الشارع المصرى مثل البحر الهائج الملىء بالأمواج ولا يكاد تيار قوى يغلب ويأخذ البلد فى اتجاه إلا وقابله تيار آخر معاكس يعطل المسار وقد يحول الاتجاه إلى مسار آخر. حدث هذا مراراً منذ بدء الثورة وإلى الآن، وما زالت الأمواج متلاحقة بلا توقف والله وحده يعلم أين ستتجه سفينة الوطن. وإذا سألت أحدا فى وسط هذه الدوامة: أين المصير؟ أو ما الهدف؟ فستجد إجابات تخلط بين الهدف والاستراتيجية والتكتيك. الإخوان مثلاً هدفهم انتخابات البرلمان ويشعرون بأنهم يخسرون منذ نزولهم إلى الاتحادية بميليشيات تضرب وجوه الناس، وبالتالى غيروا استراتيجيتهم من «المواجهة» إلى «الدعوة للحوار»! هدفهم إذن هو استكمال الإطار الذى بدأ بالدستور والآن على وشك الوصول إلى محطة الانتخابات البرلمانية تتبعها المحليات وبهذا يكتمل البناء السياسى! لا يهمهم إذا كان هذا البناء سيقع على رؤوس الجميع لأنه بناء بأساس منقسم. كل ما يهمهم هو هدف «التمكين»، والاستراتيجية «كسب الوقت بالحوار حتى يستكمل الإطار» والتكتيك المرحلى هو «الانسحاب من الشارع لكى يخطئ الآخر» فيكرهه الناس ويساعد ذلك فى ترميم صورة الإخوان! الثوار على النقيض من ذلك ينزلون الشارع ليل نهار ولا يهدأون؛ فهم لم يقوموا بالثورة من أجل عصر جديد ل«مبارك بذقن»، لكن من أجل عصر جديد تتلاشى فيه دولة الفساد وتتحول إلى دولة طبيعية تخدم أهلها وغير منبطحة للخارج! ولأن الشعب لم يمنحهم ثقته فهم غير قادرين على تحقيق أهداف الثورة (العيش والحرية والكرامة الإنسانية) ولا يستطيعون أن ينسوا هذه الأهداف؛ فمن أجلها ثاروا ومن أجلها يكملون المشوار. ودون أهداف الثورة يأتى هدف آخر مرحلى وهو «إفشال التمكين»، والاستراتيجية هى «التصعيد الميدانى» للحيلولة دون إتمام البناء السياسى، والتكتيك المرحلى هو «المظاهرات» على الأقل إلى الآن. وإذا لم تقتنع بمسار الثوار فمن فضلك أجب عن السؤال التالى: لو سكت الثوار فماذا بعد؟ الجيش يقف على نفس المسافة من كل الأطراف (أو هكذا أظن)! وهدفه الاستقرار للوطن، وقد يكون فى النوايا ما هو أبعد من ذلك مثل العودة إلى إدارة شئون الدولة! والاستراتيجية هى ترك الحال على ما هو عليه حتى يصبح التدخل مطلبا شعبيا وحتميا، سواء بسبب تفشى العنف فى الشارع أو لفشل الحكومة والرئيس فى قيادة البلد. ولنا فى مدن القناة خير شاهد، فلما فشل الرئيس بسياسته، ناهيك عن خطبه، وفشلت الحكومة ذات تصريحات «تنظيف الثدى» لم يسعف «المقطم» الاتحادية؛ فلجأت الرئاسة إلى «مجلس الدفاع الوطنى» وبعدها نزل الجيش لمدن القناة. وكأن التكتيك المرحلى للجيش «لا تكن أحمق وتسرع الانتقام؛ فيوماً ما سيأتى النهر بجثة غريمك». الشعب بين كل هؤلاء يستوعب ما يدور من حوله وهو قلق من ضياع الوقت فى الصراعات؛ لأن هذا معناه زيادة الضغوط الاقتصادية عليه. وفى نفس الوقت لو نجح الثوار وكسروا الإطار ولم تقم الانتخابات البرلمانية فحتماً سيعود العنف للشارع بين الإخوان والثوار وقد يعود الجيش! أما لو نجح الإخوان ووصلنا لانتخابات البرلمان فسيعاقب الشعب الثوار مرة أخرى؛ لأن الشعب لا يرضى عن العنف! ولذلك أهيب بالثوار أن يغيروا النمط: نزول مسيرة يتبعها انفلات يصل للعنف تتبعه تضحيات جسيمة ثم لا شىء بعدها، إلا أن الشعب لا يستريح أكثر ولا يضع ثقته فيهم! وبالتالى يجب أن تتغير الطريقة! ولنا فيما حدث فى 25 يناير هذا العام العبرة؛ فالثوار نزلوا ضد الإخوان فإذا بهم يشتبكون مع الشرطة! يبقى سؤال أخير، بعد الإخوان والثوار والجيش: يا ترى ما هدف الأمريكان؟ وما استراتيجيتهم؟ وما تكتيكهم المرحلى؟!