ظهرت تحالفات جديدة على أرضية مواجهة الإخوان المسلمين، ومشروعهم السياسى. ظهورها طبيعى من جانب أشخاص كانوا طرفاً فى التنافس السياسى والجدل فى الفترة الماضية: محمد البرادعى، حمدين صباحى، عمرو موسى، وغيرهم، منطلقين من تعبئة القوى السياسية المسماة بالمدنية أو الليبرالية. إعلان التناقض بين «التحالفات الجديدة» والمشروع «الإسلامى» هو العنوان الرئيسى. يبدو أن الاستقطاب له سوق سياسية بعكس ما كنا نردد فى السابق. فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس 2011م، ثم انتخابات مجلسى الشعب والشورى أشارت التجربة العملية إلى أن الاستقطاب والتناقض الحدى فى مواجهة المشروع الإسلامى يجلب الخسارة لأصحابه، لأن الإسلاميين -بحكم التكوين والحركة- يستخدمون الخطاب الدينى الذى يروق لمجتمع تعلو فيه المشاعر الدينية. ولكن الانتخابات الرئاسية جاءت بشواهد مختلفة. استطاع حمدين صباحى أن يحل ثالثاً بعد مرشح آخر لم يكن بعيداً عن «اللافتة المدنية»، وإن كان على أرضية النظام السابق «أحمد شفيق»، وعندما جاءت جولة الإعادة وخرجت النتيجة تعبر عن انقسام واضح، ذهبت القراءة النهائية إلى أنه لو أن حمدين صباحى أو عمرو موسى منافسين لمرشح الإخوان، الدكتور محمد مرسى، لكان حسم المعركة سهلاً لصالح المرشح المعبر عن القوى المدنية أو شبه العلمانية. إذن الاستقطاب قد يأتى بنتيجة لصالح المنافسين للإسلاميين، خاصة فى ضوء مؤشرات تراجع شعبية الإخوان المسلمين. حتى تكون هذه التحالفات رقماً صعباً فى الحياة السياسية ينبغى أن تخرج من خندق مواجهة الإخوان المسلمين إلى فضاء الممارسة السياسية الذى يقوم على وجود برنامج، ومشروع سياسى، وكوادر قادرة على المنافسة فى الانتخابات. سياسة الشارع إشكالية كبرى، حاول الإخوان المسلمون التعاطى معها بتكثيف الجرعة الدينية فى الخطاب السياسى، وتقديم الخدمات الرعائية، وتوزيع السلع التموينية. نجح ذلك بعض الوقت، لكنى أتوقع أن يتراجع تأثيره -وهو ما ظهر فى الانتخابات الرئاسية- وتخطئ التحالفات الجديدة عندما تنظر للشارع نفس النظرة الخدمية المباشرة، أو تنظر له نظرة فلسفية لا تخدم احتياجاته الأساسية. المجتمع المصرى بحاجة إلى مشروع سياسى تنموى جاد يربط حاضر المجتمع بمستقبله، ويجعل هناك إمكانية حقيقية لمواجهة إحباط اللحظة الراهنة. للأسف يغيب هذا المشروع عن كل القوى السياسية، بما فى ذلك القوى الليبرالية والإسلامية واليسارية. عرفت مصر أحزاباً، وعرفت تحالفات سياسية وأخرى انتخابية، ولكن تثبت التجربة أن نجاح هذه التجارب محدود بسبب غياب البرنامج، وعلو الذات، والرغبة فى تألق الزعامة، واحتكار الصدارة من جانب الوجوه المعتادة على مدار عقود، بحيث تصبح ممارسة السياسة صورة مكررة للإقصاء، والاستبعاد، لا تختلف معارضة عن نظام، أو زيد عن عبيد، كما يقال. التحالف الناجح لا ينطلق من مواجهة الآخرين، ولكن ينشأ من فكرة، ثم عمل، ثم أساس متين يستند إليه. وضوح الفكرة، وثبات الحركة، وجدية التنافس مدخل النجاح.