ردا على مقال “مصر بين تهاون السلطة وعجز المعارضة” تقريبا هو أسلوب نمطي واحد يستخدمه فاروق جويدة، مع تعدد وتنوع أساليب الإقناع المستخدمة حيث يبنى تصورا ما في ذهنه، ثم يحاول تجميع الأدلة والبراهين المختلفة، ليحاول إثبات وتأكيد تصوره وفرضيته الخاصة التي يتبناها. والتي يأتي أغلبها، كما بينت في مقالي السابق واليوم إن شاء الله، في التصنيف العلمي للفرضيات ضمن المرتبة الثالثة، التي يطلق عليها أهل البحث العلمي فرضيات فاسدة، تدلل على ضعف وتردى منهج تفكير الباحث، في عمله وبحثه عن الحقيقة، أو سوء نية الباحث، ليحاول إثبات وتوثيق فرضياته بأسانيد مغلوطة ومزورة، أي مغشوشة، وغير مقبولة منطقيا وعلميا. بالتأكيد لست مضطرا لان أشغل نفسي والقراء الأعزاء بالرد كل أسبوع على تصورات وربما خيالات فاروق جويدة، التي ربما لا تنتهي، ولكن ما يعنيني في الأمر، والسياق العام الذي أتناول فيه هذه المقالات، هو جريدة الأهرام المصرية العريقة التي تمنح هذا الكاتب نصف صفحة كاملة أسبوعيا، جريدة الأهرام التي يمكن ان نسميها بلا مبالغة، الأم الشرعية للصحافة العربية، الأم بمعنى الأساس والمنطلق والمدرسة والراعية، والمرجعية الحاكمة للصحافة العربية، هكذا افهم وأقدر الأهرام، التي تعد مصدرا ومرجعا أساسيا لتشكيل الوعي المصري والعربي على السواء، أتحدث عن الأهرام المصرية التي يجب أن تتأثر وتستفيد من الثورة المصرية، وتستعيد وعيها بذاتها، ومكانتها ودورها، حين تشملها رياح الربيع العربي بما تعنيه من تغيير، وإصلاح وعودة إلى الذات الوطنية الحقيقية، والتي تتمسك بأعلى معايير المهنية الصحفية، وان تستعيد الأهرام دورها وتأثيرها في الارتقاء بمستوى وعى وثقافة ومشاركة المواطن المصري والعربي على السواء. الأهرام المصرية التي اعتبرها الممثل الحقيقي للصحافة المصرية، التي يجب أن تكون على مستوى مصر، مصر الكبيرة علما ومهنية، مصر النموذج والقدوة، مصر الأستاذية. يتمحور مقال الكاتب حول فرضيتين مترابطتين الأولى عن النظام، والثانية خاصة بالمعارضة تدوران حول ضعف وتهاون وتخاذل وتآمر النظام المصري الحاكم، والذي قفز بليل واستغل سفر الشعب المصري خارج البلاد، وغفلة ونوم المعارضة الوطنية الشريفة العفيفة، والتي لم تمنح فرصة ترتيب وتنظيم نفسها لتواجه هذا النظام الحاكم الضعيف الفاشي المستبد، وسرق السلطة في مصر، وها هو الآن يذهب بها إلى الهاوية. ثم يبدأ الكاتب في البحث في جنبات عقله الكبير، عن أية أدلة وبراهين يحاول بها إقناع الشعب المصري، الذي ربما عاد بعضه من السفر !. تبدأ محاولات الكاتب في إثبات فرضيته، بأنه وبعد نجاح الثورة وسقوط النظام، بدأت مصر معركة تآمر كبير بين القوى السياسية وبعضها البعض، ومن جهة أخرى بينها وبين المجلس العسكري حيث عاشت مصر حالة تآمر وغموض كبير، تخللها الكثير من الصفقات السرية بين القوى السياسية، وبين المجلس العسكري، وهى التي مهدت لولادة كائن غريب جدا، اسمه التيار الديني. وبذلك يحاول الكاتب أن يصور للمصريين "الولادة غير الشرعية" للنظام الحاكم الذي اختاره الشعب ومنحه ثقته في تحمل مسئولية مرحلة التحول الكبرى من الاستبداد والتخلف إلى الحرية والديمقراطية والتنمية، وهو بذلك قد أساء، واتهم ثلاث أطراف أساسية: أولها المجلس العسكري الذي اتهمه ضمنيا بالخيانة والتآمر على مستقبل مصر السياسي، وثانيها التيار الإسلامي المصري العريق عراقة مصر، والمتجذر إلى النخاع، في شعبها المتدين بطبيعته، محاولا بذلك وسمه بالغريب المتخفي المتآمر السارق للسلطة. وثالثا يتهم الشعب المصري العظيم، الذي أصطف في طوابير طويلة حتى الحادية عشر مساء، مبهرا العالم بوعيه وايجابيته وصبره وجلده، ليدلى برأيه وصوته، ويمكن لإرادته في اختيار من يمثله ويحكمه، يتهم الشعب الذي أنجبه، ورباه وعلمه، ومنحه حرية التخيل والتوهم، والكتابة في اعرق صحفه بالجهل والتخلف. وفى محاولته الثانية لإثبات وتوثيق فرضيته الفاسدة، يستخدم أسلوب القصص البوليسية ليرسم مشهد انقضاض التيار الإسلام المصري الأصيل بالوحش الكاسر، المكشر عن أنيابه، وتارة أخرى بالكتائب العسكرية، بالتحالف الخفي مع المجلس العسكري المتآمر على مصر وشعبها ومستقبلها، مستغلا لحظة ضعف وغفلة المعارضة المصرية الوطنية الخالصة الجميلة الوديعة الرقيقة، وانقض على سلطة الحكم ليفترسها افتراس الوحش الكاسر المكشر عن أنيابه. ما يؤلم حقيقة تطاول الكاتب، وعبر الأهرام المصرية، على العسكرية المصرية الوطنية التي لا ولن يدور في خلد أي طفل، وليس شاب مصري، مجرد شك واحد في الألف، في وطنيتها وإخلاصها لمصر، نسى الكاتب، وربما تناسى، ان كل بيوت الشعب المصري مرت وتغذت وشربت، وارتوت من العسكرية الوطنية المصرية، وهى تنال شرف تأدية الخدمة العسكرية ونسى تاريخ الشعب المصري مع جيشه، والذي لا أبالغ فيه حين أقرر، أن تاريخ كل مصري مع جيشه، إنما هو تاريخ كل مصري مع أمه التي ولدته، ويؤوب إليها مرتميا في أحضانها كلما احتاج شيئا، أو وقع في أزمة ما. أنشط ذاكرة شعبنا المصري العظيم، والعالم اجمع بمشهد ربما اقرب إلى مشاهد الجنة، مشهد فرحة وزغاريد الشعب المصري العظيم، ساعة نزول دبابات الجيش لميادين الثورة، وتعجب الصحفيين الأجانب الذين لم يفهموا حقيقة ما يحدث، حيث اعتاد صحفيو العالم على نزول الجيوش لسحق المتظاهرين وحماية النظم الحاكمة، ولم يفهموا الكيمياء المصرية الخاصة بين شعب مصر وجيشه الذي جاء يحميه وينقذه. وفى محاولته الثالثة لإثبات وتوثيق فرضيته الفاسدة، يستخدم أسلوبا جديدا، هو استخدام أدلة مزورة، بتغيير حقائق المستندات والوثائق الأصلية، بالكشط فيها، وكتابة أكاذيب موجهة، حيث يقدم شهادته المزورة بأن السلطة انفردت بالحكم وحدها، ولم تشرك معها أحدا، ورفضت الحوار والنقاش مع أي من الرموز والقوى السياسية المصرية، لتنفرد بالقرار وحدها، وهو ما أدى بتقسيم المجتمع المصري إلى فيصلين احدهما اسلامى، والآخر مدني، ومن هنا بدأت مرحلة الفوضى ورحلة السقوط المصرية. الكاتب هنا يزور الحقائق من ناحية، ويتناقض مع نفسه بنفسه من ناحية ثانية، ويخلط الأوراق ببعضها البعض في ناحية ثالثة، حيث يزور حقائق دعوات النظام المتكررة للحوار والتي تابع الشعب المصري بعضها على الهواء مباشرة، في سابقة لم يعرفها العالم من قبل، ثم يتناقض مع نفسه حين كان مستشارا مشاركا في الحكم وهو من المحسوبين على النظام السابق والمعارضة الحالية، ويخلط الأوراق بين مسئولية النظام في اختيار مهنيين متخصصين على كفاءة عالية في تخصصاتهم بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية لإدارة شئون البلاد، مما يعنى الاستناد إلى فلسفة التكنوقراط، وهذا ما تحتاجه المصلحة العليا للبلاد في هذه المرحلة، وبين تكوين حكومة ائتلافية تسند إليها الأمور مؤقتا، لضمان توفير حالة من التوافق السياسي للمرور بالبلاد من أزمة سياسية معينة تمر بها، وليس بعد انتخابات ديمقراطية يمنح فيها الفائز حرية اختيار من يشاء لما يشاء تحت عين ومراقبة الشعب، ومناط حريته في تشكيل حكومته، هو مسئولية وأمانة الاختيار والمحاسبة من الشعب. ملاحظة الكاتب في كل مرة يلح ويكرر على مفهومين أساسيين هما ضعف النظام، ودمار الواقع المصري، محاولا بذلك رسم صورة قاتمة بائسة ومحبطة للقراء عن الواقع والمستقبل المصري. وفى محاولته الرابعة يستخدم أسلوبا مغايرا، حين ينتقل الكاتب إلى مرحلة الخيال الغير علمي مستهترا، ومستهزئا بعقول أعرق شعوب الأرض عقلا وتفكيرا، ومنطقا وحكمة يتخيل مشهد لسينما الكرتون، حيث سلطة ضعيفة وعاجزة، تستغل ضعف المعارض المفككة وتحكم سيطرتها، متناسية هموم ومطالب الشعب، لتتفرغ لتفكيك مفاصل الدولة، مما تسبب في الخراب الشامل لكل مجالات الحياة في مصر، وأولها الإعلام. حقيقة الأمر انه وللوهلة الأولى، ونحن نقرأ المقال، ربما يتخيل البعض أنها بعض التخيلات والأوهام التي يصاب بها بعض الأطفال في مرحلة الطفولة المتأخرة نتيجة بعض الضغوط النفسية العارضة، بيد ان ما يوقظك على الحقيقة المؤلمة أنه مقال في الأهرام المصري. سلطة جاءت بانتخاب وإرادة الشعب، نخبتها وجل أفرادها من طبقة العلماء المهنيين المتخصصين في اعرق الجامعات والمؤسسات العالمية، بعد معاناة وصراع متنوع المجالات والأدوات مع اعتي النظم الاستبدالية في العالم على مدار ما يقارب القرن تقريبا، تمتلك مشروعا حضاريا لتنمية ونهضة مصر وتحويلها لدولة حديثة كما تجارب أمثالهم من نفس المدرسة في ماليزيا وتركيا تستغل ضعف المعارضة، وسفر الشعب المصري خارج البلاد وتنقض على الدولة المصرية لتفككها ! لصالح من إذن، ربما لصالح سلاحف النينجا، أو الأقزام السبعة في الجزيرة المسحورة. ثم يصف الكاتب مصر بالخراب في شتى المجالات، بالتأكيد ليس لديه تلفزيون ولا يقرا صحفا عالمية، ليتابع حركة الانجازات والتطور المتسارعة في شتى مجالات الحياة، من قرب الاكتفاء الذاتي من القمح، إلى نقل وانتاج واستخدام التكنولوجيا، إلى التصنيع العسكري، وتنوع التسليح والعمل على التسليح الذاتي، إلى حل جزء كبير من مشاكل التموين، إلى عودة مصر سياسيا إلى موقعها العربى والاقليمى والعالمي....الخ. بالتأكيد أن دمار وخراب الصحافة المصرية بفعل استبداد وقهر النظام الحاكم كما وصفها الكاتب قيدت حرية الصحافة في مصر، وغفل عما يصدع به الكاتب كل جمعة من افتراءات وأكاذيب ضد النظام. ويحلق الكاتب في الفضاء الرحب ليؤكد أننا أمام سلطة ضعيفة، وأول مظاهر هذا الضعف أنها لم تحافظ على تماسكها ووحدة أهدافها أمام قوى المعارضة، أية أهداف، وأي تماسك أمام قوى المعارضة، وبذلك يكون الكاتب وصل إلى مرحلة متقدمة من التجليات المفعمة بالإشارات الروحية الخاصة بعالم الغيبيات في حرب النظام مع المعارضة. مما يجعلني أناشد القراء الأعزاء، بان يشرح لنا، إن كان قد فهم شيا من كلام الكاتب. ثم توصله التجليات العليا إلى تفسير السبب الرئيسي لضعف المعارضة المصرية إنما هو ضعف النظام، وهذا في منطقه شيئا مؤكدا كما أكد على ذلك مرارا. ويتطور الأمر لما هو أعلى مما أوصلنا إليه الكاتب، فيقرر فجأة ( ان عناصر التفاعل في المجتمعات هي التي تؤكد الظواهر الإيجابية فيها ومن هنا فإن عجز السلطة وفشلها في إدارة شئون مصر ترتبت عليه آثار خطيرة من بينها تخاذل المعارضة وانسحابها بشكل مزري في الشارع السياسي )، نقلت لحضراتكم نص الكاتب بين قوسين، لعل أحدكم يفهم شيئا، فللأسف لا أفهم إلا العربية. للأسف الشديد هذا الكلام ينشر في الأهرام المصرية، وليس جريرة صفراء تصدر من مكان مجهول أو أحد مجلات الأطفال. وبعد هذا الصعود الكبير، تأتى مرحلة السقوط حيث يقرر الكاتب أن (من يتابع صورة المعارضة المصرية سوف يتأكد أنها وليد شرعي لسلطة مشوهة غير قادرة على القيام بمسئولياتها وتاريخ قديم من السلبية وعدم الجدية ) فالسلطة الحاكمة في مصر ذات التسعة أشهر مشوهة، ولديها تاريخ قديم جدا من السلبية وعدم الجدية، ربما يقصد الكاتب أنها على مدار الثمانون عاما الماضية كانت سلبية وغير جدية عن الاهتمام بهموم وقضايا الوطن، ولذلك تعمدت الأنظمة الثلاث المتعاقبة، محاربتها ومحاكمتها عسكريا يتهمه السلبية وعدم الجدية، ولذلك تم الزج بها في السجون والمعتقلات لتتعلم الايجابية والجدية. اخوانى القراء الأعزاء أستبيحكم عذرا في التوقف عن متابعة تفنيد باقي المقال، والله تعتبت نفسيا وإنا أتألم دقيقة بعد دقيقة، والله خنقتني العبرة وسبقتني دموعي على هذا الحال، وعلى انشغالي واستهلاك جزء من عقلي ووقتي بمثل هذا المقال، عن متابعة همي الكبير بتخطيط وبناء وتمكين القيم واستعادة هويتنا الحضارية التي فككها وأهدرها وغيبها أمثال هذا الكاتب. أتمنى على الله تعالى ان أطالع قلعة وجامعة وأكاديمية الأهرام المصرية في صباح الجمعة القادمة لأجد فيها ما أتعلم منه، واجمع عليه أبنائي، وأهلي، وعشيرتي، والمثقفين لنتناوله بالقراءة والتفسير والتحليل لنتعلم منه كيف نبنى مصر الحديثة الله الله الله في عقولنا وأوقاتنا، ربنا تبارك وتعالى أمرنا ألا نؤتى السفهاء أموالنا، فكيف بعقولنا وأرواحنا ومصائرنا؟!