وزير الكهرباء: المواطنون شركاء في نجاح خطة الترشيد وحققنا وفرًا خلال أسبوع 18 ألف ميجاوات ساعة    "الزراعة" تكثف حملاتها للرقابة على أسواق الأسماك المملحة    رئيس القومي لحقوق الإنسان: قيم المحبة والتسامح في عيد القيامة تعزز التعايش وترسّخ المواطنة    بثينة أبو زيد: تطبيق الحد الأدنى للأجور إلزامي وغرامات تصل ل100 ألف جنيه على المخالفين    عضو شعبة المواد الغذائية: سوق الأسماك المملحة والبيض مؤمّن بالكامل    عقب توقف العدوان الصهيوأمريكي على إيران..أسعار الذهب تعانى من عدم استقرار في السوق المحلي    مياه الشرب تعزز قدرات شبكاتها بغرب الإسكندرية    رويترز: مسئول أمريكي ينفي موافقة واشنطن على الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة    الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية: إغلاق مضيق هرمز يشعل أسعار النفط والغذاء عالميا    هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تدخل حيّز التنفيذ    أرتيتا: يجب أن نتقبل الهزيمة.. إما أن ننهض ونقاتل أو نخرج من المنافسة    الأهلي يطالب رابطة الأندية ولجنة التظلمات بإلغاء العقوبات    الأهلي يراقب موهبة منتخب الجزائر تمهيدًا للتعاقد معه    اللامركزية في مواجهة البيروقراطية.. هل تستعيد المحليات دورها في صناعة القرار؟    مصرع زوجين في حادث تصادم بكفر الشيخ    ضبط المتهم بالتعدي بالسب على سائق أتوبيس نقل عام وركابه بالقاهرة    أول ظهور للفنان محي إسماعيل من دار رعاية كبار الفنانيين    عالم أزهري يحسم الجدل حول نقوط أفراح الجمعية: أكل مال الناس بالباطل    تقديم خدمات طبية ل 1422 مواطنًا خلال قافلة مجانية بكفر الشيخ    العظمى تصل إلى 33.. الأرصاد تحذر من موجة حارة تضرب البلاد اعتبارا من الثلاثاء    تاجيل محاكمة 37 متهما في قضية خلية الملثمين    تأجيل أولى جلسات محاكمة المتهم بقتل طفلة خلال الاحتفال بزفافه في أوسيم ل15 أبريل الجاري    العلوم المتكاملة "الأبرز"، طلب إحاطة بسبب صعوبة المناهج الدراسية والتوسع في التقييمات    بشرى وإدواردو جيوت وسولاي غربية بلجنة تحكيم الفيلم القصير بمهرجان أسوان لأفلام المرأة    خبير: محادثات إسلام آباد الأولى من نوعها منذ 40 عاماً ومصير المنطقة على المحك    وزير التعليم يهنئ بابا الإسكندرية والإخوة الأقباط بمناسبة عيد القيامة المجيد    سيميوني عن شكوى برشلونة: لا تزعجنا.. معتادون على ذلك    للحد من تأثيرات الرنجة والفسيخ، معهد التغذية يقدم بدائل صحية لأكلات شم النسيم    الننى أساسيا فى تشكيل مباراة الجزيرة ضد دبا الفجيرة بالدوري الإماراتى    سيتي كلوب تكشف رؤيتها لتعزيز الاستثمار وتأهيل الكوادر فى ملتقي السياحة الرياضية بأسوان    "حتحور للثقافة" و"المؤسسة الافريقية" يكرمان اسم المخرج الكبير علي عبد الخالق    بدء مشروعات ترميم وتطوير معابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت وستي الأول    وزير الاستثمار والتجارة الخارجية يبحث مع مسؤولي شركة "ألستوم" سبل توطين صناعة النقل    جامعة العريش ترسخ الوعي الوطني لدى أبنائها الطلاب    بعد 6 شهور زواج.. تأجيل محاكمة عروس المرج المتهمة بقتل زوجها    نجاح أول حالة سحب جلطة حادة بالمخ بمستشفى طيبة التخصصي جنوب الأقصر    محافظ الوادى الجديد تتابع نتائج تجربة إكثار أصناف القمح عالية الجودة    جامعة القاهرة تستضيف مصطفى الفقي في محاضرة حول "مصر في عالم مضطرب إقليميًا ودوليًا"    الصراعات الحديثة تعيد تعريف القوة.. كيف تتحدى أوكرانيا وإيران القوى العسكرية العظمى؟    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الجنوب أفريقي العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية    الخط الأصفر والبرتقالي في غزة.. حدود ميدانية جديدة وصعود الميليشيات المحلية    نتيجة التظلمات للمتقدمين لشغل 7576 وظيفة معلم مساعد قرآن كريم بالأزهر الشريف    الداخلية تُنظم ورشتي عمل لطلبة الجامعات والمؤسسات الأهلية لمواجهة مخططات إسقاط الدول    دهسه وفر هاربا.. عرض السائق المتسبب في وفاة طفل النزهة على الطب الشرعي    بعد إثارته للجدل، نقابة القراء تمنع التعامل مع هشام عنتر بسبب قرائته وأحكام التجويد    "البدوي": نرفض امتهان الكرامة العربية في الخطاب الأمريكي.. والعربي الحر يموت من أجل كرامته    إبراهيم نور الدين: لم يتم تكليفي برئاسة لجنة الحكام وربنا يولي من يصلح    سلوت يكشف ملامح خطة ليفربول لتعويض رحيل صلاح وروبرتسون    وزير «الخارجية» يبحث مستجدات الأوضاع وجهود خفض التصعيد في المنطقة    في 30 يومًا.. إقبال كبير على «100 مليون صحة» بسوهاج.. 150 ألف مستفيد    أهمها تشوش الذهن.. ماذا يحدث لجسمك عند النوم أكثر من اللازم؟    مكتبات مصر العامة تتجاوز نصف مليون زائر بالجيزة والمتنقلة تخدم قرابة مليون ونصف    الدوري الممتاز| الأهلي يواجه سموحة اليوم على استاد القاهرة    دعاء الفجر.. اللهم إنى وكلتك أمرى فأنت خير وكيل    رفاهية أوروبية.. مواعيد قطار تالجو ومحطات الوقوف اليوم السبت 11-4-2026    مواقيت الصلاه اليوم السبت 11ابريل 2026 بتوقيت محافظه المنيا    هل يجوز أن تكون شبكة الخطوبة فضة؟    اتفاق الزوجين على الطلاق الرسمي ثم المراجعة الشفوية «حرام»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تحقيق التراث‮.. ‬الفريضة الغائبة 4 - 4
محمد صالح فرحات‮:‬ ‮»‬سلسلة الذخائر‮« ‬جذبتني لعملية التحقيق ومعرفة مدارسه المختلفة
نشر في أخبار الحوادث يوم 23 - 07 - 2016

قدمنا علي مدي الأسابيع الماضية،‮ ‬سلسلة من التحقيقات والحوارات عما أطلقنا عليه‮ "‬انهيار مدرسة التحقيق‮"‬،‮ ‬إذ رصدنا أسباب هذا الانهيار وكيفية معالجته،‮ ‬وتعرضنا لعمل بعض الجهات المهتمة بالتحقيق والعقبات التي تواجه نشر التراث المحقق،‮ ‬ونقدم في هذه الحلقة وجهاً‮ ‬له اسهاماته الهامة في هذا المجال،‮ ‬وهو الباحث محمد صالح فرحات لنتعرف منه علي رؤيته وأهم السلبيات التي‮ ‬يرصدها في هذا المجال‮.‬
الباحث محمد صالح فرحات المحقق والباحث في التراث،‮ ‬حاصل علي ليسانس اللغة العربية من كلية التربية،‮ ‬جامعة المنصورة،‮ ‬وليسانس في اللغة العربية وأدابها،‮ ‬كلية الآداب،‮ ‬جامعة طنطا،‮ ‬هو أحد المحققين من لهم إنجاز واضح في هذا المجال،‮ ‬ويعد امتدادا لجيل المحققين الكبار،‮ ‬وقد قدم للمكتبة كتاب‮ (‬مفهوم التحقيق‮.. ‬الغاية والأداة‮)‬،‮ ‬وبحث عن‮ (‬الحقائق الغائبة حول كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة ت‮ ‬276ه‮) ‬وإصلاح طبعة الشيخ أحمد شاكر،‮ ‬المنشور في مجلة تراثيات بالهيئة القومية لدار الكتب والوثائق القومية،‮ ‬وبحث آخر عن‮ (‬النسخ‮ ‬غير الأصيلة‮) ‬وخطورة الاعتماد عليها‮ (‬منشور في مجلة معهد المخطوطات‮).‬
وهذا لايتوقف علي كم الأعمال التي أنجزها،‮ ‬إنما‮ ‬يتوقف علي مدي الجدية،‮ ‬وتصور حدود عمل وواجب المحقق في التعامل مع النص القديم،‮ ‬الذي‮ ‬يتصدي لإخراجه،‮ ‬أو لبعثه مرة أخري إلي الوجود في زمن‮ ‬غير زمنه،‮ ‬وإطار ثقافي‮ ‬يختلف عن الإطار الذي نبت فيه،‮ ‬وهو ما‮ ‬يصعب من عمل المحقق،‮ ‬ويعظم من المسئولية الملقاة علي عاتقه،‮ ‬محمد صالح واحد ممن‮ ‬يمثلون هذا النموذج المرتجي أو المأمول‮.‬
وعن التحقيق‮ ‬يقول‮: ‬إنه مهنة انعزالية،‮ ‬لذا نري المحقق شخصا‮ ‬غير اجتماعي،‮ ‬أغلب وقته في مكتبته منعزلا عن الناس،‮ ‬في محاولة منه لاستعادة السياق التاريخي الذي صدر فيه النص الذي بين‮ ‬يديه،‮ ‬وهو في النهاية عمل فيه إثارة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن عملا مملا بالنسبة للقائم به‮.‬
وعن بداية علاقته بالتحقيق‮ ‬يقول‮:‬
مع اصدار سلسلة الذخائر،‮ ‬تحديدا في الفترة التي تولي فيها الدكتور محمود فهمي حجازي،‮ ‬رئاسة التحرير،‮ ‬وكان د‮. ‬عبدالحليم راضي نائبا لرئيس التحرير،‮ ‬مع كل عدد من السلسلة نجد مقدمات لعدد من الاساتذة الكبار،‮ ‬الذين لم نجلس إليهم،‮ ‬وكانت متابعتي تلك في السنوات الأخيرة من دراستي،‮ ‬ومع هذه المطلعات بدأ التغيير في اهتماماتي،‮ ‬وغلبت عليَّ‮ ‬الرغبة في التعرف علي عملية التحقيق ومدارسه وأساتذته،‮ ‬وكانت رحلة البحث في عالم محمود شاكر وكان ذلك عام‮ ‬1997،‮ ‬مع صدور مجموعة مقالات في مجلة العربي عن الشيخ محمد شاكر،‮ ‬وهو صاحب مجموعة المقالات التي كان لها تأثير مزدوج من ناحية،‮ ‬جذبتني للتحقيق،‮ ‬وجذبتني‮ -‬أيضا‮- ‬ناحية شخص محمود شاكر،‮ ‬فضلا عن أنه مع صدور طبعة‮ (‬طبقات فحول الشعراء‮) ‬بمقدمة للدكتور عبدالحكيم راضي،‮ ‬أدخلني د‮. ‬راضي لعالم محمود شاكر وتحقيقاته،‮ ‬وبعد ذلك بدأت مرحلة التعرف علي جهابذة التحقيق أمثال عبدالسلام هارون‮.‬
وأضاف‮: ‬إن تحقيق كتاب فحول الشعراء كان فتحا في طريقة نشر التراث العربي،‮ ‬رغم أن الدنيا قامت وهاجت علي محققه وانتقدوه،‮ ‬وأثبتت الأيام صحة أغلب اجتهاداته،‮ ‬وشهد له العالم كله بالتقدم،‮ ‬وجاء تحقيق شاكر بعد مرحلة تحقيق سابقة،‮ ‬قام بها المستشرق‮ ‬يوسف رهل‮.‬
تحقيق النصوص صناعة
متي كانت البداية في تحقيق النصوص؟
‮ ‬أول نص شهد بدايتي في التحقيق،‮ ‬كان نص‮ (‬الجمان في تشبيهات القرآن‮)‬،‮ ‬لابن ناقيا البغدادي‮ (‬من العراق‮). ‬فقد وجدت النص في طبعة،‮ ‬كان تحقيقها رديئا،‮ ‬هنا وكأنني وجدت ضالتي،‮ ‬بدأت أمارس عليه التخريج والتحقيق،‮ ‬وبالفعل وقفت علي مصادر‮ (‬ابن ناقيا‮) ‬نفسه في التأليف،‮ ‬لكنني تركته حينما وقفت علي تحقيق آخر للدكتور‮ (‬الداية‮) ‬وهو سوري الجنسية،‮ ‬لوقوفه علي مخطوطة ربما لم أستطع العثور عليها،‮ ‬بعد ذلك اتجهت إلي تحقيق آخر لكتاب فحول الشعراء عن الأصمعي،‮ ‬وكان ذلك عام‮ ‬2004،‮ ‬مع هذا الكتاب نشأت وتدرجت معرفتي بصناعة التحقيق،‮ ‬ونمت مكتبتي بكتب التراث،‮ ‬كما نمت معرفتي بالتحقيق،‮ ‬ووقوفا علي أشياء كثيرة لم‮ ‬يفتح الله بها علي أحد قبلي،‮ ‬هذا الكتاب لم‮ ‬ينشر حتي الآن،‮ ‬رغم انتهائي منه منذ سنوات،‮ ‬بل نشرت بعض ثمراته،‮ ‬ومنها مقالة‮ (‬النسخ‮ ‬غير الأصلية وخطورة الاعتماد عليها‮) ‬وكان ذلك في مجلة معهد المخطوطات العربية،‮ ‬والكتاب في حد ذاته صغير الحجم،‮ ‬منشور قبل ذلك عدة مرات،‮ ‬أي تم تحقيقه أكثر من مرة،‮ ‬لكن الأمر لايخلو من المجاهدة في لذة الاستكشاف التي تغير معرفتنا عن القدماء بالدليل المادي،‮ ‬لأن المخطوطات في حد ذاتها أثر مادي‮.‬
كما قمت بتحقيق كتاب الحث علي طلب العلم لأبي هلال العسكري،‮ ‬ومعه نشرت‮ (‬الحث علي حفظ العلم‮) ‬لابن الجوزي،‮ ‬وقد تم نشرها عن دار الفاروق بالمنصورة‮.‬
و قيد النشر لدي مقالات‮- ‬لم تنشر حتي الآن‮ - ‬منها مقالة بعنوان‮ (‬الميمني كما رأيته‮)‬،‮ ‬وأخري بعنوان‮ (‬الجمع عن صاحب النص،‮ ‬المصطلح والمفهوم الغائب‮)‬،‮ ‬كما قدمت بحثا عن كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة،‮ ‬تم نشره في مجلة تراثيات الصادرة عن دار الكتب المصرية عدد‮ ‬يوليو‮ ‬2015،‮ ‬ويرأس تحريرها الدكتور عبدالستار الحلوجي‮.‬
أحد مؤلفاتك في عالم التحقيق هو كتاب‮ (‬مفهوم التحقيق الغاية والأداة‮) ‬لماذا فكرت في ‮ ‬تأليف هذا الكتاب،‮ ‬رغم أنك تعتبر من الجيل الحديث في عالم التحقيق؟
لقد لاحظت‮ -‬منذ أمد‮- ‬اختلال مفهوم التحقيق في أذهان المحققين،‮ ‬حيث صار التحقيق رسوما وإجراءات لاروح فيها وكان في تجارب المحققين الأفذاذ ما‮ ‬يستحق أن‮ ‬يسلط عليه الضوء ويجب معرفته،‮ ‬فأخذت في جمع المعارف والقواعد التي تستحق المعرفة،‮ ‬فقمت علي ترتيبها وجعلتها متاحة في هذا الكتاب،‮ ‬مع تقديم مثال أو أكثر لكل قاعدة لتحقيق كمال الفهم‮.‬
الكتب عن‮ ‬فن التحقيق كثيرة،‮ ‬فبم‮ ‬يتميز كتابك،‮ ‬وما هو الجديد الذي‮ ‬يقدمه؟
أظن أن الجديد في كتابي هو تقديمي للأمثلة العملية التي توضح كل قاعدة،‮ ‬لأنني وجدت منذ دخولي هذا المجال أن المحققين‮ ‬يطبقون القواعد بشكل آلي،‮ ‬وجامد‮. ‬الكتاب‮ ‬يقع في‮ ‬350‮ ‬صفحة من القطع المتوسط،‮ ‬يتناول قضايا عدة خاصة بالمحقق،‮ ‬أخلاقه وعلومه ومعارفه،‮ ‬وقضايا خاصة بالنص المحقق من حيث الأصول‮: ‬تعريفها وأنواعها،‮ ‬وكيفية جمعها،‮ ‬ودراسة هذه الأصول وتحديد مراتبها،‮ ‬ومراتب النسخ وأنواعها ومعايير تفاضلها،‮ ‬ودور المحقق مع النص،‮ ‬وتطبيق التحقيق عمليا،‮ ‬والتخريج ومعالجة التصحيف،‮ ‬والتحريف والإسقاط والزيادة،‮ ‬فضلا‮ ‬عن ترجمة صاحب النص،‮ ‬وتحقيق نسبة النص لصاحبه،‮ ‬وثمة قضايا أخري تتعلق بمعايير الترجيح بين صورة العبارات داخل النص،‮ ‬وفقد الطبعات السابقة للنص وبيان حقيقتها سلبا وإيجابا والإخراج،‮ ‬وصناعة الفهارس،‮ ‬وكيفية مواجهة العقبات التي تقف في وجه التحقيق العلمي،‮ ‬وأخيرا نواتج عملية التحقيق وأثرها في البحث العلمي‮.‬
لك وجهة نظر في أخلاق المحقق،‮ ‬فكيف تراها؟
‮ ‬الأمانة،‮ ‬وهي أيضا أعلاها،‮ ‬وأكثرها،‮ ‬نظرا‮ ‬لأن المحقق سيؤدي إلينا ما انتهي إليه من نصوص مثبتة في الأصول التي بين‮ ‬يديه،‮ ‬وإخفاؤه ما‮ ‬يجده عن عمد أو جهل أو إهمال حريّ‮ ‬أن‮ ‬يضل كل من‮ ‬يعتمد عليها،‮ ‬ويلقي به في مهاوٍ‮ ‬من الضلال البعيد،‮ ‬وثمة صفة أخري‮ ‬يجب أن‮ ‬يتحلي بها المحقق وهي الصبر،‮ ‬فمع العمر تتجلي ظلمات الجهل،‮ ‬وتؤمن عثرات التسرع،‮ ‬الصفة الثالثة الهامة،‮ ‬لأن المحقق رجل صاحب رسالة آمن بها،‮ ‬وعزم علي توصيلها إلي أهلها،‮ ‬فقد عرف ما لا‮ ‬يعرفه‮ ‬غيره،‮ ‬ووجب عليه أداؤه لطلابه،‮ ‬ومن ثم فإنه‮ ‬يبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك‮.‬
ويري الباحث محمد صالح فرحات أن سمة التعاون من الأمور‮ ‬الضرورية في أخلاق المحقق،‮ ‬وأن خلق التعاون‮ ‬يجب أن‮ ‬يعمل به كل المنتسبين لهذه الصناعة،‮ ‬فالغاية العظمي هي الوصول إلي الصواب،‮ ‬والعلم قد تفرق بين أهله،‮ ‬ولا سبيل لجمع شتاته إلا بالتعاون والتشاور،‮ ‬وأجود ما بأيدينا من نصوص محققة نجدها جهد جماعة لا فرد مهما بلغ‮ ‬عمله وفضله،‮ ‬كما أن هناك أخلاقا أخري تضاف إلي ما ذكرته آنفا،‮ ‬كالإيثار،‮ ‬والانصاف في النقد،‮ ‬وتقبل النقد،‮ ‬وعدم حجب العلم لأي سبب كان‮.‬
برأيك ما العلوم والمعارف التي‮ ‬يجب أن‮ ‬يلم بها المحقق؟
ذلك أمر لو استطعت أن أحشد له علوم الإنسانية جمعاء لفعلت،‮ ‬ولكن هذا مستحيل،‮ ‬فبقدر معرفة المحقق وموسوعيته،‮ ‬سيأتي بأعمال عظام تنفع،‮ ‬واذا أردنا المقاربة،‮ ‬فعلوم اللغة العربية نحوا وصرفا وإملاءً،‮ ‬وعروضا،‮ ‬والاتصال باللغة عن طريق القرآن والحديث والشعر ضرورة لازمة وأري أنه من أمس العلوم لهذا الفن‮ (‬فن التحقيق‮) ‬في علوم الحديث وأصوله من الرواية وطرق التلقي والأداء والضبط،‮ ‬حيث أن التراث العربي قائم عليها،‮ ‬وأضف إلي ذلك أيضا،‮ ‬العلم بالكتب وطبعاتها وتمييز الأصيل‮ ‬منها عن‮ ‬غيره،‮ ‬والإكثار من القراءة في التجارب العالية التي خاضها رواد صناعة التحقيق لاكتساب الخبرات والتعلم‮.‬
كيف‮ ‬يختار المحقق النص الذي‮ ‬ينوي تحقيقه؟‮!‬
يتحدد ذلك عبر الإجابة عن ثلاثة أسئلة هي‮: ‬هل لذلك النص أهمية،‮ ‬وهل أصوله متوافرة،‮ ‬وأخيرا هل للباحث مقدرة علمية ومعرفية لتحقيق مثل هذا النص‮.‬
ما الخطوة الأولي في تحقيق النصوص؟
لايوجد عمل‮ ‬ينافس جمع الأصول بأنواعها المختلفة في الابتداء والصدارة من سائر عمليات التحقيق،‮ ‬ولا عمل بعد الجمع‮ ‬يساوي دراسة الأصول،‮ ‬وتحديد مراتبها ومكانتها،‮ ‬أهمية،‮ ‬فجمع الأصول ودراستها وتحديد منازلها أساس لما سيخرجه الباحث من نص محقق صحيح‮.‬
وماذا بعد؟
بعد فراغ‮ ‬المحقق من دراسة أصوله بعناية بالغة،‮ ‬ومعرفته طبيعة كل أصل منها،‮ ‬أمامه دوران لا ثالث لهما،‮ ‬حكمت عليه نتائج دراسته للأصول بأحدهما،‮ ‬الأول‮: ‬أدائي تقييمي،‮ ‬والثاني‮: ‬بنائي تقويمي،‮ ‬فالأول‮ ‬يكون في حالة وصوله لنسخة المؤلف الأخيرة،‮ ‬كما هي بلا زيادة أو نقص،‮ ‬وكذلك نسخ العلماء المتقنة،‮ ‬ونسخ مشاهير الوراقين،‮ ‬ودور المحقق هنا‮ ‬ينحصر في الأداء الصادق الحريص علي كل ما في تلكم النسخة من مادة علمية وتفاصيل وإشارات وكافة ما‮ ‬يمكن وصفه وملاحظته،‮ ‬وذلك لأنها تحمل سمات صاحب النص أو كاتبه،‮ ‬وطبيعة وزمن عصره،‮ ‬والجهد الأعظم للمحقق هنا‮ ‬يكون خارج النص في المقدمة والحواشي والفهارس،‮ ‬فمثل المحقق في هذه الحالة كرجل واعٍ‮ ‬حصيف‮ ‬غيّر‮ ‬علي صورة نفيسة من عصر ذاهب،‮ ‬فهو‮ ‬يقف علي كل موضع منها متأملا مستخرجا منها الدلالات والعلامات علي ذلك العصر السحيق،‮ ‬ولو تدخل في الصورة بالقص أو الزيادة لأفسدها وأضاع قيمتها،‮ ‬ومن أمثلة ذلك كتاب‮ "‬حذف من نسب قرين‮»‬ ‬رحم الله محققه الواعي الحصيف الدكتور صلاح الدين المنجد‮.‬
أما الثاني فيكون في حالة لم تصلنا مثل هذه النسخ النفيسة،‮ ‬بل وصلتنا نسخ متنوعة للنص دون ذلك،‮ ‬فيكون دور المحقق هنا إعادة بناء النص كما كان،‮ ‬فيعود إلي كل الأصول وينتقي ويختار أجود العبارات،‮ ‬وأصح المتون،‮ ‬ليعيد النص إلي الحياة كما كان أقرب ما كان،‮ ‬وهنا الدور الأعظم للمحقق داخل النص،‮ ‬اختيارا أو ترجيحا للصواب،‮ ‬وحذفا وإبعاداً‮ ‬للزيادات والحواشي،‮ ‬وتتجلي براعته هنا في الاختيار النقدي الصحيح المعلل ومثل المحقق في هذه الحال كرجل عثر علي عدة نسخ بالية،‮ ‬ممزقة لمشهد واحد قديم،‮ ‬فأخذ‮ ‬يختار من كل صورة جزءا ناجيا من التلف والتشويه،‮ ‬ليخرج لنا منها جميعها أفضل ما‮ ‬يمكن رؤيته من تلكم الصورة الضعيفة،‮ ‬ومن أمثلة ذلك كتاب‮ (‬طبقات فحول الشعراء‮) ‬تحقيق الجليل محمود شاكر‮.‬
كيف ظهر التحقيق العلمي الحديث؟
لم تكن صدمة العقل العربي بالغرب بعيدة عن طريقة نشر التراث العربي،‮ ‬فحين وصلت المطبوعات الأوروبية للنصوص العربية،‮ ‬فوجيء الناس بطرائق في التصحيح،‮ ‬وإثبات النصوص،‮ ‬والتقديم والفهرسة لم‮ ‬يعهدوها من المطابع العربية،‮ ‬فقد سخر المستشرقون الأساليب العلمية التي اكتسبوها من تحقيق ونشر التراث اللاتيني في إخراج النصوص العربية معتمدين علي نوادر المخطوطات التي تسربت من بين أيدي العرب بصور شتي،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلي‮ ‬الأمر الذي نبه العلماء إلي ضرورة تغيير طريقتهم في نشر الكتب،‮ ‬وسرعان ما قبلوا التحدي،‮ ‬والتفتوا إلي تراثهم العظيم ليجدوا سلفهم قد مارس كثيراً‮ ‬من تلك الطرائق،‮ ‬كالمعارضة،‮ ‬وبناء الكتب علي هيئة الفهارس وغيرها،‮ ‬ثم إخراج المحققين العرب نفائس تراثهم بشكل علمي دقيق،‮ ‬فاق نشرات المستشرقين بما‮ ‬يمتازون به من اتصال وثيق باللغة العربية،‮ ‬وآدابها،‮ ‬ومعرفتهم بتقاليد أجدادهم في التصنيف‮ (‬التأليف‮) ‬ويمثل تلك المرحلة أعلام،‮ ‬معروفون مشهود لهم بالعلم والفضل والريادة أمثال‮: ‬العلامة الهندي عبدالعزيز الميني،‮ ‬والشيخ أحمد شاكر،‮ ‬وأخيه العلامة محمود شاكر،‮ ‬الأستاذ عبدالسلام هارون،‮ ‬الأستاذ أحمد صقر‮.‬
‮ ‬ما أهمية التحقيق من وجهة نظرك؟
يخطئ من‮ ‬يظن أن هذه المعارف والمبادئ التي اصطلح الناس عليها لا‮ ‬يحتاجها إلا من‮ ‬يزمع نشر نص من النصوص التراثية،‮ ‬بل هي ثقافة لازمة للمتعاملين مع تراث الأمة،‮ ‬قراءة وتصنيفاً،‮ ‬ونشراً،‮ ‬والجهل بها مضرة بالغة،‮ ‬ومورد واسع للخطأ في الفهم والاستنتاج‮.‬
في رأيك ما أهم العقبات القائمة في وجه التحقيق العلمي؟
أولها المحقق نفسه،‮ ‬فكثير ممن نزل هذا الميدان لم‮ ‬يتأهل علمياً‮ ‬وثقافياً،‮ ‬ودراسياً‮ ‬قبل الخوض في‮ ‬غماره،‮ ‬نعم هم درسوا شيئاً‮ ‬من مناهج التحقيق،‮ ‬ورسومه،‮ ‬لكن محصولهم في مرحلة ما قبل المنهج،‮ ‬هزيل جداً‮ ‬جداً،‮ ‬وهناك عقبات كثيرة‮ ‬غير ذلك تتمثل في منع المخطوطات،‮ ‬ورفض تصويرها،‮ ‬وعدم فهرستها وغلق المراكز العلمية لتحقيق التراث،‮ ‬مثل القسم الأدبي بدار الكتب الذي تم إغلاقه في الأربعينيات،‮ ‬ومحاربة تدريس تحقيق التراث في الجامعات،‮ ‬أو تدريسه بشكل نظري هزيل،‮ ‬وتدهور رجال المجلات العلمية،‮ ‬وغلبة السطحية والتكرار والسرقة،‮ ‬والسطو علي جهود العاملين مع وجود العقاب المادي والمعنوي،‮ ‬واستغلال متن التحقيق واتخاذه مطية لنيل الشهادات والدرجات،‮ ‬وغلاء كتب التراث وفتور الهمم بين المن والضن‮.‬
والسؤال هنا‮: ‬ما الذي‮ ‬يساعد علي النهوض بالتحقيق العلمي؟
نشر النماذج الجليلة من التحقيقات،‮ ‬وإتاحتها للشباب بأسعار مناسبة،‮ ‬فهي أفضل مدرسة‮ ‬يتتلمذون عليها وينهلون منا،‮ ‬ولنا في تجربة سلسلة الذخائر،‮ ‬التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة أسوة حسنة،‮ ‬فقد قدمت لنا‮- ‬خاصة في فترة رئاسة الدكتور عبدالحكيم راضي،‮ ‬لتحريرها أجل المطبوعات التي أخرجتها لجنة التأليف والترجمة والنشر والمؤسسات الثقافية المصرية،‮ ‬ودائرة المعارف العثمانية بالهند،‮ ‬ونشرات المستشرقين الجيدة بأسعار زهيدة،‮ ‬بعد أن سطت عليها دور النشر التجارية‮.‬
وطالب الباحث محمد صالح فرحات في هذا الشأن،‮ ‬الهيئة العامة للكتاب ‮ ‬خاصة في إصدار مكتبة الأسرة‮- ‬بأن تنحو هذا النحو وتنتقي أفضل التحقيقات وأمثل النشرات،‮ ‬حيث‮ ‬يوجد الكثير النافع الذي لا‮ ‬يحتاج من جهد سوي التصوير،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن وجود مشكلة بالغة،‮ ‬خاصة بأبناء الأقاليم،‮ ‬تتمثل في عدم وجود المجلات التراثية النافعة لهم،‮ ‬مثل مجلة معهد المخطوطات العربية ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة،‮ ‬وأنا متأكد أن أخبار اليوم تستطيع المساهمة في حل تلك المشكلة بيسر‮.‬
هذا وقد طبعت مكتبة الأسرة،‮ ‬مجلات ثقافية عديدة منها‮: ‬مجلة أبوللو،‮ ‬والكاتب،‮ ‬والزهور،‮ ‬لكنها لم تطبع الرسالة لأحمد حسن الزيات،‮ ‬ونحن في أمس الحاجة إليها لما فيها من مقالات نافعة متصلة بالتراث ونشره،‮ ‬كما‮ ‬يوجد بالمجلس الأعلي للشئون الإسلامية،‮ ‬ودار الكتب المصرية،‮ ‬مطبوعات تراثية نافعة بأسعار زهيدة لا تصل إلي الأقاليم إلا نادراً‮.‬
وفي الختام طالب الباحث في التراث محمد صالح فرحات بتنظيم مسابقة خاصة بشباب المحققين لنشر أعمالهم،‮ ‬كما وجه الدعوة لإنقاذ تحقيقات التراث التي قام بها الشاعر حسن كامل الصيرفي،‮ ‬والتي لم تر من نفائس تراثنا العريق‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.