تتكرر في المشهد الحقوقي ظاهرة باتت تُعرف بين النشطاء باسم "سياسة خُد وهات"، حيث تعلن السلطات عن إخلاء سبيل دفعات من المعتقلين السياسيين، بينما تُعيد في الوقت نفسه اعتقال آخرين أو تدوير من سبق الإفراج عنهم على قضايا جديدة. هذا النمط المتكرر يعكس، بحسب منظمات حقوقية، غياب إرادة حقيقية لإنهاء ملف الحبس الاحتياطي المطوّل، وتحويل الإفراجات إلى مجرد رسائل سياسية لا تغيّر من واقع السجون شيئًا. في هذا السياق، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس ثلاثة من شباب الأطباء لمدة خمسة عشر يومًا، وهم الصيدلي إيهاب سامح عبد الملك وطبيب الأسنان محمد أسامة السيد وطبيب الأسنان مصطفى عرابي، وذلك على ذمة القضية رقم 945 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا. وُجهت إليهم تهم "نشر أخبار كاذبة" و"الانضمام إلى جماعة إرهابية"، بعد انتقادهم قرار وزير الصحة بتخفيض نسبة التكليف لدفعة 2023 إلى 40 %. وبحسب مؤسسة هيومن رايتس إيجيبت، فإن الأطباء الثلاثة معروفون بنشاطهم النقابي والدفاع عن حقوق العاملين في القطاع الصحي، ما يجعل تجديد حبسهم مؤشرًا على استمرار التضييق على الأصوات المهنية المستقلة. نيابة العاشر وفي الوقت نفسه، شهدت نيابة العاشر من رمضان الجزئية تحقيقات جديدة مع ستة شباب هم يوسف شعبان محمد عطية وأحمد محمد كامل وأحمد سعودي أحمد ومحمد أشرف عوض وأدهم جابر أبو زيد وفتحي السيد عبد الحليم. وقد قررت النيابة حبسهم خمسة عشر يومًا وإيداعهم معسكر قوات أمن العاشر من رمضان. هذه الوقائع تأتي في ظل موجة اعتقالات متجددة تستهدف شبابًا من خلفيات اجتماعية مختلفة، ما يعزز الانطباع بأن الإفراجات التي تُعلن بين الحين والآخر لا تعكس تغييرًا جوهريًا في السياسة الأمنية. اخلاء سبيل 31 معتقلا ورغم هذا التصعيد، أعلنت نيابة أمن الدولة العليا إخلاء سبيل واحد وثلاثين معتقلًا سياسيًا كانوا رهن الحبس الاحتياطي، وهو ما رحبت به (لجنة الدفاع عن سجناء الرأي) في بيان رسمي صدر في 17 مارس 2026. اللجنة وصفت القرار بأنه خطوة إيجابية واستجابة للمراجعات الدورية التي وجه بها النائب العام، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن هذه الخطوة لا تكفي، وأن آلاف المحتجزين ما زالوا يقبعون في السجون بعد تجاوزهم المدد القانونية القصوى للحبس الاحتياطي. وأكدت اللجنة أن استمرار احتجاز أي مواطن دون محاكمة بعد انقضاء المدد القانونية يمثل مخالفة صريحة لقانون الإجراءات الجنائية، وأن كثيرًا من هؤلاء لم يرتكبوا سوى ممارسة حقهم الدستوري في التعبير عن الرأي. وتشير اللجنة إلى أن خلف كل اسم في كشوف المحبوسين قصة إنسانية مريرة، وأن الحبس الاحتياطي المطوّل لا يسلب حرية المتهم فحسب، بل يمزق النسيج الاجتماعي لأسر فقدت عائلها أو أبناءها، ويترك آثارًا نفسية واقتصادية لا تُمحى بسهولة. وتطالب اللجنة بإخلاء سبيل جميع المحالين للمحاكمة في قضايا الرأي بضمان محل إقامتهم، خاصة في ظل التأجيلات المتكررة للجلسات التي تحوّل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة مسبقة. سجن وادي النطرون وفي موازاة ذلك، رصد مركز الشهاب لحقوق الإنسان تدهورًا خطيرًا في الأوضاع الصحية داخل سجن بدر (3)، بعد وفاة المعتقل جمال صابر في سجن وادي النطرون. وبحسب شهادات من داخل السجن، فقد عانى صابر من أمراض خطيرة دون فحص طبي دقيق، وتلقى أدوية سطحية لا تتناسب مع حالته، رغم مطالبات متكررة بنقله إلى المركز الطبي. وتشير المعلومات إلى أنه ظل ينادي طلبًا للمساعدة مساء اليوم السابق لوفاته دون استجابة من إدارة السجن، قبل أن يُعثر عليه متوفى داخل زنزانته. هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة ملف الإهمال الطبي في السجون، الذي وثقته منظمات عديدة باعتباره أحد أخطر أشكال الانتهاكات بحق المحتجزين. وبينما تُعلن الدولة عن دفعات من المفرج عنهم، تستمر في الوقت نفسه عمليات القبض والتدوير، ما يجعل الإفراجات تبدو كأنها "إعادة تدوير للأزمة" بدل حلها. فكل خطوة إفراج تقابلها خطوة اعتقال جديدة، وكل اسم يخرج من السجن يدخل مكانه آخر، في دورة لا تنتهي. ويرى حقوقيون أن هذه السياسة تهدف إلى خلق توازن شكلي بين الضغوط الدولية المطالبة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وبين رغبة الأجهزة الأمنية في الإبقاء على السيطرة الكاملة على المجال العام.
وتبقى الحقيقة الأبرز أن الإفراج عن واحد وثلاثين معتقلًا لا يغيّر من واقع آلاف آخرين ما زالوا خلف القضبان، وأن العدالة لا تتحقق بإجراءات جزئية أو انتقائية، بل بإغلاق ملف الحبس الاحتياطي المطوّل نهائيًا، واحترام حق المواطنين في التعبير والمشاركة دون خوف. وبينما تستمر سياسة "خُد وهات"، يبقى السؤال معلقًا: هل تمثل هذه الإفراجات بداية تغيير حقيقي، أم مجرد محاولة لامتصاص الغضب الداخلي والخارجي بينما تستمر عجلة الاعتقالات في الدوران؟
ومن الجدير بالتسجيل والتذكير أن خلف كل اسم في كشوف المحبوسين قصة معاناة إنسانية مريرة. إن الحبس الاحتياطي المطول لا يسلب المتهم حريته فحسب، بل يمزق النسيج الاجتماعي لأسر فقدت عائلها أو أبناءها، ويترك آثاراً نفسية واقتصادية واجتماعية لا تندمل بسهولة، لاسيما في ظل غياب مبرر قانوني يوجب هذا الانفصال القسري عن الحياة والمجتمع.