اليوم نتحدث عن دور ولى الأمر الخليفة العادل عمر بن الخطاب وكيف تعامل مع تلك الأزمة فى عام الرمادة.. لقد اتخذ عمر (رضى الله عنه) العديد من التدبيرات الحازمة، ووقف مواقف رائعة تدرَّس لخبراء الاقتصاد فى أيامنا هذه، وكان أساس ما اتخذه عمر من إجراءات هو: أولاً: التوكل على الله وليس التواكل؛ فقد كان عمر كثير الدعاء والتضرع والابتهال؛ فعن عبدالله بن عمر (رضى الله عنهما) قال: كان عمر بن الخطاب أحدث فى عام الرمادة أمراً ما كان يفعله، لقد كان يصلى بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلى حتى يكون آخر الليل ثم كان يخرج فيأتى الأنقاب، فيطوف عليها، وإنى لأسمعه ليلة فى السحر وهو يقول: «اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدى». ثانياً: العدالة حتى فى مواساته للرعية فى هذه المجاعة؛ حيث كان عمر يخرج بنفسه فى الليل ليشرف على غوث الجياع والعجزة والملهوفين؛ فعن أبى هريرة أنه رأى عمر فى عام الرمادة «يحمل على ظهره جرابين، وعكة زيت، فلما رأيته أخذت أعقبه (أمشى وراءه)، فحملنا حتى انتهينا إلى صرار، فإذا نحو عشرين بيتاً من محارب، فرأيت عمر قد طرح رداءه ثم ائتزر، فما زال يطبخ لهم بنفسه حتى شبعوا، وأرسل إلى المدينة، وجاء بالبعير فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ثم كساهم، وكان يأتى إليهم وإلى غيرهم». ثالثاً: القدوة والمثل؛ فعن عبدالله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده، قال: «كان عمر فى زمان الرمادة إذا أمسى أتى بخبز قد سرد بالزيت، إلى أن نحروا يوماً من الأيام جزوراً (جملاً) فأطعمها الناس، وغرفوا له طيبها، فأتى به، فإذا جزء من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، من الجزور التى نحرنا اليوم. قال: بخٍ بخٍ، بئس الوالى أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذا الإناء، وهات لنا غير هذا الطعام. قال: فأتى بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده، ويثرد ذلك الخبز، ثم قال: ويحك يا يرفأ! احمل هذا الإناء الذى يحتوى على لحم الجزور حتى تأتى بها أهل بيت يثمغ، فإنى لم آتهم منذ ثلاثة أيام، فأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم». ولما اشتد الجوع بالناس فى عام الرمادة، حلف عمر ألا يأكل بالسمن حتى يفتح على المسلمين عامه هذا، فصار إذا أكل خبز الشعير والتمر بغير أدم يقرقر بطنه فى المجلس فيضع يده عليه ويقول: «إن شئت قرقر وإن شئت لا تقرقر، ما لك عندى أدم حتى يفتح الله على المسلمين». هكذا يكون تصرف الخليفة الراشد، لقد صدق فيه قول على بن أبى طالب (رضى الله عنه) عندما قال له: «عففت فعفوا يا أمير المؤمنين، ولو رتعت لرتعوا». رابعاً: الإحساس بعظم وثقل المسئولية؛ فعن زيد بن أسلم قال: «إن عمر بن الخطاب طاف ليلة فإذا بامرأة فى جوف دار لها حولها صبيان يبكون، وإذا قدر على النار قد ملأتها ماءً، فدنا عمر من الباب فقال: يا أمة الله!! لماذا بكاء هؤلاء الصبيان؟ فقالت: بكاؤهم من الجوع. قال: فما هذه القدر التى على النار؟ قالت: قد جعلت فيها ماء أعللهم بها حتى يناموا وأوهمهم أن فيها شيئاً. فجلس عمر يبكى، ثم جاء على دار الصدقة وأخذ غرارة -وهو وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه- وجعل فيها شيئاً من دقيق وسمن وشحم وتمر وثياب ودراهم حتى ملأ الغرارة ثم قال: أى أسلم (أى ساعدنى لكى أحمله علىّ). قلت: يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك، قال: لا أم لك يا أسلم، أنا أحمله لأنى المسئول عنه فى الآخرة. فحمله على عاتقه حتى أتى به منزل المرأة وأخذ القدر وجعل فيها دقيقاً وشيئاً من شحم وتمر، وجعل يحركه بيده وينفخ تحت القدر -وكانت لحيته عظيمة فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته- حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده ويطعمهم حتى شبعوا ثم خرج». خامساً: استغلال كل موارد الدولة واللجوء إلى الأغنياء من عماله وشعبه من أجل طلب الغوث من الأقاليم عندما نفدت موارد بيت المال، ونفد ما عند أهل المدينة؛ حيث لجأ عمر (رضى الله عنه) إلى طلب العون من عماله، فكتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم. قال سيف بن عمر: «كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، فكان أول من قدم عليه أبوعبيدة بن الجراح فى أربعة آلاف راحلة من طعام»، وروى ابن كثير: «فكتب عمر إلى أبى موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد، وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر: يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمة، ووصلت قوافل عمرو فى البحر إلى جدة، ومن جدة إلى مكة»، وأيضاً أرسل إلى سعد بن أبى وقاص، فأرسل له بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة. وإلى والى الشام، فأرسل إليه بألفى بعير تحمل الدقيق.