لم يتخيل أحد أن تصل السوق الإعلانية فى مصر للحال التى وصلت إليه مؤخراً، بعد فترة من الازدهار، شجعت عددًا كبيرًا من رجال الأعمال للاستثمار فى مجال الإعلام، إلا أنه سرعان ما تحول الأمر إلى أزمة بعدما انهارت عوائد السوق الإعلانية، بصفة عامة وأصبحت لا تكفى لكم وسائل الإعلام التى تخطت ال 200 قناة فضائية خاصة و38 شاشة تليفزيونية حكومية و44 إذاعة، وأكثر من ألف مطبوعة تصدر شهرياً، وآلاف الطرق السريعة والداخلية والميادين والكبارى فى الإعلانات المضيئة. ومع كل ذلك حتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة تكشف عائد الإعلانات فى مصر، إلا أنها تقدر ب 2 ونصف المليار جنيه سنوياً بالنسبة لوسائل الإعلام المرئية فقط فى الوقت الذى تنفق فيه القنوات الفضائية ما يقرب من 3 مليارات ونصف المليار ما يؤكد أن هناك مليار جنيه خسارة سنوية موزعة على القنوات، وبسبب العشوائية الشديدة التى تسير عليها الإعلانات فى مصر، وعدم وجود قواعد تحكمها، أصبح الإعلام معرضًا لأزمات طوال الوقت، وهو ما حدث بالفعل فى الفترة الأخيرة بالقنوات الفضائية بداية من إغلاق قنوات مثل two والمحور 2 والفراعين وتخفيض أجور العاملين بباقى القنوات وتسريح عدد أكبر منهم. ليس ذلك فحسب بل شهد هذا العام أيضاً انخفاضاً فى تعاقدات الإعلانات سواء بكم الإعلانات أو الأسعار واقترب الأمر للأزمة التى شهدها العالم العربى عام 2009 بعدما انخفضت التعاقدات الإعلانية ل 35 % بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية، وتأثرت السوق الإعلانية بقوة، وأغلقت مؤسسات إعلامية عالمية أبوابها بسبب الأزمة من ناحية وانخفاض حصتها من الإعلانات من ناحية أخرى، وبدأت بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية فى تقليص أعبائها وتكاليفها، ووصل الأمر إلى حد إغلاق بعض الصحف والقنوات. ويتوقع خبراء التسويق أن الخروج من هذه الأزمة لن يتم إلا بعد أن يعيد القطاع الإعلانى فى مصر ترتيب نفسه خلال العام الجارى باندماج وكالات إعلانية متعددة وخروج أخرى من السوق ومن المقرر أن تشهد الفترة المقبلة معركة طاحنة بلا رحمة للبقاء خاصة أن معظم الوكالات اضطرت إلى حرق الأسعار بعد أن قرر عدد من المعلنين تخفيض الإنفاق الإعلانى على الفضائيات واستغلالها فى التسويق الإلكترونى بعدما أكدت دراسة حديثة أن الأوقات التى يقضيها المستهلكون أمام الإنترنت فى تزايد مستمر وأن هذا التزايد أدى بالتبعية إلى إنفاق إعلانى ضخم من قبل المعلنين ومن المتوقع أن يفوق التوقعات خلال عام 2016، خاصة أن الإنفاق الإعلانى على الإنترنت منذ سنوات قليلة كان لم يتجاوز ال 10 % مقابل 90 % للتليفزيون، أما الآن فقد وصل إنفاق المعلنين على الإنترنت إلى 50 % مقابل 50 % أخرى للتليفزيون، ما يعنى أن هناك طفرة خلال السنوات المقبلة ستغير ملامح السوق الإعلانية. بعدما أدرك المعلنون ذلك وأصبح لديهم رغبة شديدة فى الإعلان عبر البريد الإلكترونى والإعلام الاجتماعى، والبحث والتسويق بعيداً عن جماهير قراءة الصحف أو مشاهدى التليفزيون أو مستمعو الراديو، التى سيتقلص مشاهدتها حيناً تلو الآخر ولا تجد من يمولها ولا يتماسك من الوسائل المرئية التقليدية سوى الذى يدرك هذا الأمر ويستعد للمنافسة ال online، ومن المتوقع أن يرفع المعلنون حجم إنفاقهم على إعلانات الإنترنت نظراً لقدرتهم على شراء المزيد من الإعلانات مقارنة بما يشترونه على التليفزيون أو الراديو. وعن هذا أجرت شركة فوريستر للأبحاث دراسة على السوق الإعلانية وتوقعت أن يبلغ الإنفاق على الإنترنت ما يقرب من 103 مليارات دولار بحلول عام 2019 بزيادة سنوية قدرها 13 %، مقارنة ب 86 مليار دولار فقط يتم إنفاقها للإعلان على التليفزيون.