قد يكون لديك ألف سبب للتفاؤل، لكنّ سبباً واحداً للتشاؤم كافٍ، لأن يقض مضجعك، ويضعك فى قلق طاغٍ يسد عليك كل سبيل للراحة، وينهش منك الحواس والأعصاب، ويستبد بالعقل والفكر، وكلما اقتربت ساعة الاستحقاقات الكبرى؛ الاستفتاء على الدستور، الانتخابات النيابية والرئاسية وبلوغ خارطة الطريق إلى بر آمن، طار النوم من العيون، وللقلق ينابيعه التى أعيت كل من حاول أن يقترب لسدها وتجفيف منابعها. بعض هذه المحاولات محفوفة بنوايا مخلصة، والبعض الآخر، ذر للرماد فى العيون. قلقنا الطاغى المستبد مصدره أن ثورة 30 يونيو بدلاً من أن تصحح الأخطاء والخطايا التى اقترفت بعد ثورة 25 يناير، راحت تكرر الأخطاء والخطايا ذاتها وتتعثر فيها، بل وخاطرت الثورة ووضعت يدها فى «شق الثعبان» نفسه الذى لُدغت منه مرة، وظنت أن ترياقه كافٍ لتحصينها هذه المرة من الموت! فى الموجة الأولى للثورة أخطأ الثوار والقوى المدنية وأخلوا الميادين وانصرفوا إلى حال سبيلهم وقد أسكرتهم نشوة النصر، ورضوا من الغنيمة بالإياب، بعد أن قدموا الوطن «هدية» للإخوان فوق طبق من النوايا الحسنة التى قادته إلى جهنم، وكبدته عاماً أو بعض العام من سوء الإدارة والحكم، وفجاجة السياسات والتوجهات، وخسة الكيد للخصوم والفرقاء، ونذالة التآمر على الوطن، وبيعه والتفريط فيه، وشق الصف الوطنى كما لم يشقه عدو من قبل. وأخطأت الثورة بعد 25 يناير حين تراخت فى التمسك بالأولويات، دستور أولاً، ثم برلمان، فرئيس، وتركت «الجماعة» ترتب -وفق منظورها البرجماتى الضيق- أولويات المرحلة الانتقالية الأولى، «فقدمت» الانتخابات، «وأخرت» الدستور. وهو خطأ تداعت بعده الخطوب والكوارث، وأخطأت الثورة بعد 25 يناير -ويبدو أنها بسبيلها إلى تكرار الخطأ- حين دخل زعماؤها المحسوبون عليها «مزاد» الرئاسة، وخاضوا صراع الديكة على كعكتها قبل أن تنضج، وأبوا أن يتوافقوا على مرشح من بينهم تجتمع حوله الإرادة الشعبية، فتركوا -فى نهاية السباق- شعبهم ممزقاً بين خيارين أحلاهما مر، ويبدو أن «غرور الديكة» و«صراع النرجسيات» يعيد إنتاج نفسه مرة أخرى، وقبل أن يجف المداد الذى كتب به الدستور؛ فى التلويح المستمر برئيس «مدنى»، تلويحاً لا يخلو من غمز ماكر يتطاير رذاذه على قائد عسكرى منقذ أعطته الجماهير الثائرة، ما لم تعطه لقادة الأحزاب والتحالفات الثورية الجديدة والقديمة، وقبلت بحسها التاريخى، الذى لا يخطئ، أن يكون خيارها المقبل لقيادة مرحلة هى الأصعب فى تاريخها، تترصد الوطن على مشارفها مخاطر داخلية وخارجية لا قبل لأحد غيره على مواجهتها، بحكم تقديره الصائب الدقيق للحظة الخلاص، وبحكم سلطان القوة القابض على صولجانه، وبالدور والتاريخ الوطنى للمؤسسة العسكرية التى ينتمى إليها، هل كان الاختيار الفرنسى الكاسح للجنرال شارل ديجول، محرر «باريس» من النازية الألمانية انقلاباً على الديمقراطية الفرنسية؟ أم نقطة وثوب جديدة لجمهورية فرنسية فتية، أكثر حضوراً وأكثر ديمقراطية، حتى إن قادها «عسكرى» منقذ ومحرر؟! وفى مراحل الانتقال الكبرى فى تاريخ الأمم بين «أن تكون أو لا تكون»، فإن كارزمية القائد هى وحدها التى تدحض «ثرثرة الصالونات» بين «وجهاء» السياسة حول ثنائية «المدنى - العسكرى»، وتسفه خرافات الفوضويين حول «حكم العسكر» وغيرها من سقط متاع المصطلحات التاريخية الموروثة من المقريزى وابن إياس والجبرتى الذين نقلوا إلينا جرائم عسكر المماليك والإنكشارية، وجور الشراكسة واستبداد «سارى عسكر» نابليون وغيرهم من «أغاوات» العسكر المرتزقة المجلوبين من القوقاز والأناضول. وشتان بين هؤلاء والجند المنحدرين من أصلاب الفلاحين المصريين، الذين أقاموا الدولة الحديثة وحافظوا ولا يزالون على استقلالها. آفة الثورة منذ 25 يناير 2011، وآفتها التى تتكرر بعد 30 يونية 2013، فى اختياراتها لحكامها ورؤوس حكامها، فهم أقصر قامة وأقل هيبة من قامة الثورة وهيبتها، وهم -بعد 25 يناير و30 يونيو على السواء- أكثر تردداً وتلكؤاً وارتعاشاً من جماهير ثورية هادرة باترة قاطعة متعجلة للقصاص والعدل، لكنها حائرة بين بيئة ثورية فائرة ناضجة وحكومات محافظة مرتعشة مترددة فاترة، والتردد والتلكؤ والارتعاش والفتور أورثنا -فى البدء- حكم الإخوان، وأوردنا مواردهم، وهو ينذر إذا ما استمرت الأخطاء ذاتها وتكررت، بإعادتنا مجدداً إلى حظيرتهم، منكسة رؤوسنا، ذليلة جباهنا، منقادة إرادتنا نحو مصير مجهول، وهل ترى فرقاً كبيراً يعكس الحالة الثورية والمزاج الثورى للمصريين، بين حكومات أحمد شفيق وعصام شرف وكمال الجنزورى وهشام قنديل وحازم الببلاوى، أسماء مختلفة والوجهة واحدة، وتنويعات متعددة على نغم واحد، يشبهون فى تعاقبهم تعاقب الوزارات فى عهد الحزب الوطنى البائد، بل إن بعض وزاراتهم منحدرون إلينا من حكومة أحمد نظيف، وكأن الرحم الخصيب الولود عقم وجفت ينابيعه. ولا تحسبن سوء الإدارة وارتباكها «وباء» أصاب الحكومة ونجا منه الباقون، حتى لجنة الخمسين، وجدت نفسها تخوض «حقل ألغام شائكاً»، يهدد بنسف خارطة الطريق، ويعود بالثورة القهقرى إلى نقطة الأصل، فقد وجدت القوى السياسية فى الخمسين «وليمة» لتوزيع المغانم والحصص، ولم تترفع عن التكالب على «قصعة» الدستور وتعف عن مغانمه، وتستدير للمهمة النبيلة التى انتدبت لها، وهى صياغة دستور جديد لدولة عصرية مدنية ديمقراطية. والثورة، وهى تدنو من ساعات الاستحقاق الكبرى، تبدو وكأن رصيدها الثورى يتآكل، وكأن يداً خفية تسرق جماهيرها، وكأن الوهج المبهر الذى أضاء ضمير مصر فى 30 يونيو يخفت ويختفى تحت «صدأ» الأخطاء المتراكمة من سوء الإدارة، وتخبط قراراتها وترددها، ومن إحباطات المواطنين وتردى أحوالهم المعيشية، وانكشافهم أمام الموت والإرهاب وغلاء الأسعار وشحة الوقود، من غير غطاء اجتماعى أو سياسى يحميهم ويرد عنهم غائلة الفساد والاستبداد، ويُخشى من يوم قريب يخرج فيه المواطنون إلى صناديق الاستفتاء على الدستور، فلا يجد رصيداً شعبياً كافياً لتمريره. عندئذ سوف يكون «التصويت السلبى» على دستور الثورة فى 2013، هو الوجه الآخر «للتصويت الإيجابى» على دستور الإخوان فى 2012. فى المرتين النتيجة واحدة، حالة من حالات الانتحار الديمقراطى. لكن ما زال لدينا وقت -وإن كان قصيراً-، وما زال بيدنا أن نرمى للثورة بطوق نجاة.