من الأخطار التي يمكن أن تهدد المجتمعات الكبري منها قبل الصغري أن يزداد الأغنياء غني، في مواجهة الفقراء الذين يزدادون فقراً. ما أقوله ليس بدعة، ولا كشفاً عن سر من الأسرار.. وإنما هي مقولة قديمة، مستهلكة، وتتردد كثيراً بمناسبة وبدون مناسبة علي ألسنة الخائفين والمتشائمين مما يمكن أن يحدث في مجتمعهم نتيجة لما سمعوه، و قرأوه، من مؤشرات أو إشارات تسلط الأضواء علي ظاهرة إثراء الأغنياء، من جهة، وإفقار الفقراء.. من جهة أخري. الدليل علي ذلك أن الولاياتالمتحدة تحظي بأوصاف كثيرة إلاّ أن الصفة الشهيرة لها هي أنها:»أغني وأقوي دولة في العالم«. والذي يزور الولاياتالمتحدة لأول مرة لابد أن ينبهر بما يراه خلال جولاته في المناطق السياحية من ثراء، وأناقة، وجمال، ورقي تسهيلات وخدمات المعيشة التي ينعم بها سكان تلك المناطق الرائعة التي يتردد عليها الزوار المحرومون والسياح المنبهرون. ويتضاعف الذهول بالنسبة للزوار القادمين من البلدان المتخلفة، أو يحملون هويات الدول التي يُطلق عليها تجاوزاً اسم: الدول »النامية« رغم أن علاقة معظم هذه الدول بالتنمية لا تزال متروكة للتمني.. كما يقولون! إلي جانب أنها »أغني دولة في العالم«.. يتردد أيضاً أن عدد الأثرياء في الولاياتالمتحدة بدءاً بأصحاب حفنة من ملايين الدولارات، مروراً علي مكتنزي مئات الملايين، ووصولاً إلي المتربعين فوق تلال آلاف الملايين يفوق عددهم في أي بلد آخر في قارات الدنيا الخمس! وحتي لا تبالغ عزيزي القاريء في تلميع، وتزويق، اللوحة التي ترسمها في خيالك للرفاهية المعيشية التي يحظي بها كل مواطن أمريكي بصرف النظر عن لون بشرته، أو ثقافته، أو عقيدته.. أبادر بتنبيهك إلي حقيقة أخري قد لا تراها، أو ربما تتصور استحالة وجودها في الدولة الأكثر غني في العالم! وأعني بذلك ما يقال عن الفقر المدقع الذي يعاني منه ملايين الأمريكيين في مناطق عديدة نادراً ما تضيفها الشركات السياحية علي برامج جولاتها. أمريكيون ينامون علي الأرصفة، وداخل الأنفاق. يتسولون فكّة الدولار لشراء الطعام أو لاحتساء الشراب. إذا مرض أحدهم لا يجد دواء، ولا باباً لدخول عيادة طبيب أو مستشفي حكومي لأنه لم يسمع عن »التأمين الصحي« وحتي لو سمع فإنه لا يملك تسديد أقساطه. وهو أمر يتناقض تماماً مع الدولة الأكثر غني، ومع البلد الذي يزهو بأكبر عدد من أصحاب الملايين ومكتنزي البلايين! وكل الإدارات الأمريكية السابقة عجزت عن توفير تلك الرعاية الطبية لعشرات الملايين من مواطنيها، إلي أن جاءت إدارة الرئيس الحالي »باراك أوباما« الذي سعي من أول يوم له في البيت الأبيض إلي توفير التأمين الطبي لقطاعات كبيرة من الشعب الأمريكي ظلت محرومة منه: أباً عن جد، عن جد الجد! وإذا كان »أوباما« في طريقه إلي توفير التأمين العلاجي للمحرومين منه، بعد انتزاعه الموافقة البرلمانية عليه، فهناك محاولات يقوم بها آخرون في محاولات تطوعية، إنسانية، من جانبهم للتخفيف بقدر المستطاع من تداعيات المصائب، والكوارث، التي سببتها الظاهرة القائمة والقائلة بأن: »الأغنياء يزدادون غني والفقراء يزدادون فقراً«. الجميل في هذه المحاولات أن الذين يبذلونها هم آخر من كنّا نتصوّر أو نتوهم أنه من الممكن أن يحس واحد من هؤلاء بما يعاني منه الفقراء من حرمان، وجوع، وعري، ومرض، و بطالة، وأمية! فرأي البعض في الأغنياء كل الأغنياء أنهم أناس لا مكان في قلوبهم للرحمة بالفقراء، أو للشفقة علي الجوعي والمرضي والمحرومين من أي شيء وكل شيء.. لكن ما نسف هذا الرأي المعمم للخطأ والظلم أن العديد من أغني أغنياء الكرة الأرضية وجميعهم من الأمريكيين هم الذين تخوّفوا من تداعيات ظاهرة: »الفقير يزداد فقراً، والثري يزداد ثراءً« ولم يكتفوا بإبداء الخوف من خطورة تلك التداعيات وإنما سمعناهم ينادون بوقف هذه الظاهرة.. ويطالبون الأغنياء الأمريكيين بالتخلص من نصف ثرواتهم للمشروعات الخيرية! والأهم من هذا كله.. أن أصحاب الدعوة بدأوا بأنفسهم وأعلنوا تبرعاتهم بأكثر من نصف ثرواتهم كقدوة لدي الأغنياء .. وما أكثرهم في الولاياتالمتحدةالأمريكية. .. وللحديث بقية. إبراهيم سعده [email protected]