الهوس.. الكلمة التي تلخص آخر صيحة ضربت العالم شرقا وغربا مع ظهور لعبة »بوكيمون جو»، والمأخوذة عن مسلسل »بوكيمون» الكارتوني الشهير الذي ارتبط به الأطفال مطلع الألفية الجديدة، فاللعبة الجديدة المعدة للهواتف الذكية وتربط بين العالم الواقعي والافتراضي، أصبحت الأكثر انتشارا في العالم في نحو أسبوع واحد، وبات الجميع يتحدث عن فلسفة اللعبة التي تؤشر إلي إمكانية ميلاد عالم افتراضي جديد، وسط تحذيرات من مخاطر إدمان اللعبة التي يقبل عليها الشباب بصورة غير مسبوقة، ويطاردونها بهوس في كل العالم. بين ليلة وضحاها لم يعد يشغل رواد مواقع التواصل الاجتماعي إلا موضوع »البوكيمون»، البعض سأل عن ماهية اللعبة الجديدة، التي أطلقتها شركة نينتيندو العالمية، مع استمرار الحديث عنها علي »فيسبوك» و»تويتر»، الصور المتناثرة هنا وهناك دفعت البعض للبحث عن اللعبة التي لم تدخل مصر بعد بطريقة رسمية، لكنها قلبت الأوضاع رأسا علي عقب في الولاياتالمتحدة أكبر أسواق الألعاب الإلكترونية في العالم، فخلال أسبوع واحد حطمت اللعبة كل سجلات الألعاب السابقة، لتتربع اللعبة خلال سبعة أيام فقط علي عرش أعلي الألعاب علي الأجهزة المحمولة في تاريخ أمريكا والعالم، فيما يتعلق بعدد المستخدمين النشطين يومياً، بعدد 21 مليون مستخدم، وهو الأمر الذي تكرر في ألمانيا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا، وهي الدول التي انطلقت فيها اللعبة بصورة رسمية، لكن المنطقة العربية ومن ضمنها مصر تدبرت أمورها عبر تطبيقات بديلة، ما جعل العالم كله يشارك في هوس »البوكيمون». واللعبة الجديدة قائمة علي المسلسل الكرتوني الشهير الذي يحمل اسم »بوكيمون»، وفكرته قائمة علي تدريب بعض الأطفال لكائنات تمثل قوي الطبيعة المختلفة، واشتهر المسلسل بفضل بطله الرئيسي »أش» وصديقه من البوكيمون »بيكاتشو» الكهربائي الذي يردد كلمة »بيكا بيكا» طوال أحداث المسلسل بطريقة محببة، وتقوم اللعبة علي تراث المسلسل المعروف عالمياً، بعد مزجها بالتقنية المتطورة لألعاب العالم الافتراضي، إذ تسمح اللعبة للاعبين بالمشي في جميع الأنحاء للبحث عن شخصيات اللعبة الافتراضية عبر شاشات الهواتف الذكية، واصطيادها في أماكن حقيقية حول العالم باستخدام خاصية جي بي إس، فاللعبة تتطلب الكثير من الحركة والمشي في شوارع ومتنزهات عامة للبحث عن كائنات البوكيمون، وتسمح اللعبة ابتداء من المستوي الخامس بالانضمام إلي أحد التحالفات الثلاثة تحت ألوان الأحمر والأزرق والأصفر، لبدء معارك بين المتنافسين كما هو متبع في الكرتون الأصلي. لكن اللعبة كشفت عن نوايا البعض في استغلالها لارتكاب عمليات سطو مسلح، فقد استغل بعض اللصوص اللعبة في تنفيذ عمليات سرقة في الولاياتالمتحدةالأمريكية، عبر استخدام تقنية الضوء الإرشادي في اللعبة، حيث يستدرج المجرمون ضحاياهم من مستخدمي اللعبة إلي مناطق نائية أو شوارع جانبية لسرقتهم وتجريدهم مما معهم من ممتلكات، وأولها التليفون المحمول ذاته، ما دفع الشرطة الأمريكية للتحذير من التحديق في الهاتف أثناء تجول اللاعبين في الشارع، إذ يجعل هذا منهم صيدا سهلا للمجرمين، بينما حذرت الإمارات والكويت مستخدمي الهواتف والأجهزة الذكية، من مخاطر اللعبة، إذ يمكن للعناصر الإجرامية اختراق خصوصية المستخدمين، أو التربص بهم في أماكن نائية للاعتداء عليهم، وسلب ممتلكاتهم. ورغم أن اللعبة ذات أبعاد عالمية، إلا أن بعض عشاق نظرية المؤامرة رأي أن اللعبة الغرض منها هو جمع المعلومات، وتصوير أماكن حساسة، وإتاحتها للتداول العلني، بل ذهب البعض إلي أن اللعبة هي أحد أركان مؤامرة دولية ضد مصر، وهو الأمر الذي أثار سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بينما علق حسام القاويش، المتحدث باسم مجلس الوزراء، علي انتشار اللعبة قائلا في تصريحات إعلامية: إن الأجهزة المعنية تتابع ما يثار حول اللعبة الجديدة، مؤكدا أن الأجهزة المعنية تتابع وضع آليات جديدة خاصة بألعاب الإنترنت، للحد من خطورة هذه الألعاب. الأزهر دخل علي خط الجدل الذي أثارته اللعبة، إذ أكد مصدر مسؤول في مشيخة الأزهرل »آخرساعة»، أن اللعبة تضيِّع وقت الشباب فيما لا يفيد، بل تشغلهم عن ذكر الرحمن، واستذكار دروسهم، والبعد عن الطاعات، ما يجعلها مرفوضة إذا ما لم يستطع المرء أن يحافظ علي وقته بسببها، والأمر في الفقه واضح بأن كل ما يلهي عن ذكر الله فهو حرام شرعا. بينما أبدي الدكتور عباس شومان، وكيل شيخ الأزهر، تحفظه علي اللعبة الجديدة، قائلا عبر صفحته الشخصية علي »فيسبوك»: »إن استخدام التكنولوجيا تجاوز حده، فصرف الناس في كثير من الأحوال عن دروسهم وأعمالهم المرتبطة بمستقبل حياتهم، وكان من قمة الهوس الضار بحياة ومستقبل المغرمين بتلك الألعاب الباحثة عن البوكيمون في الشوارع والمحلات التجارية وأقسام الشرطة، والمصالح الحكومية، وبيوت الناس، وربما دور العبادة حيث تجعل من الناس كالسكاري في الشوارع والطرقات وهم يتابعون شاشة الموبايل الذي يقودهم إلي مكان البوكيمون الوهمي طمعا في الحصول عليه والإمساك به». وتابع شومان: »وإن كانت هذه اللعبة قد تخدع الصغار ويصدقونها، فلست أدري أين ذهبت عقول الكبار الذين يتبعون هذا الوهم، حتي تصدم أحدهم سيارة، وهو منهمك في التتبع غير منتبه لقدوم سيارة، ويدخل آخر قسم شرطة طالبا من الضابط التنحي جانبا للبحث عن البوكيمون الذي تظهر شاشة موبايله أنه يختبئ تحته، ولست أدري هل سنجد بعض المخبولين يدخلون بأحذيتهم المساجد والكنائس والسجون والوحدات العسكرية للبحث عن مفقودهم، وهل سيترك الناس أعمالهم والسعي خلف أرزاقهم سعيا خلف البوكيمون، أم أنهم سيستردون عقولهم ويتجنبون هذا العبث الملهي». من جهته، رأي أحمد رياض، الخبير في تكنولوجيا الاتصالات، أن المخاوف الأمنية من لعبة »بوكيمون جو» مفهومة علي مستوي العالم، لأن اللعبة تخترق العديد من الثوابت الأمنية، بما في ذلك تصوير أماكن حساسة، كما أنها تسبب التوتر للأجهزة الأمنية باقتراب عناصر إرهابية من أماكن حساسة تدعي أنها من لاعبي »البوكيمون»، فضلا عن استخدام عناصر إجرامية للعبة في عمليات سطو، بانتظار اللاعبين عند أماكن تواجد البوكيمون، وهي أمور لابد من بحثها بشكل جدي خصوصا مع تطور عمليات السطو الإلكتروني في العالم كله. وتابع رياض قائلا ل »آخر ساعة»: »أما علي صعيد التطور التكنولوجي، فاللعبة تشكل ثورة في ربط العالمين الافتراضي والواقعي بعضهما البعض، ما يجعلنا علي أعتاب مرحلة جديدة من الألعاب التي تعتمد علي تفاعل أعلي من ذي قبل، وهنا سنري الكثير من الألعاب في الفترة المقبلة تعتمد نفس المقياس لضمان المزيد من الألعاب، فالألعاب الإلكترونية التي نعرفها في طريقها إلي الانقراض لتفسح المجال أكثر أمام ألعاب تفاعلية تقدم مستويات أعلي لربط الواقع بالخيال». الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، حلّل ل »آخر ساعة»، تداعيات انتشار اللعبة الجديدة، قائلا إن اللعبة تعدُّ واحدة من تجليات الثورة التكنولوجية التي نعيشها، وتتواصل منتجاتها تباعا، لكن ميزة اللعبة الجديدة أنها تربط بين كل مظاهر التطور التي مرت علينا في السنوات الأخيرة، فاللعبة تربط بين العالم الافتراضي والواقع بصورة غير مسبوقة، وهو ما سيؤثر بلا شك علي مستقبل العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، خصوصا أن التكنولوجيا الحديثة علي الرغم من أنها اجتماعية باعتبارها توفر فضاء اجتماعيا علي المواقع الإلكترونية، بما يجعل عملية التواصل مفتوحة بين المجتمعات المختلفة. وأشار صادق إلي أن الحديث عن نظرية مؤامرة حول لعبة البوكيمون واستخدامها للتجسس علي مصر، مدعاة للسخرية ممن أطلق مثل هذه الأفكار، لأنها لعبة عالمية لا ترتبط بمجتمع بعينه، كما أن الثورة التكنولوجية التي نعيش أول فصولها قائمة علي إتاحة المعلومات أمام الجميع في جميع أرجاء الأرض دون تفرقة، فالغرض الرئيس من اللعبة هو التسلية.