يأتى الرؤساء ويرحلون، يصيبون ويخطئون، ولكن القليل منهم من يستحق لقب الزعيم، فالزعامة ترتبط أساساً بالانحياز إلى مطالب الشعوب فى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ومن منا لا يذكر أحمد عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول وجمال عبدالناصر، هؤلاء الزعماء الذين بذلوا كل غال ونفيس من أجل تحرير شعوبهم والارتقاء بأحوال بلادهم إلى حياة كريمة فى عزة وإباء. بعد معركة طاحنة مع السرطان، أُسدل الستار على حياة الزعيم الفنزويلى هوجو تشافيز عن 58 عاماً، وبعد أن حكم بلاده على مدى أربعة عشر عاماً وفق نظام اشتراكى قائم على ترسيخ صلاحيات الدولة فى الاقتصاد، ورفض السياسات الاستعمارية، وخاصة الهيمنة الأمريكية، لتشهد فنزويلا بعده حالة من عدم اليقين. ولد تشافيز عام 1954 ونشأ فى أسرة فقيرة فى أحد أحياء كاراكاس العاصمة. استطاع أن يرسم لنفسه ملامح الطريق للنهوض ببلده، واستلهم الرجل تجارب وخبرات زعامات وطنية طاغية فى قارته أمريكا اللاتينية مثل سيمون بوليفار، وتشى جيفارا، وفيدل كاسترو، ومن خارج القارة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، حيث أدرك تشافيز بعمق توجهاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى دفعت مسيرتهم بحيث أصبحوا نماذج للاستقلال الوطنى والعدالة الاجتماعية والحرية الإنسانية ضد قوى التخلف والإمبريالية. كان يصف نفسه بأنه «نصير الفقراء، ومتزوج من الوطن»، وكان يتمتع بحيوية كبيرة وحضور طاغ، وكان يطمح فى إنجاز مشروعه «اشتراكية القرن الحادى والعشرين»، وبالفعل بدأ مشروعه الاشتراكى هذا المستوى من الزعيم «سيمون بوليفار» رمز الكفاح من أجل استقلال البلاد من الاحتلال الإسبانى. قاد تشافيز تحالف مجموعة من الأحزاب اليسارية لتحقيق الفوز فى الانتخابات الرئاسية لعام 1998 بنسبة 56% من أصوات الناخبين، وتولى رئاسة البلاد وهو فى الرابعة والأربعين من العمر ليصبح أصغر رئيس يتولى حكم فنزويلا. كان تشافيز من المناهضين للعولمة باعتبارها أحد أشكال الاستعمار الجديد الذى تهيمن عليه الولاياتالمتحدةالأمريكية عبر سيطرتها على البنك الدولى وصندوق النقد الدولى ومنظمة التجارة العالمية، واستمد تشافيز شعبيته من الاعتماد على تنفيذ برامج اجتماعية وإصلاحات اقتصادية فى مجالات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، ولعل من أبرز إصلاحاته توزيع الأراضى على الفقراء بعد أن كانت فى أيدى زمرة قليلة من المواطنين، كما عمل على ضبط أسعار البترول حتى أصبح الناس الأكثر فقراً يشعرون بامتنان لا حدود له ويرون أنه استعاد لهم كرامتهم. وفى عام 2002 دعمت الولاياتالمتحدةالأمريكية انقلاباً على شرعية هوجو تشافيز بقيادة مجموعة من أصحاب الاحتكارات النفطية الكبرى فى كاراكاس، وهو الانقلاب الذى أحبطته جماهير الفقراء والمهمشين الذين هبوا للدفاع عن الرجل الذى سبق أن أنصفهم وحوّلهم من محرومين إلى ملاك أسهم فى الشركات المنتجة والموزعة للنفط، فضلاً عن استفادتهم من عائدات النفط التى كانوا يسمعون عنها ولا يرونها عبر سلسلة من المشروعات الاجتماعية التى ساهمت إلى حد بعيد فى خفض معدلات البطالة وارتفاع مستوى المعيشة. استطاع هوجو تشافيز حشد ملايين الشباب «ذوى القمصان الحمراء» من أنصاره النشطاء الذين عملوا على حث الجماهير على الذهاب إلى صناديق الاقتراع لهزيمة الشيطان، أى هزيمة الإدارة الأمريكية مجسدة فى شخص الرئيس جورج بوش الابن، وفى يوم الأحد 3 ديسمبر 2006 توجه أكثر من 16 مليون ناخب لاختيار أحد المرشحين للرئاسة من بين مانويل، روزا المرشح اليمينى وأحد قادة الانقلاب الذى جرى ضد الشرعية فى عام 2002، وهوجو تشافيز الذى فاز بالرئاسة بنسبة 76% من أصوات الناخبين. وبعد تنصيبه للرئاسة وجّه تشافيز التحية إلى الزعيم الكوبى فيدل كاسترو الذى كان يعتبره الأب الروحى للثورة، كما قدم التحية إلى روح الثائر تشى جيفارا، مؤكداً أن بلاده فنزويلا تُعتبر الأغنى فى مجال النفط فى قارة أمريكا اللاتينية، وأن بلاده لن تكون على الإطلاق مستعمرة أمريكية، وإنما ستكون مجتمع المساواة والعدالة والتنمية والفضيلة. وللحديث بقية.