فى بادرة ترد الاعتبار لمنظمات المجتمع المدنى التى تعرضت لهجمة شرسة فى الفترة الأخيرة تأتى دعوة «الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية» لمائدة مستديرة يأتلف حولها عديد من الرموز الفكرية والحزبية والسياسية، تدور مناقشاتها حول «إصلاح البنية التشريعية المعنية بالعملية الانتخابية فى مصر»، وكان اللقاء فى مجمله موضوعياً، يؤسس لإمكانية قيام حوار جاد بين رؤى وتوجهات مختلفة دون أن يتحول إلى ملاسنة، ودون أن يتحول إلى استعراض توجهات بعينها، ويمكن أن ينتهى إلى رؤية متقاربة تحكمها مصلحة الوطن. وبدا من المشاركات أن قدراً من التغير قد حدث فى مثل هذه اللقاءات، فكان أن اختفت المزايدات والمواقف الحادة، وعندما طرح البعض خيار المقاطعة إذا لم يلقَ الطرح تجاوباً من السلطة التنفيذية جاءت الردود رافضة، باعتبار أن المقاطعة والانسحاب تسليم بفقدان الحجة، واختيار للطريق الأسهل، بينما الوطن يُلزم كافة القوى السياسية بتجاوز حالة المصادمة، وانتصر المجتمعون لمواصلة المشاركة. شهدت المائدة ثلاث أطروحات رئيسية، طرحها الدكتور عمرو الشوبكى، والكاتب عبدالله السناوى، والدكتور عمرو هاشم ربيع، انتهى الحوار حولها إلى رؤية مشتركة التزمت بعدم الخروج عن الأطر التى حددها الدستور، وتراوحت النقاشات بين الانحياز للنظام الفردى الذى رأى أصحابه أنه الأكثر قرباً من خبرات الناخب المصرى، وبين الانحياز إلى القوائم لأنها الداعمة للأحزاب، والدافعة للاختيار تأسيساً على البرامج الحزبية، ثم انتهت إلى القبول بطرح «السناوى» 40% للفردى و40% للقوائم و20% للفئات التى نص الدستور على تمييزها، وكان الإجماع منعقداً على رفض القوائم المطلقة التى هجرها العالم كله، لأنها وفق معطيات اللحظة تحمل مخاطر سيطرة اتجاهات بعينها على البرلمان بقدر يضعنا أمام خطر عودة سيطرة القوى الدينية أو رموز الفساد أو القوى الرأسمالية مجدداً، وكانت المطالبة بالأخذ بنظام القوائم النسبية لضمان التنوع وإتاحة الفرصة للتيارات المختلفة فى الوجود بما يضمن تمثيلاً أكثر قرباً من أوزان الشارع السياسية، مع المطالبة بإعادة النظر فى عدد القوائم، وطالب البعض بأن تكون لكل محافظة قائمة، ثم انتهى النقاش إلى أن تصبح 10 قوائم تترجم التنوع الجغرافى على الأرض، وتمنح الناخب فرصة التعرف على محتوى القوائم وأفرادها بما يوافق خصوصية الإقليم الانتخابى، وتقسيم الدوائر الفردية وفق التقسيم الإدارى الذى كان معمولاً به قبلاً. وحتى تأتى التعديلات متسقة مع تطلعات الشارع طالب المتحاورون بتطعيم اللجنة المنوط بها تعديل القانون برموز من القامات الفكرية والسياسية والحزبية والاقتصادية المجتمعة، فى تخصصات الفقه الدستورى والعلوم السياسية وممثلى الأحزاب. وانتهى اللقاء بتكليف الدكتور مجدى عبدالحميد، رئيس الجلسة والداعى للقاء، بمتابعة صياغة البيان النهائى مع لجنة الصياغة وتقديمه لمؤسسة الرئاسة، فى بادرة تؤكد أن النخب تخطو باتجاه التفاعل الموضوعى مع الهم العام، بعيداً عن التنظير المفارق للشارع، وأنها تقف مع الدفع باتجاه التكامل الوطنى، بعيداً عن سياقات المصادمة مع الدولة لخلق حالة حوار موضوعى. جاءت مشاركات الشباب وأطروحاتهم مؤكدة أن مصر أم ولود، وأنهم سر قوتها، وكانت نبرة الحوار الهادئة مؤشراً إيجابياً ينبئ بتكريس طريق جديد لإمكانية الحوار بين الفرقاء دون تخوين أو تكفير أو تشكيك أو احتراب، ليصبح التنافس المشروع هو القاعدة التى ينطلق منها، وربما تصدر هذه التجربة خبرة جديدة للشباب تضبط مسار الحوارات وتشابكاتها فى دوائرهم، للوصول إلى تعظيم المشتركات لحساب الوطن، وتنتقل بنا من الثورة إلى الدولة، بعد سنوات مرتبكة، والدخول فى مسار البناء والتنمية واحترام الاختلاف لحساب الوطن، يستحق أن نحميه وندعمه. كان اللقاء نقطة ضوء مبشرة فى طريق تصحيح صورة النخب ودورها.