تمنيت أن تستضيف مذيعة الاثارة اللامعة "ريهام سعيد" أحد قضاة الاعدامات في المنيا ليروي لنا عن شعوره لحظة نطقه بالحكم على مئات المواطنين بالموت ، تمنيت أن أرى بريق عينيه بينما يحكي كواليس الحكم قبل النطق به وأثناء النطق وما تلا ذلك من صراخ وبكاء أهالي المحكوم عليهم ، يحكي لنا تفاصيل ليلته تلك في الفراش هل كان نومه هانئا مريحا مطمئن البال أم انتابته كوابيس تطارده فيها أرواح المحكوم عليهم ، كيف بنى حكمه ؟؟وفقا لأهواء شخصية أم بناه على أسس العدل والقانون ، بأي سابقة تاريخية استشهد ليبني حكمه وبأي من شيوخ القضاء اقتدى . حكى لنا القرأن الكريم قصة السابقة الأولى للقتل في التاريخ البشري "قتل قابيل لأخيه هابيل" ، روى الكتاب الكريم السبب الذي دعا قابيل ليقتل أخيه ثم واراه التراب ، ولكن لم يذكر شعور ابن أدم لحظة القتل الأولى ، هل شعر بنشوة الانتصار أم ذاق مرارة الندم ، هل تردد لحظة قبل أن يقتل أخاه أم تمت الجريمة الأولى في تاريخ البشرية دون لحظة تردد ، والأهم من ذلك كيف كان شعوره أثناء ما تبقى من حياته وهل سامح نفسه على تلك الخطيئة أم قضى أيامه في الندم على ما بدر منه ، اذا كان قابيل ندم على جريمته فلماذا تكررت جريمته في كل زمان ومكان . أستغرق أوقاتا كثيرة في تخيل القتلة على مدار التاريخ من محاربين وحكام وقضاة وشيوخ تكفير ، ما الذي يتحدث به لأبناءه في نهاية حياته وكيف يرون محصلة قتله ، هل يجد ما يبرر به الدماء التي أريقت على يديه ، ربما يظن نفسه بطلا وفاتحا اسطوريا أو يتخذ من حماية البلاد والعباد غاية داس في سبيلها ألاف الضحايا. لم يقص الكتاب كيف روى قابيل الحادثة لأبناءه وهل بررها لهم على أنها السبيل الوحيد أمامه ، أم بررها بضعف الانسان وقلة حيلته ، ربما اقتنع أبناءه بأن القتل سئ ولكنه أحيانا احدى السبل أو قرر أحدهم أن يذوق لذة أن تجد في نفسك احدى صفات الله التي اختص بها نفسه ، فتميت دون أن تحيي ، هل كان هناك ولد وحيد لقابيل رأى من أبوه قاتلا ومن اخوته اعوان على القتل وداعمين لسفك الدماء ، ربما يكون بين أبناء ابن أدم على كثرتهم ولد وحيد رفض القتل ولم يقبل بالتبرير ولم يذعن لنزوات اخوته ، فعاش غريبا وأورثنا الغربة . يبرر التاريخ حوادث القتل على مدار الأزمنة بطمع الانسان في ثروات الطبيعة ، من أجل ذلك قتل الانسان البدائي مخلوقات الله ليقتات ، وقتل الاكثر تحضرا البدائيين وقتل المستعمرون أصحاب البلاد ، وقتل اصحاب السلطان رغبة في تثبيت عروشهم وقتل الحالمين بالسلطان طلبا للجاه ، وقتل الرعية ارضاء للراعي ، ربما الطمع هو المبرر الأكثر منطقية لنزوح البشر تجاه القتل باعتباره اقصر الطرق لبسط النفوذ. لم يقتل ابن أدم أخاه طمعا في ثروة فقد كانت ثروات الأرض جميعا بين أيديهما ، ولكنه قتله لحاجة من كبر في نفسه بأن فضله ربه عليه ، خرج ابليس عن طوع ربه بسبب تفضيل ربه لأدم ، وقتل ابن أدم أخاه لنفس السبب. هل هناك ثمة لعنة للدم أصابت البشر منذ لحظة القتل الأولى ، هل كانت فعلا تلك جريمة البشر الاولى أم سبقها جرائم أخرى جعلت الملائكة تحذر ربها من البشر ونزعتهم للافساد وسفك الدماء ، هل أصابت اللعنة جميع بني أدم أم هناك نسل اختلف وتميز بكرهه للقتل ورغبته في الاحياء بدلا من الاماته ، هل نتحمل جميعا ارث دم ابن أدم فنحيا قاتلين و مبررين للقتل ونموت مقتولين ومبررين للقتل أيضا . هل من سبيل لوقف اللعنة فنقدم القرابين أو نحمل الاكفان الى قبره ، نترجاه أن يغفر لأخاه و تسقط عنا الجريمة وتبدد الارث .