قررت هذه المرة أن أستمع قبل أن أكتب.. قررت أن أتنازل عن رأيى لأستمع إلى رؤى الآخرين.. قررت أن يكون نبض الشارع هو بوصلتى الأدبية.. قررت أن يكون مداد قلمى هو صوت وطن يحتضر وشعب على حافة الغليان.. كتبت على صفحتى بال«فيسبوك» أسأل أصدقائى: «هل توجد لديكم أى أفكار قد تُساعدنى على كتابة مقالى؟»..
فوجئت بسيل الردود.. وفوجئت بكم الأثقال التى أصبحت تجثم على أنفاس الجميع.. فالكل يُعانى بطريقته.. كل واحد منا بات يبحث عن حل لمشكلة تؤرقه، قد تبدو لأول وهلة كأنها مشكلة شخصية، لكنها فى النهاية مشكلة دولة..
دولة انشطرت بين حقبتين.. فلا أنصفتها الأولى ولا أنقذتها الثانية..
مصر قبل الثورة كانت وطناً مُنقسماً إلى فئتين.. فئة احترفت الفساد فكانت مثل الخفافيش لكنها تعيش فى النور وتحيا على امتصاص دم الوطن.. وفئة توارت فى الظلام حين لم يعد لديها أمل ولا حُلم ولا حتى مكان تحت الشمس.. لكننا كنا نُحبها وعلى الرغم من قسوتها علينا أحيانا إلا أنها كانت تسكن قلوبنا وتحتل مشاعرنا.. فتعودنا أن نبكيها لحظة الفراق.. ونُعانقها وقت العودة.. (باختصار كان فيها حاجة حلوة!)..
ومصر بعد الثورة.. انقسمت إلى ثلاث جبهات.. جبهة الشباب الذين آمنوا بالثورة واتخذوا على أنفسهم وعداً بالقصاص للشهداء.. وجبهة الفلول الذين أبوا أن تقوم مصر من تحت الأنقاض أو حتى أن تتخلص من أصفاد العبودية.. وجبهة الإسلاميين الذين لم يكن لهم أى وجود فى عصر الظلم والظلام، فتم تهميشهم وقمعهم فى قباء سحيقة، وحين حانت اللحظة عادوا للانتقام..
هكذا تعلق الجميع فى طرف ثوبها فجروها للخلف، وكلما حاولت النهوض تعثرت وعادت لتجثو على ركبتيها.. فمصر التى أصبحت على جهاز التنفس الصناعى، بات كل أبنائها فى حالة من الصراع النفسى.. وبدون أى مقدمات أصبحت فى عيونهم (مافيهاش أى حاجة حلوة!).
لقد استشعرت مدى اليأس الذى أصبح يدب فى نفوس الجميع عقب ردود أصدقائى على سؤالى.. هكذا أخرجوا ما يجيش بصدورهم فى سطور..
سألنى صديق: «كيف كان شعورى دائما هو الشوق عند عودتى من السفر إلى أحضانها، أما اليوم فعودتى لم تعد تعنى سوى (حنرجع للقرف ووجع القلب تانى).. كيف تحول شعورى من كل هذا الحب إلى منتهى اليأس والإحباط؟»..
فكان ردى: إنه انتماء المواطن المصرى الذى ما زال سرابا بلا وجود حقيقى..
وطالبتنى صديقة بأن أكتب عن قطارات مصر المتجهة إلى الإسكندرية، وعن شعور من ظلوا عالقين بها من الصباح وحتى المساء فى انتظار الفرج، ثم اضطروا إلى اللحاق بالقطارات الاحتياطية التى تسير بلا تكييف ولا خطة، إنها فقط تعج بالبشر والحشرات الزاحفة..
فكان ردى: إنها آدمية المواطن المصرى التى لا تزال تُهدر بكل قسوة..
وطالبنى البعض بالتعليق على أحداث سيناء، وأهمية الأرض التى أعدناها بالدم وحاوطناها بأرواحنا.. ثم انتهك عرضها وأصبح اغتصابها وشيكا.. سألنى الأصدقاء:
« كيف سكت الجيش وسكنت الشرطة وغضت الحكومة بصرها عن جزء من وطننا يُسلب من بين أيدينا؟ كيف أصبحت مشكلة غزة أهم عند النظام من هموم سيناء؟»..
فكان ردى: إنه الاستسلام الذى لايزال يجرى فى عروقنا، والنظام البائد الذى أعدنا استنساخه من جديد.
وصرخ فى وجهى صديق: «التعليم الفاشل».. مازالوا يحشرون فى رؤوس أبنائنا كل يوم المعلومات الواهية والأرقام الخاطئة والإنجازات الوهمية، فلايزال شغلنا الشاغل فى كتب التاريخ هو مصانع الحديد والصلب والفوسفات التى تنتج السماد السوبر! لقد أصبحنا فى غيبوبة تعليمية بلا أمل فى أى تغيير تمنينا أن تُحدثه الثورة..
وكان ردى: إنها محاولة تعتيم العقول التى لا تزال تُطبق بنجاح لإجهال الأجيال القادمة..
وطلبت منى صديقة الحديث عن الزواج المُبكر وكيف يراه السلفيون حلا لكل مشاكل التحرش بمصر، وكأن الأفلام المبتذلة والأخلاقيات المُتدنية والعقائد المُنهكة والبطالة المتوحشة، أسباب لا تكفى لخلق مجتمع كامل من المتحرشين؟!
وكان ردى: إنه فكر العصر الجاهلى التى لا تزال نظرة المُعاقين فكريا فيه للمرأة هى نظرة الوعاء الذى يستخدم للإنجاب والجسد الذى خُلق للمتعة!..
هذه باختصار هى مصر الثورة.. مصر النهضة.. مصر التغيير.. ومصر الأمل..
هكذا يتحول الشعور بالوطن الذى يُعانى أبناؤه من فقر مادى وفكرى وحضارى إلى غُربة وعُزلة.. فكما قال على (رضى الله عنه): «المال فى الغربة وطن.. والفقر فى الوطن غربة»..