه مع صدور طبعة‮ (‬طبقات فحول الشعراء‮) ‬بمقدمة للدكتور عبدالحكيم راضي،‮ ‬أدخلني د‮. ‬راضي لعالم محمود شاكر وتحقيقاته،‮ ‬وبعد ذلك بدأت مرحلة التعرف علي جهابذة التحقيق أمثال عبدالسلام هارون‮.‬
وأضاف‮: ‬إن تحقيق كتاب فحول الشعراء كان فتحا في طريقة نشر التراث العربي،‮ ‬رغم أن الدنيا قامت وهاجت علي محققه وانتقدوه،‮ ‬وأثبتت الأيام صحة أغلب اجتهاداته،‮ ‬وشهد له العالم كله بالتقدم،‮ ‬وجاء تحقيق شاكر بعد مرحلة تحقيق سابقة،‮ ‬قام بها المستشرق‮ ‬يوسف رهل‮.‬
تحقيق النصوص صناعة
متي كانت البداية في تحقيق النصوص؟
‮ ‬أول نص شهد بدايتي في التحقيق،‮ ‬كان نص‮ (‬الجمان في تشبيهات القرآن‮)‬،‮ ‬لابن ناقيا البغدادي‮ (‬من العراق‮). ‬فقد وجدت النص في طبعة،‮ ‬كان تحقيقها رديئا،‮ ‬هنا وكأنني وجدت ضالتي،‮ ‬بدأت أمارس عليه التخريج والتحقيق،‮ ‬وبالفعل وقفت علي مصادر‮ (‬ابن ناقيا‮) ‬نفسه في التأليف،‮ ‬لكنني تركته حينما وقفت علي تحقيق آخر للدكتور‮ (‬الداية‮) ‬وهو سوري الجنسية،‮ ‬لوقوفه علي مخطوطة ربما لم أستطع العثور عليها،‮ ‬بعد ذلك اتجهت إلي تحقيق آخر لكتاب فحول الشعراء عن الأصمعي،‮ ‬وكان ذلك عام‮ ‬2004،‮ ‬مع هذا الكتاب نشأت وتدرجت معرفتي بصناعة التحقيق،‮ ‬ونمت مكتبتي بكتب التراث،‮ ‬كما نمت معرفتي بالتحقيق،‮ ‬ووقوفا علي أشياء كثيرة لم‮ ‬يفتح الله بها علي أحد قبلي،‮ ‬هذا الكتاب لم‮ ‬ينشر حتي الآن،‮ ‬رغم انتهائي منه منذ سنوات،‮ ‬بل نشرت بعض ثمراته،‮ ‬ومنها مقالة‮ (‬النسخ‮ ‬غير الأصلية وخطورة الاعتماد عليها‮) ‬وكان ذلك في مجلة معهد المخطوطات العربية،‮ ‬والكتاب في حد ذاته صغير الحجم،‮ ‬منشور قبل ذلك عدة مرات،‮ ‬أي تم تحقيقه أكثر من مرة،‮ ‬لكن الأمر لايخلو من المجاهدة في لذة الاستكشاف التي تغير معرفتنا عن القدماء بالدليل المادي،‮ ‬لأن المخطوطات في حد ذاتها أثر مادي‮.‬
كما قمت بتحقيق كتاب الحث علي طلب العلم لأبي هلال العسكري،‮ ‬ومعه نشرت‮ (‬الحث علي حفظ العلم‮) ‬لابن الجوزي،‮ ‬وقد تم نشرها عن دار الفاروق بالمنصورة‮.‬
و قيد النشر لدي مقالات‮- ‬لم تنشر حتي الآن‮ - ‬منها مقالة بعنوان‮ (‬الميمني كما رأيته‮)‬،‮ ‬وأخري بعنوان‮ (‬الجمع عن صاحب النص،‮ ‬المصطلح والمفهوم الغائب‮)‬،‮ ‬كما قدمت بحثا عن كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة،‮ ‬تم نشره في مجلة تراثيات الصادرة عن دار الكتب المصرية عدد‮ ‬يوليو‮ ‬2015،‮ ‬ويرأس تحريرها الدكتور عبدالستار الحلوجي‮.‬
أحد مؤلفاتك في عالم التحقيق هو كتاب‮ (‬مفهوم التحقيق الغاية والأداة‮) ‬لماذا فكرت في ‮ ‬تأليف هذا الكتاب،‮ ‬رغم أنك تعتبر من الجيل الحديث في عالم التحقيق؟
لقد لاحظت‮ -‬منذ أمد‮- ‬اختلال مفهوم التحقيق في أذهان المحققين،‮ ‬حيث صار التحقيق رسوما وإجراءات لاروح فيها وكان في تجارب المحققين الأفذاذ ما‮ ‬يستحق أن‮ ‬يسلط عليه الضوء ويجب معرفته،‮ ‬فأخذت في جمع المعارف والقواعد التي تستحق المعرفة،‮ ‬فقمت علي ترتيبها وجعلتها متاحة في هذا الكتاب،‮ ‬مع تقديم مثال أو أكثر لكل قاعدة لتحقيق كمال الفهم‮.‬
الكتب عن‮ ‬فن التحقيق كثيرة،‮ ‬فبم‮ ‬يتميز كتابك،‮ ‬وما هو الجديد الذي‮ ‬يقدمه؟
أظن أن الجديد في كتابي هو تقديمي للأمثلة العملية التي توضح كل قاعدة،‮ ‬لأنني وجدت منذ دخولي هذا المجال أن المحققين‮ ‬يطبقون القواعد بشكل آلي،‮ ‬وجامد‮. ‬الكتاب‮ ‬يقع في‮ ‬350‮ ‬صفحة من القطع المتوسط،‮ ‬يتناول قضايا عدة خاصة بالمحقق،‮ ‬أخلاقه وعلومه ومعارفه،‮ ‬وقضايا خاصة بالنص المحقق من حيث الأصول‮: ‬تعريفها وأنواعها،‮ ‬وكيفية جمعها،‮ ‬ودراسة هذه الأصول وتحديد مراتبها،‮ ‬ومراتب النسخ وأنواعها ومعايير تفاضلها،‮ ‬ودور المحقق مع النص،‮ ‬وتطبيق التحقيق عمليا،‮ ‬والتخريج ومعالجة التصحيف،‮ ‬والتحريف والإسقاط والزيادة،‮ ‬فضلا‮ ‬عن ترجمة صاحب النص،‮ ‬وتحقيق نسبة النص لصاحبه،‮ ‬وثمة قضايا أخري تتعلق بمعايير الترجيح بين صورة العبارات داخل النص،‮ ‬وفقد الطبعات السابقة للنص وبيان حقيقتها سلبا وإيجابا والإخراج،‮ ‬وصناعة الفهارس،‮ ‬وكيفية مواجهة العقبات التي تقف في وجه التحقيق العلمي،‮ ‬وأخيرا نواتج عملية التحقيق وأثرها في البحث العلمي‮.‬
لك وجهة نظر في أخلاق المحقق،‮ ‬فكيف تراها؟
‮ ‬الأمانة،‮ ‬وهي أيضا أعلاها،‮ ‬وأكثرها،‮ ‬نظرا‮ ‬لأن المحقق سيؤدي إلينا ما انتهي إليه من نصوص مثبتة في الأصول التي بين‮ ‬يديه،‮ ‬وإخفاؤه ما‮ ‬يجده عن عمد أو جهل أو إهمال حريّ‮ ‬أن‮ ‬يضل كل من‮ ‬يعتمد عليها،‮ ‬ويلقي به في مهاوٍ‮ ‬من الضلال البعيد،‮ ‬وثمة صفة أخري‮ ‬يجب أن‮ ‬يتحلي بها المحقق وهي الصبر،‮ ‬فمع العمر تتجلي ظلمات الجهل،‮ ‬وتؤمن عثرات التسرع،‮ ‬الصفة الثالثة الهامة،‮ ‬لأن المحقق رجل صاحب رسالة آمن بها،‮ ‬وعزم علي توصيلها إلي أهلها،‮ ‬فقد عرف ما لا‮ ‬يعرفه‮ ‬غيره،‮ ‬ووجب عليه أداؤه لطلابه،‮ ‬ومن ثم فإنه‮ ‬يبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك‮.‬
ويري الباحث محمد صالح فرحات أن سمة التعاون من الأمور‮ ‬الضرورية في أخلاق المحقق،‮ ‬وأن خلق التعاون‮ ‬يجب أن‮ ‬يعمل به كل المنتسبين لهذه الصناعة،‮ ‬فالغاية العظمي هي الوصول إلي الصواب،‮ ‬والعلم قد تفرق بين أهله،‮ ‬ولا سبيل لجمع شتاته إلا بالتعاون والتشاور،‮ ‬وأجود ما بأيدينا من نصوص محققة نجدها جهد جماعة لا فرد مهما بلغ‮ ‬عمله وفضله،‮ ‬كما أن هناك أخلاقا أخري تضاف إلي ما ذكرته آنفا،‮ ‬كالإيثار،‮ ‬والانصاف في النقد،‮ ‬وتقبل النقد،‮ ‬وعدم حجب العلم لأي سبب كان‮.‬
برأيك ما العلوم والمعارف التي‮ ‬يجب أن‮ ‬يلم بها المحقق؟
ذلك أمر لو استطعت أن أحشد له علوم الإنسانية جمعاء لفعلت،‮ ‬ولكن هذا مستحيل،‮ ‬فبقدر معرفة المحقق وموسوعيته،‮ ‬سيأتي بأعمال عظام تنفع،‮ ‬واذا أردنا المقاربة،‮ ‬فعلوم اللغة العربية نحوا وصرفا وإملاءً،‮ ‬وعروضا،‮ ‬والاتصال باللغة عن طريق القرآن والحديث والشعر ضرورة لازمة وأري أنه من أمس العلوم لهذا الفن‮ (‬فن التحقيق‮) ‬في علوم الحديث وأصوله من الرواية وطرق التلقي والأداء والضبط،‮ ‬حيث أن التراث العربي قائم عليها،‮ ‬وأضف إلي ذلك أيضا،‮ ‬العلم بالكتب وطبعاتها وتمييز الأصيل‮ ‬منها عن‮ ‬غيره،‮ ‬والإكثار من القراءة في التجارب العالية التي خاضها رواد صناعة التحقيق لاكتساب الخبرات والتعلم‮.‬
كيف‮ ‬يختار المحقق النص الذي‮ ‬ينوي تحقيقه؟‮!‬
يتحدد ذلك عبر الإجابة عن ثلاثة أسئلة هي‮: ‬هل لذلك النص أهمية،‮ ‬وهل أصوله متوافرة،‮ ‬وأخيرا هل للباحث مقدرة علمية ومعرفية لتحقيق مثل هذا النص‮.‬
ما الخطوة الأولي في تحقيق النصوص؟
لايوجد عمل‮ ‬ينافس جمع الأصول بأنواعها المختلفة في الابتداء والصدارة من سائر عمليات التحقيق،‮ ‬ولا عمل بعد الجمع‮ ‬يساوي دراسة الأصول،‮ ‬وتحديد مراتبها ومكانتها،‮ ‬أهمية،‮ ‬فجمع الأصول ودراستها وتحديد منازلها أساس لما سيخرجه الباحث من نص محقق صحيح‮.‬
وماذا بعد؟
بعد فراغ‮ ‬المحقق من دراسة أصوله بعناية بالغة،‮ ‬ومعرفته طبيعة كل أصل منها،‮ ‬أمامه دوران لا ثالث لهما،‮ ‬حكمت عليه نتائج دراسته للأصول بأحدهما،‮ ‬الأول‮: ‬أدائي تقييمي،‮ ‬والثاني‮: ‬بنائي تقويمي،‮ ‬فالأول‮ ‬يكون في حالة وصوله لنسخة المؤلف الأخيرة،‮ ‬كما هي بلا زيادة أو نقص،‮ ‬وكذلك نسخ العلماء المتقنة،‮ ‬ونسخ مشاهير الوراقين،‮ ‬ودور المحقق هنا‮ ‬ينحصر في الأداء الصادق الحريص علي كل ما في تلكم النسخة من مادة علمية وتفاصيل وإشارات وكافة ما‮ ‬يمكن وصفه وملاحظته،‮ ‬وذلك لأنها تحمل سمات صاحب النص أو كاتبه،‮ ‬وطبيعة وزمن عصره،‮ ‬والجهد الأعظم للمحقق هنا‮ ‬يكون خارج النص في المقدمة والحواشي والفهارس،‮ ‬فمثل المحقق في هذه الحالة كرجل واعٍ‮ ‬حصيف‮ ‬غيّر‮ ‬علي صورة نفيسة من عصر ذاهب،‮ ‬فهو‮ ‬يقف علي كل موضع منها متأملا مستخرجا منها الدلالات والعلامات علي ذلك العصر السحيق،‮ ‬ولو تدخل في الصورة بالقص أو الزيادة لأفسدها وأضاع قيمتها،‮ ‬ومن أمثلة ذلك كتاب‮ "‬حذف من نسب قرين‮»‬ ‬رحم الله محققه الواعي الحصيف الدكتور صلاح الدين المنجد‮.‬
أما الثاني فيكون في حالة لم تصلنا مثل هذه النسخ النفيسة،‮ ‬بل وصلتنا نسخ متنوعة للنص دون ذلك،‮ ‬فيكون دور المحقق هنا إعادة بناء النص كما كان،‮ ‬فيعود إلي كل الأصول وينتقي ويختار أجود العبارات،‮ ‬وأصح المتون،‮ ‬ليعيد النص إلي الحياة كما كان أقرب ما كان،‮ ‬وهنا الدور الأعظم للمحقق داخل النص،‮ ‬اختيارا أو ترجيحا للصواب،‮ ‬وحذفا وإبعاداً‮ ‬للزيادات والحواشي،‮ ‬وتتجلي براعته هنا في الاختيار النقدي الصحيح المعلل ومثل المحقق في هذه الحال كرجل عثر علي عدة نسخ بالية،‮ ‬ممزقة لمشهد واحد قديم،‮ ‬فأخذ‮ ‬يختار من كل صورة جزءا ناجيا من التلف والتشويه،‮ ‬ليخرج لنا منها جميعها أفضل ما‮ ‬يمكن رؤيته من تلكم الصورة الضعيفة،‮ ‬ومن أمثلة ذلك كتاب‮ (‬طبقات فحول الشعراء‮) ‬تحقيق الجليل محمود شاكر‮.‬
كيف ظهر التحقيق العلمي الحديث؟
لم تكن صدمة العقل العربي بالغرب بعيدة عن طريقة نشر التراث العربي،‮ ‬فحين وصلت المطبوعات الأوروبية للنصوص العربية،‮ ‬فوجيء الناس بطرائق في التصحيح،‮ ‬وإثبات النصوص،‮ ‬والتقديم والفهرسة لم‮ ‬يعهدوها من المطابع العربية،‮ ‬فقد سخر المستشرقون الأساليب العلمية التي اكتسبوها من تحقيق ونشر التراث اللاتيني في إخراج النصوص العربية معتمدين علي نوادر المخطوطات التي تسربت من بين أيدي العرب بصور شتي،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلي‮ ‬الأمر الذي نبه العلماء إلي ضرورة تغيير طريقتهم في نشر الكتب،‮ ‬وسرعان ما قبلوا التحدي،‮ ‬والتفتوا إلي تراثهم العظيم ليجدوا سلفهم قد مارس كثيراً‮ ‬من تلك الطرائق،‮ ‬كالمعارضة،‮ ‬وبناء الكتب علي هيئة الفهارس وغيرها،‮ ‬ثم إخراج المحققين العرب نفائس تراثهم بشكل علمي دقيق،‮ ‬فاق نشرات المستشرقين بما‮ ‬يمتازون به من اتصال وثيق باللغة العربية،‮ ‬وآدابها،‮ ‬ومعرفتهم بتقاليد أجدادهم في التصنيف‮ (‬التأليف‮) ‬ويمثل تلك المرحلة أعلام،‮ ‬معروفون مشهود لهم بالعلم والفضل والريادة أمثال‮: ‬العلامة الهندي عبدالعزيز الميني،‮ ‬والشيخ أحمد شاكر،‮ ‬وأخيه العلامة محمود شاكر،‮ ‬الأستاذ عبدالسلام هارون،‮ ‬الأستاذ أحمد صقر‮.‬
‮ ‬ما أهمية التحقيق من وجهة نظرك؟
يخطئ من‮ ‬يظن أن هذه المعارف والمبادئ التي اصطلح الناس عليها لا‮ ‬يحتاجها إلا من‮ ‬يزمع نشر نص من النصوص التراثية،‮ ‬بل هي ثقافة لازمة للمتعاملين مع تراث الأمة،‮ ‬قراءة وتصنيفاً،‮ ‬ونشراً،‮ ‬والجهل بها مضرة بالغة،‮ ‬ومورد واسع للخطأ في الفهم والاستنتاج‮.‬
في رأيك ما أهم العقبات القائمة في وجه التحقيق العلمي؟
أولها المحقق نفسه،‮ ‬فكثير ممن نزل هذا الميدان لم‮ ‬يتأهل علمياً‮ ‬وثقافياً،‮ ‬ودراسياً‮ ‬قبل الخوض في‮ ‬غماره،‮ ‬نعم هم درسوا شيئاً‮ ‬من مناهج التحقيق،‮ ‬ورسومه،‮ ‬لكن محصولهم في مرحلة ما قبل المنهج،‮ ‬هزيل جداً‮ ‬جداً،‮ ‬وهناك عقبات كثيرة‮ ‬غير ذلك تتمثل في منع المخطوطات،‮ ‬ورفض تصويرها،‮ ‬وعدم فهرستها وغلق المراكز العلمية لتحقيق التراث،‮ ‬مثل القسم الأدبي بدار الكتب الذي تم إغلاقه في الأربعينيات،‮ ‬ومحاربة تدريس تحقيق التراث في الجامعات،‮ ‬أو تدريسه بشكل نظري هزيل،‮ ‬وتدهور رجال المجلات العلمية،‮ ‬وغلبة السطحية والتكرار والسرقة،‮ ‬والسطو علي جهود العاملين مع وجود العقاب المادي والمعنوي،‮ ‬واستغلال متن التحقيق واتخاذه مطية لنيل الشهادات والدرجات،‮ ‬وغلاء كتب التراث وفتور الهمم بين المن والضن‮.‬
والسؤال هنا‮: ‬ما الذي‮ ‬يساعد علي النهوض بالتحقيق العلمي؟
نشر النماذج الجليلة من التحقيقات،‮ ‬وإتاحتها للشباب بأسعار مناسبة،‮ ‬فهي أفضل مدرسة‮ ‬يتتلمذون عليها وينهلون منا،‮ ‬ولنا في تجربة سلسلة الذخائر،‮ ‬التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة أسوة حسنة،‮ ‬فقد قدمت لنا‮- ‬خاصة في فترة رئاسة الدكتور عبدالحكيم راضي،‮ ‬لتحريرها أجل المطبوعات التي أخرجتها لجنة التأليف والترجمة والنشر والمؤسسات الثقافية المصرية،‮ ‬ودائرة المعارف العثمانية بالهند،‮ ‬ونشرات المستشرقين الجيدة بأسعار زهيدة،‮ ‬بعد أن سطت عليها دور النشر التجارية‮.‬
وطالب الباحث محمد صالح فرحات في هذا الشأن،‮ ‬الهيئة العامة للكتاب ‮ ‬خاصة في إصدار مكتبة الأسرة‮- ‬بأن تنحو هذا النحو وتنتقي أفضل التحقيقات وأمثل النشرات،‮ ‬حيث‮ ‬يوجد الكثير النافع الذي لا‮ ‬يحتاج من جهد سوي التصوير،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن وجود مشكلة بالغة،‮ ‬خاصة بأبناء الأقاليم،‮ ‬تتمثل في عدم وجود المجلات التراثية النافعة لهم،‮ ‬مثل مجلة معهد المخطوطات العربية ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة،‮ ‬وأنا متأكد أن أخبار اليوم تستطيع المساهمة في حل تلك المشكلة بيسر‮.‬
هذا وقد طبعت مكتبة الأسرة،‮ ‬مجلات ثقافية عديدة منها‮: ‬مجلة أبوللو،‮ ‬والكاتب،‮ ‬والزهور،‮ ‬لكنها لم تطبع الرسالة لأحمد حسن الزيات،‮ ‬ونحن في أمس الحاجة إليها لما فيها من مقالات نافعة متصلة بالتراث ونشره،‮ ‬كما‮ ‬يوجد بالمجلس الأعلي للشئون الإسلامية،‮ ‬ودار الكتب المصرية،‮ ‬مطبوعات تراثية نافعة بأسعار زهيدة لا تصل إلي الأقاليم إلا نادراً‮.‬
وفي الختام طالب الباحث في التراث محمد صالح فرحات بتنظيم مسابقة خاصة بشباب المحققين لنشر أعمالهم،‮ ‬كما وجه الدعوة لإنقاذ تحقيقات التراث التي قام بها الشاعر حسن كامل الصيرفي،‮ ‬والتي لم تر من نفائس تراثنا العريق‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.