1 إنها السابعة صباحًا.. يندفع كعادته من بوابة تلك المدرسة الابتدائية.. يرتدي حلته الصيفية رمادية اللون.. لا يبدو أنه كان يملك سواها طيلة سنوات دراستي الابتدائية، قامته الضئيلة ومشيته السريعة المتلهفة على شيء لا يعرفه أحد، هي ما يميزه، اسمه "رمضان".. لم يكن يعلم أن اسمه سيصبح علامة لكل مدرسي اللغة العربية من زملاؤه.. بعد أن يجسد شخصيته –تقريبا- أحد ممثلي الكوميديا المشهورين. ينهمك في وضع اللمسات الأخيرة لأخبار الصباح كعادته.. يكتب الورقة بيده اليمني.. ويقبض بكتفه الأيسر على عصاه التي لا تفارقه أبدًا.. الا في الدقائق القليلة التي يستقل فيها دراجته ليذهب إلى المدرسة من بيته القريب.. فيضعها على الشبكة المعلقة أمامه. احببت الأستاذ رمضان.. رغم أنني لا أذكر أنه أبتسم لي، أو لغيري يومًا.. لكنني لم أنساه أبدًا.. كلنا نعرف الأستاذ رمضان.. كلنا نملك في ذاكرتنا أستاذ رمضان ما.. 2 "والآن مع أخبار الصباح" .. يهتف بها رمضان.. ثم يشير إلى الطالب الذي يمسك الورقة بعصاه.. ويقف منصتًا للطالب الذي يقف أمام الميكروفون العتيق الذي يبعث الصوت مصحوبًا بصدي عال.. مايسترو يقود فرقته الموسيقية.. يتابع تشكيل الكلمات التي تخرج من هذا الفم الصغير.. أنه يعتبر "نصب الفاعل" كارثة تستدعي الحكم بإعدام الطالب الذي يفعلها. يلقي المذيع الصغير الأخبار المنتقاة من الصحف بلغة عربية مشكلة أكثر من اللازم.. وهو يلتفت بطرف عينيه إلى وجه الأستاذ رمضان.. ليرى اهتزاز رأسه بالرضا عن تشكيل الكلمات. الكل يهاب الأستاذ رمضان.. لكننا أيضًا نحبه.. 3 - هو الأستاذ رمضان عنده أولاد؟ - أستاذ رمضان مش متجوز أصلا!! يجيبني زميل "التختة" العالم ببواطن الأمور دومًا.. لم اندهش لأنه غير متزوج.. فلم أكن اعتبر الأستاذ رمضان شخصًا طبيعيًا يمارس حياته مثلنا. مثل هذه الكائنات الأسطورية حتمًا لا تتزوج. بعدها بسنوات عديدة.. سأعرف بالصدفة أنه لم يتزوج لأنه كان محدود الموارد للغاية.. و يعول أمه المريضة من مرتبه القليل.. فلا يتبقى له منه ما يكفي للزواج. الأستاذ رمضان لا يعطي دروسًا خصوصية.. وهذا يعني أنه لا يتزوج.. ولن يفعلها ابدًا. 4 أسير ببطء وأنا أقود سيارتي في هذا الشارع المزدحم.. اتأمل وجوه المارة من حولي.. فألمح من يسير مسرعًا.. وأن ضاقت خطوته عن أعوام مضت.. لكنها مازالت مسرعة. لا يحمل العصا.. وإنما يحتضن جريدة مطوية.. أنه هو.. حتى وأن اشتعلت رأسه شيبًا.. لكنني أعرف أنه هو.. أتوقف بحدة، وأهبط من السيارة مسرعًا وسط نفير غاضب للسيارات من خلفي.. أهتف باسمه. - أستاذ رمضان يلتفت إلى بحدة.. أهرول إليه.. أتناول يده المعروقة بين يدي لأسلم عليه.. أنها ترتعش.. ومازالت خالية.. لم يتزوج.. لكنه يقبض على كفي بما يملكه من قوة لم يهزمها الزمن. - حضرتك مش فاكرني؟ أنا كنت تلميذ حضرتك في ابتدائي. تزداد قبضته علي يدي.. أنه لم يتذكرني.. لكنه سعيد أنني تذكرته.. يتمتم ببضع كلمات تعني التحية.. تزداد رعشة يديه. اتأمل شقوق العمر التي حفرت علي وجهه الأسمر.. وأجاهد كي لا تسقط تلك الدمعة الغادرة من عيني.. فأسحب يدي سريعًا وأنا استأذنه في الرحيل.. فيجيبني بابتسامة راضية.. ويمضي في طريقه.. لكنه هذه المرة يسير أسرع من كل مرة. أنه يشعر بالزهو.. أعلم هذا جيدا.. لكنني أسعد منه بكثير.. لقد رأيته يبتسم. 5 لم يحصل الاستاذ رمضان على المقابل المادي الذي يستحقه طوال سنوات عمله في التعليم.. ولم يحصل من هم مثله أيضًا.. على الرغم من نهم افنوا أعمارهم لنا. سوف يموت "رمضان" وحيدًا.. لأنه لم يملك يومًا ما يتزوج به.. ربما لم يشعر بالسعادة طوال عمره.. إلا حين برى تلامذته يسلمون عليه في الطريق. لم يعرف رمضان السعادة ألا لحظات قليلة.. لكنني سعيد أنني كنت السبب في بعضها. من كتاب "بعد الفسحة".. تحت الطبع