كيف تدار الثقافة؟ هل شهد المجتمع المصري تغييرًا حقيقيًا على مستوى الفكر والتنوير خلال السنوات الخمس الأخيرة؟ هل أظهر القائمون على الثقافة في مصر سياسات ثقافية واضحة منذ يناير 2011؟ أسئلة –وغيرها الكثير- مشروعة في ظل التخبط الملموس، خاصةً في الأيام الحالية، بعد أن حطمت مصر الأرقام القياسية العالمية، برقم يصعب التغلب عليه، بما حققته من عدد (مهول) لوزارات الثقافة التي تعاقبت منذ ثورة 25 يناير. منذ العام 2011، بعد ثورة يناير بالتحديد، ومصر في أوضاع صعبة على مستوى كل المجالات، لكن لم تكن وحدها تمر بهذه الأوضاع على مستوى العالم، حتى كبرى الدول مرت وتمر بأزمات تمتد إلى سنوات، ولم تحطم أي منها الرقم المصري القياسي الخاص بعدد وزارات الثقافة، بل واتجهت معظمها إلى إلغاء أو تقنين دور تلك الحقيبة الوزارية. في 31 يناير 2011، في عز أوقات الثورة، قبل الدكتور جابر عصفور بمنصب وزير للثقافة لمدة 10 أيام فقط، خلفًا لفاروق حسني، الذي ظل محتفظًا بعرش الوزارة طوال 24 عامًا (منذ 1987 حتى 2011)، وفي العاشر من فبراير وقبل الإطاحة بمبارك ونظامه، تولى محمد عبد المنعم الصاوي المنصب لمدة لم تتجاوز ال25 يومًا. ويطل الخامس من مارس، ويتولى الدكتور عماد أبو غازي الحقيبة الوزارية، لمدة لم تتجاوز ال9 أشهر، حتى قدم استقالته رافضًا الاستمرار في المنصب احتجاجًا على قمع المجلس العسكري للمتظاهرين في ميدان التحرير، وفي السابع من ديسمبر، تولى الدكتور شاكر عبد الحميد المنصب، وبعد نصف عام، مع أول تعديل وزاري، رحب بإدراج اسمه خارج التشكيل الحكومي الجديد، ليأتي في التاسع والعشرون من مايو 2012، الدكتور محمد صابر عرب على رأس وزير الثقافة. تأكد "عرب" من قرب تقديم الحكومة استقالتها، عقب الإعلان عن المرشح الفائز برئاسة مصر، ليصيد عصفورين بحجر واحد، ففي حالة استمراره في الحكومة لكان ممنوعًا عنه الفوز بجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، التي نالها بعد يوم واحد من قبول استقالته، وقرار كمال الجنزوري (رئيس الوزراء آنذاك) تفويض الدكتور محمد إبراهيم علي (وزير الآثار آنذاك) للقيام بأعمال وزير الثقافة. ليعود في الثاني من أغسطس 2012 صابر عرب لمنصبه (الذي استقال عنه) مرةً أخرى في حكومة هشام قنديل، بعد وصول الإخوان للحكم. ظل "عرب" على رأس الوزارة ل10 أشهر، وفي 6 مايو 2013، تم الإطاحة به، ليتولى الدكتور علاء عبد العزيز المنصب بدلًا منه، وهو الوزير المحسوب على جماعة الإخوان، والذي أثار توليه الوزارة موجات غضب في الوسط الثقافي، وظهر الوزير السابق في اعتصام المثقفين. بعد الإطاحة بالإخوان ورئيسهم محمد مرسي، وفي عهد الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور (حكومة حازم الببلاوي)، عاد صابر عرب إلى عرينه مره ثالثه، في 16 يوليو 2013، وعلى الرغم من استقالة حكومة الببلاوي، وتكليف إبراهيم محلب بتشكيل حكومة جديدة، إلا أنه ظل في منصبه للمرة الرابعة ولم يتغير. بعد الاستغناء عن خدمات "عرب"، وفي 17 يونيو 2014، أدي الدكتور جابر عصفور (للمرة الثانية) اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وزيرًا للثقافه، حتى تمت الإطاحة به في مارس الماضي، ليخلفه الدكتور عبد الواحد النبوي، المحسوب على النظام الحالي. قبلت الرئاسة استقالة حكومة محلب قبل أيام، وينتظر وزيرًا جديدًا للثقافة، أو استمرار "النبوي" في منصبه، ليكون الوزير رقم «13» في 5 سنوات، وهو الرقم القياسي الذي لم تحققه الثقافة المصرية في تاريخها، كما لم تحققه أي دولة أخرى، لتنفرد به مصر وحدها، وربما قبل انتهاء العام الجاري يأتي وزيرها ال14، فمن المتوقع انتهاء الانتخابات البرلمانية خلال 2015، ومن ثم تغييرًا حكوميًا جديدًا. حتى الدول التي مرت بظروف تشبه الظروف المصرية، لم تتخطى الرقم المصري الخالص… فتونس التي سبقت مصر بثورتها وظلت تعاني أزمات ما بعد الثورة، لم تشهد سوى 7 وزارات ثقافة منذ 2011، وهي: مفيدة التلاتلي (من 17 يناير 2011 إلى 27 يناير 2011) عز الدين باش شاوش (من 27 يناير 2011 إلى 24 ديسمبر 2011) –وزارتين- مهدي مبروك (من 24 ديسمبر 2011 إلى 29 يناير 2014) –وزارتين- مراد الصقلي (من 29 يناير 2014 إلى 6 فبراير 2015) لطيفة لخضر (من 6 فبراير 2015 إلى الآن) كذلك سوريا بأزمتها المعروفة والمستمرة حتى الآن، لم تشهد سوى 3 وزارات ثقافة، وهي: عصام خليل (من 28 أغسطس 2014 إلى الآن) الدكتورة لبانة مشوح (من 24 يونيو 2012 إلى 28 أغسطس 2014) محمد رياض حسين عصمت (من 4 أكتوبر 2010 إلى 24 يونيو 2012) حاولت الأردن منافسة مصر، لكن بلا جدوى، فلم تشهد في الخمس سنوات الأخيرة سوى 8 وزارات ثقافة، وهي: الدكتورة لانا مامكغ (من 21 أغسطس 2013 حتى الآن) الدكتور بركات عوجان (من 31 مارس 2013 حتى 21 أغسطس 2013) سميح المعايطة (من 12 أكتوبر 2012 حتى 31 مارس 2013) صلاح جرار (من 24 أكتوبر 2011 إلى 12 أكتوبر 2012) –وزارتين- جريس سماوي (من 2 يوليو 2011 حتى 13 أكتوبر 2011) طارق مصاروه (من 10 فبراير 2011 حتى 2 يوليو 2011) نبيه شقم (من 14ديسمبر 2009 حتى 9 فبراير2011) واكتفت الجزائر ب3 وزارات ثقافة، وهي: عز الدين ميهوبي (من مايو 2015 حتى الآن) الدكتورة نادية العبيدي (من مايو 2014 حتى مايو 2015) خليدة تومي (من 2002 حتى مايو 2014) ورغم توقعاتنا أن تنافس العراق مصر في عدد وزارات الثقافة لما مرت به وتشهده في الخمس سنوات الأخيرة إلا أنها اكتفت بوزارتين، وهما: فرياد رواندزي (من سبتمبر 2014 حتى الآن) سعدون الدليمي (من 21 ديسمبر 2010 حتى سبتمبر 2014) اليمن السعيد رغم ثورته ومواجهته الحروب والأزمات، لم يشهد سوى وزارتي ثقافة، وهما: أروى عبده عثمان (من نوفمبر 2014 حتى الآن) عبد الله عوبل (من 7 ديسمبر 2011 حتى سبتمبر 2014) وفي لبنان لم تكن سوى 3 وزارات ثقافة منذ العام 2009، وهي: روني عريجي (منذ فبراير 2014 حتى الآن) غابي ليون (منذ 13 يونيو 2011) سليم وردة (منذ 9 نوفمبر 2009) ولا ننسى الإشارة إلى تجارب الدول الأوروبية الكبرى ومثيلتها الآسيوية، التي اتجهت بعضها إلى إلغاء حقيبة الثقافة من وزارات الحكومة، وتقنين البعض الآخر لدورها في ثقافة بلادها. ألمانيا لا يوجد وزير ثقافة في ألمانيا، لكن يوجد وزير مفوض من الحكومة لشؤون الثقافة والإعلام، وهو ممثل الحكومة في كل ما يتعلق بالشأن الثقافى داخليًا وخارجيًا، ويعمل معه 210 موظف فقط، وهو المسؤول المباشر عن الأرشيف القومي، والمعهد القومي للثقافة والتاريخ، من مهام مفوض الثقافة الحفاظ على المنشآت الثقافية الألمانية وصيانتها، ومن واجباته دعم المنشآت الثقافية ماليًا لأهميتها المحلية والدولية. في عام 2005، زادت ميزانية الثقافة، وتصل الآن إلى 1.2 مليار يورو، تذهب منها 270 مليون يورو إلى «دويتش فيلا»، و200 مليون إلى مؤسسة التراث الثقافي، و100 مليون لخدمة الأمن القومي، و15 مليونًا لحماية الآثار التاريخية، في 2011، قرر البرلمان الألماني دعم الاستثمارات الثقافية ب50 مليون يورو، منها 30 مليونًا لدعم مشروع حماية الآثار التاريخية، في عام 2007 رصد البرلمان 400 مليون يورو لصيانة التراث الثقافي الألماني أكبر مشروع استثمار ثقافي في تاريخ ألمانيا، كما رصد 100 مليون يورو لمشروعات البنية التحتية الثقافية. فرنسا يوجد وزيرًا للثقافة والاتصالات الفرنسية، المسؤول عن المتاحف والآثار، ويرعى ويحمي الفنون والآداب بكل أنواعها، ويدير الأرشيف الوطني والمراكز الثقافية، والحفاظ على الهوية الفرنسية. في عهد الرئيس «فرانسوا ميتران» تولى وزارة الثقافة «جاك لانج» الاشتراكي والسياسي والقانوني من أعوام 1981 إلى 1986، ومن 1988 إلى 1992، الذي فتح المجتمع الفرنسي على كل ثقافات العالم بكل اتجاهاتها، ومن أشهر تصريحاته «الثقافة والاقتصاد معركة واحدة». فقد فعل رعاية الحكومة للفنون وطبق ديمقراطية الثقافة عمليا، وفى عام 1989 نفذ برنامجًا معماريًا ضخمًا لتجديد المكتبة الوطنية، ومتحف اللوفر، ومعهد العالم العربى، وغيرها من معالم الثقافة. في الفترة من 1993 إلى 1995 تولى وزارة الثقافة «جاك توبون »، الذى اهتم بإصدار مجموعة من القوانين عرفت ب«قوانين توبون»، للحفاظ على اللغة الفرنسية فى الإعلانات (كل الإعلانات الأجنبية يجب أن تحتوي على ترجمة باللغة الفرنسية)، والبث الإذاعي (80% من الأغنيات يجب أن تكون فرنسية). روسيا لا وجود لوزارة ثقافة، وينعدم دور الدولة في الإنتاج والدعم الثقافي والتمنية الثقافية بمفهومها الواسع الذي يتعدى رعاية المثقفين أو منتجي الأدب والفن. سبق وأوضح ل«البديل» أشرف الصباغ الكاتب والصحفي المصري المقيم بروسيا: لقد تم إلغاء وزارة الثقافة في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وظلت الآراء مختلفة حول الشكل الأمثل الذي يجب أن تدار به المؤسسات الثقافية في روسيا المترامية الأطراف. ولأن روسيا ما بعد السوفيتية كانت تنوي قطع العلاقة تماما مع ما مضى، فقد تم طرح أشكال مختلفة للتنسيق بين المؤسسات الثقافية والفنية. وأصبحت "الوكالة الفيدرالية للثقافة" هي الرأس المنسق لسنوات طويلة. ومع تبدل التوجهات بشكل دوري، كانت الوكالة الفيدرالية هذه تتحول تارة إلى الوكالة الفيدرالية للثقافة والاتصالات، وتارة أخرى إلى الوكالة الفيدرالية للثقافة والسياحة... إلخ. وعموما لم تكن مسألة التسمية (وزارة أو وكالة) هي الأمر الملح أمام الروس، وإنما منهج التنسيق بين المؤسسات الثقافية والفنية وإدارتها بالشكل الذي يخدم حيوية عمل هذه المؤسسات وينتشلها من البيروقراطية والفساد وتجريف ليس فقط المؤسسات، وإنما جوهر الثقافة والفن في البلاد. وكان أحد الأهداف أيضا هو تخفيف قبضة الدولة عن الثقافة والمؤسسات الثقافية لإشاعة أكبر قدر من الحرية في الإدارة وفي الإبداع على حد سواء. رقم مصر القياسي الأمثلة لن تنتهي إلا بانتهاء حصر دول العالم، إلا أن النتيجة ستبقى واحدة، وتظل مصر تحتفظ برقمها القياسي -لعله يدرج قريبًا في موسوعة "جينيس"- ربما حتى نهاية الحياة على الأرض، ففي الوقت الذي وصلت ناسا لاكتشاف كواكب ونجوم المجرات الأخرى الأبعد من "درب التبانة"، لا تزال مصر عاجزة على اختيار وزيرها، فضلًا عن عدم قدرتها حتى على انتهاج سياسات ثقافية واضحة.