■ بقلم: إسلام الكتاتني وبعد أن أصدر العادلى أمره بالانسحاب وكان ذلك فى تمام الرابعة عصرا تنفسنا الصعداء نحن المتظاهرين بميدان الجيزة. فأخيرا انفك الكوردون الأمنى الكثيف بعد حصارنا قرابة الثلاث ساعات وأكثر، والمواجهة بيننا وبينه لم تتوقف لحظة واحدة بين إطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع (المسموح بها دوليا) وبين الكر والفر من الثوار من ناحية أخرى.. هذا كان حالنا نحن المتظاهرين القادمين من مناطق غرب الجيزة (فيصل والهرم وخاتم المرسلين والشوارع الجانبية)، أما المتظاهرون القادمون من مناطق إمبابة والمهندسين والدقى (مناطق شمال ووسط الجيزة) فقد سبقونا مبكرا للوصول إلى كوبرى قصر النيل، فلم تكن هنالك كوردونات أمنية تعيق حركتهم مثل كوردون مسجد الاستقامة، فقد كان هنالك تركيز عليه لأن البرادعى كان من المفترص أن يخرج منه وينطلق إلى ميدان التحرير.. وصل متظاهرو شمال ووسط الجيزة إلى كوبرى قصر النيل قبلنا، وحدثت هناك المواجهة الشهيرة التى التقطتها كاميرات الفضائيات التى صورها البعض من فندق سميراميس والتى صلى المتظاهرون العصر هناك على الكوبرى والتقطت الكاميرات تدافع المتظاهرين والكر والفر أمام سيارات الكوردون الأمنى التى كانت تلقى عليهم قنابل الدخان وترشهم تارة أخرى بالمياه فى محاولات يائسة لتفريقهم، وبينما كان الحال على كوبرى قصر النيل كنا نحن محاصرين بميدان الجيزة بين كر وفر استمر حتى الرابعة عصرا، حين تم الانسحاب بأمر من العادلى فانطلقنا إلى شارع مراد كأنما وُلدنا من جديد.. يالها من لحظات تاريخية عشناها وتذوقنا طعم حلاوتها تارة ومرارتها تارة أخرى.. فقد جمعنا الحلم وها نحن نراه الآن يولد على أيدينا أثناء سيرنا والهتافات تهز أركان الشوارع والبيوت، وتستقبلنا ربات البيوت اللاتى لم يستطعن النزول للشارع بأن يلقين علينا زجاجات المياه لنروى عطشنا، وفوجئنا بالحلوى والشيكولاتة تلقى علينا من النوافذ والبلكونات تحية لنا ودعما وتأييدا، وكنا كلما هتفنا: يا أهالينا انضموا لينا.. كان الرد علينا بمثل تلك المشاهد الرائعة من المصريين.. مشاهد سجلها التاريخ لعظمة هذا الشعب ومدى حبه لبلده ومدى عبقريته.. وبينما أنا أسير وسط تلك الجموع الحاشدة رأيت بعضا من نخبتنا المصرية يشاركون.. وكان ممن رأيت الأستاذ إبراهيم عيسى يلف علم مصر حول كتفيه (هذه مشاهداتى ولا تعنى بالضرورة تأييدى له فى بعض توجهاته الفكرية والسياسية).. فقط أنا هنا أرصد ما رأيته حينها فى ذلك اليوم التاريخى المشهود.. لأن مواقف النخبة تبدلت وتغيرت بعد ذلك. ووصلنا إلى ميدان الدقى وبالأحرى عند قسم شرطة الدقى، وكان ذلك بعد المغرب وبدأ الليل يعم الأرجاء والظلام يتسلل رويدا رويدا حتى سيطر على المكان. وحين وصلت إلى هنالك رأيت إحدى سيارات الشرطة (سيارة ترحيلات) تقف على كوبرى الجلاء الصغير الواقع بين الأوبرا وقسم الدقى.. رأيت هذه السيارة وبها آثار الحريق والتلف.. يبدو أنه قد حدث لها ما حدث قبل وصولنا، أو بالأحرى مع المجموعات التى سبقتنا إلى ميدان التحرير التى قدمت من مناطق شمال ووسط الجيزة، وهذا يحتاج إلى تأصيل لتلك المواقف والأحداث التى اتسمت بالعنف، وسوف نأتى لذلك أثناء السياق والمقالات القادمة.. فمن خلال رصدى ومشاهدتى لهذا اليوم التاريخى العظيم.. أذكر أثناء مرورنا ونحن فى الطريق إلى ميدان التحرير متجهين من شارع مراد مررنا على مديرية أمن الجيزة، وهناك قدمنا التحية للضباط والجنود.. وهتفنا فى نفس واحد: سلمية سلمية.. وكان هذا سلوكنا وسلوك غالبية الثوار، الالتزام بالسلمية بعكس البعض ممن مارسوا العنف فى ذلك اليوم المهيب.. وحين وصلنا إلى قسم الدقى انقسم المتظاهرون إلى قسمين: قسم صمم على استكمال طريقه للوصول إلى ميدان التحرير.. والآخرون تريثوا وافترشوا الميدان ليروا ماذا سيفعلون، خاصة أن الظلام بدأ يعم المكان وأطفئت أعمده الإنارة فى الشارع المؤدى لدار الأوبرا المصرية، بالإضافة إلى سماع بعض دوى طلقات رصاص متقطعة بين الفينة والأخرى، ولا ندرى أهو رصاص حى أم خرطوش إلخ؟!.. فكنا لا ندرى مصدر تلك الطلقات فآثرنا التريث قبل الانطلاق إلى ميدان التحرير.. وأثناء ذلك رأيت ثلاثة من النخبة المصرية وقفوا على قاعدة النصب التذكارى للجندى المجهول أمام قسم شرطة الدقى ويحملون ميجافون (مكبر صوت) ليخطبوا فى المتظاهرين وهم المخرج خالد يوسف والفنان خالد الصاوى والأستاذ حمدين صباحى.. (وكما قلنا هذه مشاهداتى ورصدى لتوثيق ذلك اليوم المهيب لا يعنى هذا تأييدى لأفكار ومواقف هؤلاء الأساتذة، فالمواقف تبدلت وتغيرت كثيرا بعد ذلك، والأحداث والمواقف وحدها هى الكفيلة بالحكم على هؤلاء ممن كانوا يمثلون ساعتها النخبة السياسية المصرية)، وكان مما قاله الأستاذ حمدين أن نزول الجيش هو آخر ورقة بيد مبارك، وهذا إيذان بانتصار الثورة، (فالجيش فى كل الأحوال هو جيش مصر وسوف يقوم بحماية مصر والحفاظ عليها وعلى أبنائها ضد أى فوضى قد تحدث فهو صمام أمان لنا جميعا)، لذا لا نتعجب حين قابل المصريون نزول جيشهم بالترحاب والتهليل وهتفوا هتافهم الشهير: الجيش والشعب إيد واحدة.. الجيش والشعب إيد واحدة.. ولا ننسى اللقطات التاريخية التى حرص على التقاطها الثوار وهم يلتقطون صورهم بجوار الدبابات والمدرعات بل وعلى أسطحها ومع الضباط والجنود.. والأروع التقاط تلك الصور مع أبنائهم وزوجاتهم وهم فى منتهى الفرح لإحساسهم بأن جيشهم هو حامى الحمى والحصن الحصين ودرع الأمان لحماية مصر ضد أى مظاهر فوضى أو تقسيم أو اقتتال داخلى.. ولا شك أنه عمود الخيمة التى يستند عليها المصريون وأنه حجر عثرة أمام مخطط تقسيم مصر وإشاعة الفوضى كما حدث للأسف فى بلاد عربية أخرى شقيقة.. فالجيش كان وما يزال هو العامل الحاسم والفارق أمام فشل مخطط الفوضى والتقسيم.. حفظ الله مصر وشعبها وجيشها نستكمل فى الحلقة القادمة بإذن الله لنرصد مواقف من أُطلق عليهم شباب ثورة يناير..