الزمان منتصف مايو 1985 المكان الدور الثامن في جريدة الأخبار كنت ذلك الصعيدي الذي يتلعثم في الكلام ويغرق في خجله وهو يخطو أولي خطواته في بلاط صاحبة الجلالة. في الوقت الذي كان مصطفي بلال يقف علي باب الأسانسير يوزع سلاماته وابتساماته علي الجميع بدءًا من الزملاء في الأمن والاستعلامات مرورًا بكل من يجيء لينتظر دوره للصعود. لم يكن من الصعب علي ذلك الرجل أن يكتشف الوافد الجديد قبل أن ينطق بكلمة فقال وهو يمد يده لي باسما: أهلا يا صعيدي خير عايز تبقي صحفي؟ لم ينتظر الرد بل امسك بيدي واصطحبني في الأسانسير وهو يقدمني لجميع من بالأسانسير دون أن يعرف حتي اسمي قائلا: ده زميل جديد من الصعيد جاي عايز يكون واحد من كتيبة صحافة مصطفي وعلي أمين! اسمك إيه وحكايتك إيه؟ هكذا سألني مصطفي بلال بعد أن أجلسني في مكتبه وطلب من عم زكي أن يحضر لي شايا صعيديا من البوفيه فشرحت له أحلامي وطموحاتي واستمع مني كما لو كان يعرفني من عشرات السنين فقال لي: إذا كنت جادا في أن تكون صحفيا فستكون كذلك ثم وقف يودعني وهو يقول: علي فكرة انا اسمي مصطفي بلال وده مكتبي لو عايز تسأل عن أي حاجة في أي وقت تعالي يا صعيدي وبلاش الكسوف إللي انت فيه ده علشان إللي بيتكسف من الصحافة مابيجيبش منها عيال! خرجت من مكتب مصطفي بلال وقد حيزت لي الصحافة التي كنت أحلم بها دوما ومنذ ذلك اليوم لا أتذكر أنه مر عليّ يوم وأنا في الأخبار دون أن ألتقي بمصطفي بلال سواء في مكتبه أو في صالة التحرير التي عشقها فلم يكن يفارقها حتي بعد أن ينتهي من المهام التي يكلفه بها كبار المسئولين عن التحرير لثقتهم الكبيرة في مهنيته وقدرته علي فهم أفكارهم وأمانته في تنفيذ سياستهم التحريرية، فلم يتعامل مصطفي أبدا مع الصحافة علي أنها وظيفة بل كانت دوما حبه الأبدي الذي يتمني له الرضي يرضي فإذا غبت لأي سبب عن نزول الصالة يفاجئني بالزيارة في مكتبي قائلا: فيه إيه ياواد انت مش تبطل الدلع ده وتنزل تشتغل وكنت أقوم معه كالطفل عندما يطيع أباه وأنا أغني له طوال نزولنا من الدور الثامن للخامس حيث الديسك المركزي: يا مصطفي يا مصطفي أنا بحبك يا مصطفي. ولكن وآه من لكن تلك فمنذ شهور دخل مصطفي في تلك المنطقة من حياة الإنسان التي يظهر فيها حقيقة معدنه عندما بدأ صراعا صعبا مع المرض نشهد أنه كان خلاله صابرا لم تفارقه ابتسامته المعهودة حتي جاء أمر الله وصعدت روح مصطفي بلال إلي بارئها في الفردوس الأعلي بين الصديقين والنبيين والشهداء وحسن أولئك رفيقا هكذا نحسبك يا مصطفي ولا نزكيك علي الله الذي زرع حبك في قلوب الآلاف من تلاميذك ومحبيك وأصدقائك الذين لم يجتمعوا علي شيء قدر اجتماعهم علي حبك يا مصطفي.