تراجع سعر الجنيه الذهب اليوم الاثنين 23 مارس.. ننشر آخر تحديث    التفاوض.. أو الكارثة!!    لآول مرة بقميص منتخب مصر.. حسام وإبراهيم يرحبان ب هيثم حسن    ESPN: الاتفاق تم.. زيدان مدربا لفرنسا بعد كأس العالم    القبض على سارق حديد حواجز مترو الأنفاق في الإسكندرية    تعرف على أجمالي إيرادات أفلام عيد الفطر 2026    «المراكز الطبية» تكثف المرور على مستشفيات زايد والهرم والعجوزة وإمبابة خلال العيد    الجيش الإيراني يسقط طائرة مسيّرة أمريكية جنوب شرق البلاد    سلوى عثمان تكشف عن الثلاثي الأفضل في موسم دراما رمضان 2026    نقيب المحامين يناقش تطوير العمل النقابي مع مجلس نقابة سوهاج وأعضاء اللجان    تحرير 53 محضرا تموينيا متنوعا لمخابز بلدية بالبحيرة    تحرير أكثر من 106 آلاف مخالفة مرورية خلال 24 ساعة    الدفاع الكويتية: اعتراض وتدمير صاروخ باليستي واحد خلال ال24 ساعة الماضية    ضربات ديمونة وعراد.. كيف هزّت المجتمع الإسرائيلي؟    بعد مشاركتها في "رأس الافعى".. هبة عبدالغني تواصل عرض مسرحية "أداجيو .. اللحن الأخير"    كنت هفقد الوعي.. صابرين النجيلي تكشف أصعب مشاهدها ف«اتنين غيرنا»    وزير المالية الإسرائيلي: المعركة في لبنان يجب أن تغير الواقع    القبض على شاب تسبب في مقتل آخر بطلق ناري خلال حفل زفاف ببني سويف    جيش الاحتلال الاسرائيلى يقصف جسر الدلافة جنوبي لبنان    دار الكتب المصرية.. أكبر وأقدم مكتبة وطنية في العالم العربي    تراجع العجز التجاري لإسبانيا خلال يناير الماضي    وصول سفينة فالاريس إلى مصر لبدء حفر 4 آبار غاز بالبحر المتوسط    نائب وزير الصحة تشارك في المؤتمر الدولي لصحة الأم والوليد 2026 بنيروبي    قبل مواجهة مصر.. موقف مدرب السعودية من تعويض غياب الدوسري    رسائل نقيب المحامين للأعضاء الجدد بالنقابة الفرعية في سوهاج    مجموعات عمل قنصلية لدعم المصريين بالخارج على مدار الساعة    أبو الغيط يدين بشدة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان واستهدافها البنى التحتية    خبير عسكرى: مصر أكدت منذ بداية الحرب الحالية رفضها الاعتداء على الدول العربية    في زيارة ميدانية.. وزير الكهرباء يتفقد محطة بني سويف المركبة لتوليد الكهرباء    «التموين» تواصل صرف المقررات والدعم الإضافي حتى ال 8 مساء    إيكيتيكي ينضم لمعسكر فرنسا رغم إصابته أمام برايتون    أكثر من مليون و800 ألف مشارك ومستفيد بفاعليات "فرحة العيد" بمراكز شباب البحيرة    مصرع عاملين في مشاجرة بقرية بالشرقية    شمس وسماء صافية في آخر أيام إجازة عبد الفطر.. حالة الطقس بالغربية (فيديو)    رئيس قطاع مدن البعوث الإسلامية يواصل جولاته التفقدية في رابع أيام عيد الفطر    مديرية تعليم القليوبية تعلن جدول امتحانات مارس للإعدادي 2026    وفاة طفلة بوجبة غذاء فاسدة في الشرقية    منها التمارين الرياضية | 4 نصائح للحفاظ على صحة الطلاب بعد عيد الفطر    محافظة كفر الشيخ تستعد لتنفيذ قرار مجلس الوزراء لغلق المحال    رجال الإسعاف بالغربية ينقذون حياة مريض مسن تعرض لتوقف عضلة القلب    مايسترو «هارموني عربي»: نجاحنا ثمرة 15 عامًا من العمل والتدريب (فيديو)    تعطيش كامل لكل دول الخليج.. نادر نور الدين يحذر من ضرب "ترامب" محطات الكهرباء في إيران    تقرير: نيمار في وضع حرج.. وتصريحاته لم تلق استحسان الاتحاد البرازيلي    قطر: استهداف إيران لمنشآت الطاقة تهديد خطير لأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة    أرتيتا: إيزي يغيب عن معسكر إنجلترا بسبب الإصابة    تعرف علي حكم صيام الست من شوال مع صيام قضاء رمضان    اعرف آخر موعد لمهلة التصالح في مخالفات البناء وفق القانون الجديد    معركة المحفظة في عش الزوجية.. قصص نساء اخترن الحرية بعدما تحول المصروف لخلاف.. صراع الجنيه يطفئ قناديل البيوت الهادئة.. عندما يتحول الإنفاق المنزلى لسكين يمزق وثيقة الزواج.. وهذه روشتة لميزانية الأسرة    انطلاق مؤتمر طب أسنان القاهرة "CIDC 2026" أول أبريل    إياد نصار: وافقت فورًا على «صحاب الأرض» بسبب فكرته    موعد مباراة مصر والسعودية الودية استعدادًا لكأس العالم    أسعار الدواجن والبيض تتراجع في مستهل تعاملات اليوم الاثنين    موعد محاكمة عاطل بتهمة إصابة آخر بعاهة مستديمة في مشاجرة بعين شمس    مفاجأة في واقعة كرموز| الأم قتلت أبناءها ال5 والابن السادس ساعدها في إنهاء حياتها    "بحضور وكيل وزارة الأوقاف "تكريم حفظة القرآن الكريم بمسجد البقلى بحى غرب أسيوط    محافظ الإسكندرية يتفقد الكورنيش ويشارك المواطنين احتفالات عيد الفطر في ثالث أيامه    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 23 مارس 2026 في القاهرة والمحافظات    كان يضعها تحت وسادته.. أسرة عبدالحليم حافظ تكشف عن أدعية بخط يده    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.زينب أبو المجد تكتب: الجيش والاقتصاد في مصر.. لماذا تورط العسكر في القتل؟
نشر في البديل يوم 18 - 01 - 2012

* النشاط الاقتصادي للجيش يمتد من المقاولات كبيع وشراء الأراضي والشقق إلى الخدمات كتنظيف المنازل وإدارة الكافيتريات ومحطات البنزين
* وأنشطة أخرى : الزراعة وتربية الدواجن والمواشي وصناعة المكرونات والمشمعات البلاستيك للموائد!
* هل موازنة القوات المسلحة المصرية ‪كلها‬ حربية وبالتالي يجب أن تكون سرية بدون رقيب أو حسيب ؟ الإجابة لا
* القوات المسلحة تمتلك ويدير لواءاتها وعقدائها بأنفسهم 25 إلى40 % من اقتصاد مصر
هل الحديث في أمور مكرونة كوين ومياه صافي وأنابيب البوتاجاز وبنزينة وطنية أسرار حربية يُعد هتكها من أمور الخيانة العظمى؟ هذا ما تعتقده قيادات القوات المسلحة المصرية.
يُعد الحديث عن المؤسسة العسكرية والاقتصاد أحد تابوهات السياسة المصرية، حيث ظلت القوات المسلحة حريصة على الاحتفاظ به كشأن خفي عن العامة والخاصة على السواء في الثلاثين سنة الأخيرة. تمتلك القوات المسلحة المصرية ويدير لواءاتها وعقدائها بأنفسهم – رغم افتقادهم للخبرة اللازمة- جزءاً ضخماً من اقتصاد البلد يقدره الخبراء بما بين 25 و 40 بالمائة، وتمارس نشاطها الاقتصادي في مجالات كثيرة بدءاً من المقاولات كبيع وشراء الأراضي والشقق، والخدمات كتنظيف المنازل وإدارة الكافيتريات، وإدارة محطات البنزين، إلى الزراعة وتربية الدواجن والمواشي، إلى صناعة المكرونات والمشمعات البلاستيك للموائد! وبالرغم أن تلك المعلومات متوفرة على مواقع الانترنت الخاصة بالشركات والجهات التي تمارس تلك الأنشطة، والتي تذكر علانية وبفخر أنها تابعة للقوات المسلحة، ولكن لسبب ما تحظر المؤسسة العسكرية على الجميع الحديث عنها.
هل موازنة القوات المسلحة المصرية ‪كلها‬ حربية وبالتالي يجب أن تكون سرية بدون رقيب أو حسيب عليها؟ الإجابة هي لا.
جزء ما من موازنة الجيش المصري مرتبط بأنشطة عسكرية كشراء أسلحة أو إنتاجها، وفي حقيقة الأمر المعلومات عن هذا الجزء منكشفة ومنشورة للعالم بأجمعه من عدو وصديق لأن لدينا شريك رئيسي فيه ملتزم بالشفافية أمام مواطنيه ينشر كل شئ عن نفسه وعمن يتلقون معونة عسكرية منه في شكل أسلحة أو إنتاج حربي مشترك معهم، وهذا الشريك هو بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية التي تمنح القوات المسلحة المصرية 1.3 مليار دولار من دعماً سنوياً من خلال برنامجها ل“التمويل العسكري الخارجي”، ثم تنشر من خلال مواقعها الحكومية ك “مكتب الحكومة الأمريكية للمحاسبية” أو وزارتي الدفاع والخارجية أو الكونجرس تفاصيل ما باعتنا أو ساعدتنا على إنتاجه في مصانعنا من دبابات وخلافه.
أما الجزء الذي تحتفظ القوات المسلحة سرياً فهو في الحقيقة ما يتعلق بمدخولها الهائل المجهول من أنشطة غير حربية، من مثل تم بيع كام كيس مكرونة كوين وزجاجة مياه صافي المعدنية الشهر دا، وبكام لتر البنزين وكم عربية دخلت مونت ولمعت القزاز وظبطت العجل في محطات وطنية النهاردة، وكوين سيرفس بتنضف كام شقة في الأسبوع وماسكة كام حضانة، وتم شحن كام عربية نقل بلحوم طازجة من المجازر الآلية الحديثة بمزرعة شرق العوينات السنة دي، وتم تأجير كم شاليه بقرية سيدي كرير بالساحل الشمالي الصيف دا، أو تم بيع كم شقة في عمارات كلية البنات وبكام الشقة! هذا هو الجزء السري الذي تسعى المؤسسة العسكرية لحجبه عن الظهور في الموازنة العامة للدولة أو الخضوع لرقابة نواب الشعب في البرلمان، ومناقشة المواطنين له علناً قد يعد جريمة خيانة عظمى – اسرائيل مش لازم تعرف الحاجات دي!
سوف أتناول فيما يلي الدور المستتر للمؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري، وتحوله في بعض الأحيان لأنشطة لا يليق بجيش مصر أن ينخرط بها، وتشغله عن مهامه الرئيسية في الالتفات لأمور حماية الحدود.
بداية أحب أقول أنه ليست لدي أية مصادر سرية أو خاصة لتلك المقالة، مصادري ببساطة هي قصاصات الصحف القومية، مع مواقع الانترنت الرسمية الخاصة بالمشروعات التابعة للجيش وإعلانات الوظائف والبيع والشراء التي تنشرها.
بدأت قصة تحكم المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري من بعد ثورة يوليو 1952- أو انقلاب يوليو العسكري بحسب ما تراه- مع تحويل عبد الناصر نظام الدولة من ليبرالي إلى اشتراكي يقوم على ملكية الحكومة لكل شئ، وكان من المفترض أن يتبع الجميع سبيل الزهد السوفيتي في الاستهلاك حتى نستطيع النهوض. نصب ضباط الجيش- أو النخبة الحاكمة الجديدة- أنفسهم مديرين لممتلكات الدولة من مصانع وشركات القطاع العام. نص دستور 1964 الاشتراكي على أن “الشعب يسيطر على كل أدوات الانتاج”، وعينت النخبة العسكرية نفسها نائباً عن الشعب في تلك السيطرة. انتشر الفساد وسوء الإدارة في القطاع العام، وفي النهاية فشل مشروع عبد الناصر نتيجة عدم خبرة رتب الجيش المدربة فقط على إدارة الحروب في أن تُسير مالية بلد.
تراجعت مكانة العسكر قليلاً كنخبة حاكمة وحيدة محتكرة للسلطة في عهد السادات، بعد أن تمرد السادات على التقشف السوفيتي وأراد أن ينفتح على العالم الغربي ينهل هو وشعبه من بضائعه الاستهلاكية البراقة. قام السادات بتحرير الاقتصاد نسبياً بخصخصة جزء من القطاع العام والانفتاح استهلاكياً على الولايات المتحدة، واضطر العسكر عندها للقبول بمشاركة السلطة مع طبقة صاعدة من رجال الأعمال الطفيليين المقربين من السادات وأسرته.
ولكن – لحسن الطالع- جاءت اتفاقية السلام مع إسرائيل لتنقذ النخبة العسكرية من هذا الوضع وتعيد لها الكثير مما فقدت. بعد أن وضعت الحرب أوزارها ووقع السادات اتفاقية كامب ديفيد، لم يكن من الممكن تسريح العدد الهائل من جنود وضباط الجيش المدربين تدريباً عالياً على القتال، فكان أن تم إنشاء “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” الذي أقام المشروعات المختلفة وقام بتعيين لواءات وعقداء الجيش مديرين لها. ومُنحت مشروعات القوات المسلحة امتيازات فوق سلطات الحكومة القانونية والمحاسبية، حيث أنها معفاة من الضرائب ولا تخضع للوائح والقوانين التي يخضع لها الجميع في القطاعين العام والخاص.
حينما طبق الرئيس المخلوع مبارك سياسة التحرر الاقتصادي الكامل مجدداً بعد عام 1992، استجابة لضغوط الولايات المتحدة وتنفيذاً لخطة محددة البنود وضعها له البنك الدولي وصندوق النقد، لم تمس يد الخصخصة ممتلكات القوات المسلحة. وعندما تسارع برنامج الخصخصة على يد الوريث المفترض جمال مبارك منذ عام 2004 وصاعد، أيضاً لم تجرؤ حكومة رجال الأعمال على الاقتراب من ممتلكات القوات المسلحة، بل وتم استيعابهم في صفقات بيع القطاع العام التي وصمها الفساد من خلال تأمين مناصب عليا للقادة العسكريين في الشركات المباعة.
المؤسسة العسكرية لا تؤمن بالنيوليبرالية الأمريكية أو عقيدة السوق الحر، أحد مكوناتها الخصخصة وإطلاق يد رجال الأعمال في إدارة الاقتصاد وانسحاب الدولة، لأن تلك العقيدة- اتفقنا معها أو كرهناها- تعني فقدانهم لممتلكات الدولة التي يديرونها. وألمحت إحدى برقيات ويكيليكس المرسلة من السفيرة الأمريكية إلى أن المشير طنطاوي لا يحب سياسات الإصلاح الاقتصادي لأنها تقلل من سيطرة الدولة المركزية. ولعل تفسير ذلك صار واضحاً الآن. الأمر بالنسبة للمشير ليس بمسألة ولاء للنموذج الاشتراكي الذي ينحصر تعليمه السوفيتي وخبرته فيه، وإنما لأن يد الخصخصة كان من الممكن أن تطال المشروعات الشاسعة للمؤسسة العسكرية.
في حين تدير القيادات العسكرية مشروعاتها على النمط السوفيتي العتيق من مخلفات الحرب الباردة، تحب أن تستهلك على النمط الأمريكي المتعولم. وبالطبع تلعب العلاقة المباشرة ما بين الجيش المصري والبنتاجون الأمريكي والتي تتضمن سفر قيادات وضباط منتقين بشكل دوري للولايات المتحدة دوراً رئيسياً في شحذ هذا التوجه. بعد أن كانت قيادات الجيش في عهد عبد الناصر قد اعتادت على الاستهلاك الزاهد للملابس والسيارات، نشهد اليوم خلع المشير طنطاوي مثلاً لعباءة التقشف القديمة تلك إذا ما نظرنا للسيارة الجيب الأمريكية الفارهة التي دخل بها الميدان ذات مرة أثناء الثورة ليدرس بطرف عينه من فيه.
تذكر إحدى مقالات جريدة النيويورك تايمز أن أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري يحرص في زيارته السنوية لوزارة الدفاع الأمريكية كل الحرص لأن يتسوق هو وزوجته في مول تايسونز كورنر بفرجينا، وأن لديه ولعاً بالمنتجات الأمريكية. وفي الواقع هناك حالة ولع بين ضباط صغار بالاستهلاك على النمط الأمريكي، حتى أن من تسنح له الفرصة لأن يشتري زيه الرسمي من الولايات المتحدة يفعل!
السؤال الذي يطرح نفسه الآن:هل النخبة العسكرية كفء وقادرة على إدارة تلك المشروعات ؟ إذا ما كانوا بالفعل مدراء جيدين وقادرين على الإسهام في تنمية البلد اقتصادياً واجتماعياً فلنترك لهم في يدهم ما يملكون. الإجابة هي أيضاً لا. لم يسمع الكثير منا عن مكرونة كوين وبالتأكيد لم يصفها مواطن يوماً بأنها أفضل ما في السوق، ولم نسمع أحداً يقول إن بنزينة وطنية تفوق في خدمتها جميع المحطات الأخرى، أو إن مياه صافي المعدنية يجب أن توضع على كل مائدة. في واقع الأمر تبيع القوات المسلحة منتجاتها ليس نتيجة لجودتها، بل في معظم الأحيان من خلال كانتين وحدات الجيش المعزولة عن العالم الخارجي، حيث ليس أمام المجندين أي خيار آخر سوى استهلاك ما يجدونه هناك وإنفاق رواتبهم الزهيده عليه، أو من خلال تكوين شبكة علاقات مع موزعين مدنيين يتبادلون معهم المصالح.
يضاف لكل ذلك نشاط المؤسسة العسكرية في الأراضي.. للقوات المسلحة قانوناً الحق في وضع اليد على أية أراضي مملوكة الدولة “تنفيذاً لخطة الدفاع عن الدولة”، لكن تستخدم قيادات الجيش هذا الحق لاستخدام الأراضي العامة في أغراض تجارية وليس في أغراض أمنية. هناك جهاز كامل اسمه “جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة” مختص – كما يقترح مسماه – بإنشاء مشروعات على الأراضي الخاصة بالقوات المسلحة، ومن ضمن ما يمتلكه هذا الجهاز أراضٍ بمدينة نصر يبني عليها وحدات سكنية، وفي الساحل الشمالي يبني عليها قرى سياحية وفنادق من مثل قرية سيدي كرير. والمتابع لإعلانات بيع أراضي الساحل الشمالي في الصحف يجد أن القوات المسلحة تقوم ببيع تجاري لمساحات شاسعة تابعة لها لأجل بناء منتجعات سياحية ومنازل..الخ.
فوق كل ذلك لابد من طرح تساؤل هل يمكن في ظل انخراط القيادات العسكرية في أنشطة اقتصادية أن يكونوا بعيدين عن الانخراط في منظومة الفساد وقمع العمالة، في ظل نظام كانت الدولة كلها قائمة على الفساد وقمع الطبقات الدنيا العاملة، أم أن العسكر بكونهم أطراف مديرة فيه لابد أن يكونوا طرفا في صنع مثالبه؟
أن تكون لواءاً سابقا في الجيش وعضواً في الحزب الوطني ونائباً في مجلس الشعب عنه طوال العشرة سنوات الماضية فأنت طرفا بصورة أو بأخرى في شبكة فساد الوطني . كان اللواء سيد مشعل وزير الإنتاج الحربي المخلوع بعد الثورة مديراً لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية قبل أن يصبح وزيراً، وأثناء ذلك كان أيضاً عضواً في الحزب الوطني ونائب الحزب عن دائرة حلوان لثلاثة دورات متتالية من عام 2000 وحتى 2011، ويفتخر بأنه أطلق اسم ابنته على المياه المعدنية التي ينتجها الجهاز- صافي. أُزيح مشعل من منصبه بعد الثورة بسبب بلاغات مقدمه ضده للنائب العام بإهدار أموال الوزارة. كان فوز مشعل في الانتخابات البرلمانية في حلوان سهلاً بحشد أصوات عشرات الآلاف من العمال بمصنع 99 الحربي الكائن هناك، حيث كان يحرص على الذهاب للعمال للرقص معهم على مشارف الانتخابات، ثم الاختفاء من بينهم بعد الفوز.
وبذكر مصنع 99 الحربي حلوان نتوقف أمام علاقة المؤسسة العسكرية بالعمال، حيث أنها لا تخضع لأية قيود نقابية أو حكومية في هذا الشأن. ففي شهر أغسطس للعام الماضي خرج عمال المصنع في موجة احتجاج عنيفة عندما توفي زميل لهم انفجرت في وجهة أنبوبة، وكان اللواء مدير المصنع قد أتى بمجموعة من اسطوانات الغاز من غير اختصاص عمال هذا المصنع لتجريبها، وعندما انفجر عدد منها قال لهم – طبقا لما قال العمال – لا يهم إن مات منكم واحد أو اثنين، وعندما مات بالفعل أحد منهم اقتحموا مكتب مدير المصنع وأشبعوه ضرباً ثم اعتصموا. وتم تحويل قيادات العمال لمحاكمة عسكرية واتهامهم بإفشاء أسرار حربية لأنهم تحدثوا في شؤون أنابيب البوتاجاز!
يأخذنا هذا لمعاملة من يخدمون في مزارع الجيش، وهم في الحقيقة مجندين فقراء يؤدون الخدمة في هذه المزارع دون أجر . يلتحق الجندي القادم من الأرياف أو المدن الفقيرة بالتجنيد الإجباري ليتم تلقينه شعارات وطنية وجعله يغني أغاني قومية حماسية في طوابير الصباح، ثم ينسى كل هذا عندما يجد نفسه عاملاً في أحد مزارع الجيش التي تمتد فوق مئات الآلاف من الأفدنة. يتعلم تربية المواشي والدجاج وجمع البيض، ويفقد أي شعور بالكرامة الوطنية التي يؤكد قادة الجيش على غرسها فيهم. والسؤال هنا ماذا سيكون أداؤه في حال نشبت أي حرب بعد أن نسى ما تدرب عليه وأصبح مدربا على جمع البيض ؟
تتكلم المؤسسة العسكرية في إعلام الدولة عن المسألة “الوطنية” في تبريرها لحماية سرية موازنة القوات المسلحة على أنها من قبيل الواجب القومي الذي لابد وأن ندافع عنه جميعنا كمصريين. لا أعتقد أن المجندين العاملين في جهاز المشروعات الخدمة الوطنية يتفقون مع ذلك!
لا يمكن أن نذكر العلاقة بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد دون أن نشير لهيمنتها شبه المطلقة على الاقتصاد المحلي في المحافظات. كما نعرف جميعاً إن مصر خارج القاهرة تخضع لحكم عسكري شبه مكتمل الأركان، حيث أن 21 من ال 29 محافظ المعينين في أقاليم قبلي وبحري هم لواءات جيش متقاعدين، بالإضافة لعشرات آخرين من رؤساء المدن والمراكز من عقداء وعمداء الجيش المتقاعدين أيضاً. ويتولى هؤلاء إدارة قطاعات اقتصادية واسعة في المحافظات كل محافظة تبعاً لمواردها، حيث يتحول لواءات الجيش الذين لا يتمتعون بأي خبرة دون قيادة الدبابات والطائرات الحربية فجأة إلى مديرين لقطاع السياحة الجوهري والحيوي في محافظات الأقصر وأسوان، أو قطاع صناعة السكر في قنا، أو صيد الأسماك والشحن والتفريغ بالسويس..الخ.
لا تخلو إدارة لواءات الجيش للاقتصاد المحلي من خلال عملهم كمحافظين من قصص فساد شهيرة كشفتها أو لم تكشفها بعد الصحف القومية. منها على سبيل المثال واقعة اتهام محافظ الأقصر السابق اللواء سمير فرج- وكان قبل يشغل منصب رئيس إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة- في صفقة بيع أرض بثمن بخس لرجل أعمال من المدينة نفسها، كان من المفترض أن تُبنى على قطعة الأرض تلك صالة ألعاب أوليمبية وتم بالفعل إنفاق مئات الملايين على المشروع، وفجأة توقفت عملية البناء وبيعت الأرض لرجل أعمال يمتلك فندق سياحي مقابلها وأُهدرت أموال طائلة. ومن ناحية أخرى يجأر أهالي أسوان بالشكوي من محافظهم اللواء مصطفى السيد بسبب اتهامات له في حوادث فساد في الأراضي وقطاع السياحة، وقد قام هذا المحافظ مؤخراً بتعيين عشر عمداء جيش متقاعدين على الأقل في مناصب مدراء لمحاجر وموانئ نيلية بالمحافظة برواتب هائلة بدون وجه خبرة أو حق.
ولأجل هذا تبدو عجلة التنمية المحلية في محافظات مصر متوقفة منذ عقود، في حين سبقتنا الأمم جميعها، لأن من يديرون اقتصادنا المحلي يحصلون على الحكم كمكافأة نهاية خدمة. ولأجل كل ما فات تورط قيادات العسكر ولازالوا في قتل الثوار العزل في التحرير والعباسية وماسبيرو ومحمد محمود والقصر العيني.
إن انتصار معتصمي ومتظاهري مصر واكتمال الثورة يعني تحول ديمقراطي حقيقي في هذا الوطن، يعني شفافية مالية وخضوع جميع الموازنات لمبدأ المحاسبية، يعني أن الامتيازات الاقتصادية للقوات المسلحة كفئة صاحبة مهنة بعينها ستخضع لرقابة النواب المختارين وممثلي الشعب ، وربما تضطر قيادتها صاغرةً للعودة مرة أخرى لمهامها الأصلية: إدارة الحروب وليس إدارة قاعات الأفراح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.