ثلاثون عاماً، وهو يحاول، لكنه لم يفعلها أبداً، حتى إنه اكتسب شهرته من عدم الفعل، وليس من عمل الفعل، فلم يكن للرجل دور أكثر شهرةً، من كونه مجرد المرشح المحتمل لتمثيل شخصية «القذافى» فى فيلم سينما، إلى أن مات القذافى واختفى معه محيى إسماعيل، وكأنهما قد ماتا معاً وأخفيا السر الكبير معاً، ، فلا حس ولا خبر ولا سينما ولا لقاء تليفزيونياً يرتدى فيه الممثل المتنكر شبيه القذافى شكلاً وموضوعاً -محيى إسماعيل- بدلة القذافى ذات النياشين ويتحدث للمذيع بطريقته ويتقمص جنونه المعهود. فهل انتهى وله الممثل المصرى بلعب دور الزعيم الليبى بمجرد موته، أم أن ما كان يريد أن يقدمه محيى إسماعيل زمان للسينما عن القذافى، لم يعد هو ما يجب أن يقدمه الآن خاصةً وبعد أن تكشف ما تكشف من أسرار وتفاصيل وخيوط تربط القتيل ببعض رؤساء دول أوروبية وبعض رؤساء حكوماتها وبكل تلك الأجهزة المخابراتية العالمية التى أودت بحياته، وشرذمت شعبه وفتتت بلده وسرقت موارده حياً وميتاً؟ أضف إلى ذلك كل تلك الأحداث الدامية والمروعة التى تحدث فى ليبيا، ثم اربطها بما يحدث فى معظم البلدان العربية وفى ذات التوقيتات وبنفس الكيفية، حتى أصبح المختلف الوحيد بين ما حدث منذ 3 سنوات فى أى بلد عربى وآخر هو الكيفية التى انتهى بها الرئيس: الموت أو الحرق أو النفى أو السجن ولا «دايم غير وجه الله». ويقيناً ندرك أن أقصى طموح كان يسعى إليه قديماً أى ممثل يتمنى أن يلعب دور القذافى سينمائياً هو تجسيد وتقديم شخصية القائد المختل نفسياً أو الزعيم المجنون بالعظمة والمهووس بالسلطة والمسكون بالمال. لكن تلك الطريقة التى مات عليها حاكم ليبيا قبل ثلاثة أعوام فى ليالى الربيع والأريج والعبير العربى، وما آل إليه حال البلد المجاور لنا، وتلك الدول العظمى التى شاركت فى قتله والتمثيل بجثته، وهذهِ الحفرة التى انتهت فيها حياته تجعلنا نعتقد أن الرجل لم يكن يحكم شعبه باللجان الشعبية ولا بالحديد والنار بل بالأنظمة والأجهزة العالمية التى أخفت أسرارها فى مقبرته، ويجعلنا نفكر فى شكل مغاير لعمل فيلم عن القذافى، يشارك فيه ساركوزى وأوباما وبيرلسكونى كأبطال أساسيين. نحن فعلاً فى أمس الحاجة إلى كشف تفاصيل ليالى وسنوات حاكم ليبيا المغدور، إننا فى أشدّ الحاجة لكشف غموض تفاصيل حياته وموته ومدى ارتباط قدره المحتوم بنظرية المؤامرة الكونية على البلاد العربية، وعلى بعض الرؤساء العرب خاصةً من ماتوا مقتولين مثل السادات، وصدام حسين، بالدرجة التى جعلتنا نتأكد الآن وبعد مرور السنين وانقشاع الغمام أن الفاعل كان واحداً وما زال، رغم اختلاف الظروف والأزمنة التى مات فيها كل رئيس من هؤلاء، وبقدر هذا الالتباس الواضح أو الجنون الذى كنا نعتقده- فى شخصية «معمر القذافى» ظل محيى إسماعيل فى حياته الخاصة يمثل ذات الجنون ويمارس حياته كشبيه للزعيم الليبى الراحل، وليس كمحيى إسماعيل بطل فيلم «الإخوة الأعداء»، وصاحب الدور الصغير فى فيلم «خللى بالك من زوزو».. وهكذا اختلطت الحياة بالجنون أو الحياة بالفن أو الحياة بالمأساة.