لم يفوِّت الاحتلال الصهيوني مناسبة إلا ويضرب على أوتار تشويه المقاومة الفلسطينية ووضعها في خندق واحد مع التنظيمات الإرهابية، وهي لعبة انتهازية بامتياز يجيد الكيان الصهيوني اللعب بها. لكن يبدو أنه لا يجيد إقناع الأطراف الأخرى بها. فقد استغل رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، كعادته، تفجيرات بروكسل الأخيرة، والتي أسقطت نحو 35 قتيلًا ومئات الجرحي؛ ليلعب على أوتار إدانة الأحداث وربطها بالهبّة الفلسطينية وما ينفذه الفلسطينييون من هجمات شبه يومية ضد الاحتلال الصهيوني، في محاولة لوسم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب ووضعها في قالب واحد مع التنظيمات الإرهابية؛ وذلك لتحريض دول العالم وإقناعها بشن هجمات على فصائل المقاومة، أو على الأقل وقف التعاطف الأوروبي مع القضية الفلسطينية، وأخذ شرعية قتل المزيد من الفلسطينيين بحجة مكافحة الإرهاب. بدأ رئيس الوزراء الصهيوني كلمته في مؤتمر إيباك السنوي في واشنطن، بتوجيه رسائل التعزية إلى عائلات ضحايا هجمات بروكسل، لكنه لم ينسَ أن يدلي بقوله الشهير، ويؤكد مجددًا أن الإرهاب الذي يضرب في أوروبا هو نفسه الذي يستهدف إسرائيل، مضيفًا أن هناك علاقة بين الهجمات الإرهابية في باريس وكاليفورنيا وإسطنبول وساحل العاج وبروكسل، وبين الهجمات اليومية في إسرائيل. وفي محاولة لاستغلال غضب الدول الأوروبية واستنفارها جراء الهجمات الإرهابية التي استهدفت بروكسيل، حاول تنتياهو حشد الدول الأوروبية لتأييد الوحشية الصهيونية في التعامل مع الفلسطينيين، وإعطائه شرعية سن المزيد من القوانين العنصرية، وتبرير موقف الكيان ضد الفلسطينيين، حيث رأى نتنياهو أن الطريق الوحيد للانتصار على الإرهابيين هو عبر التعاضد وقتالهم معًا، مؤكدًا "هكذا نقضي على الإرهاب"، وأعلن أنه "في كل الأحوال ليس لدى الإرهابيين أي سبب للعمل، والهدف هو ليس المسّ بالأشخاص، إذ إن هذا الأمر لن يكفيهم، ولكنهم يريدون تدميرنا فقط"، وتعهد بأن "هذا الأمر لن يحدث، ونحن لن نختفي". لعبة تشويه المقاومة الفلسطينية لم تتوقف عند رئيس وزراء الاحتلال فقط، بل امتدت إلى أحد مسؤوليه، الذي تضامن مع موقف نتنياهو، حيث قال نائب وزير الأمن الإسرائيلي، إيلي بن دهان، إن الإرهاب الذي تعاني منه أوروبا اليوم هو ذاته الذي تحاربه إسرائيل، مضيفًا "أتمنى أن يتعلموا من إسرائيل كيفية التصرف مع الإرهابيين". تغافل رئيس الوزراء الصهيوني متعمدًا عن القضية الفلسطينية الوطنية، وتناسى أن الشعب الفلسطيني المقاوم وفصائله لا ينفذون الهجمات من باب الطائفية أو الإرهاب أو التوحش، إنما دفاعًا عن أرض ووطن اغتصبهما الكيان الصهيوني، وأن الأرض الفلسطينية هي حق فلسطيني سلبه الاحتلال الصهيوني، وكان لزامًا أن يجد من يقاومه؛ حتى لا يتوغل أكثر وتتصاعد وحشيته. صفة الانتهازية الصهيونية للأحداث العالمية مستمرة منذ أعوام طويلة، فلم يكن حادث بروكسل هو الأول من نوعه الذي يُظهِرها، حيث تسعى إسرائيل إلى توظيف الأحداث العالمية المتعلقة بالإرهاب، خاصة تلك التي يتبعها سقوط أعداد من القتلى والجرحى؛ لوصف المقاومة الفلسطينية بأنها جزء من التطرف الذي تعاني منه معظم دول العالم. و ظهر ذلك جليًّا في هجمات باريس التي وقعت في 13 نوفمبر الماضي، حيث حاول نتنياهو استغلال أحداث باريس، وسعى إلى الترويج لتلك الرؤية في وسائل الإعلام الصهيونية، من خلال الدعوة إلى إدانة الهجمات الفلسطينية بقوة كما يتم إدانة الهجمات الإرهابية في فرنسا. الرؤية الصهيونية لم تتغير كثيرًا من حادث إرهابي إلى آخر، والشعارات الرنانة التي تستخدمها إسرائيل لإدانة الحادث وإلصاق التهمة بالإسلام والمقاومة لم تتغير، فقد تشابهت في كافة الأحداث بداية من سقوط الطائرة الروسية في مصر وهجمات باريس، مرورًا بالهجمات التي ضربت جنوبلبنان في 12 نوفمبر الماضي وأدى إلى مقتل 43 شخصًا وجرح 239 آخرين، وصولًا إلى هجمات بروكسل.