يحكي جابرييل جارثيا ماركيز في مقال جميل عن لقائه بالرئيس بيل كلينتون نشر منذ سنوات في جريدة »أخبار الأدب« مترجماً فور صدوره، يقول إن الرئيس دعاه إلي العشاء في البيت الأبيض مع الروائي فارجاس يوسا »بيرو«، كان كلينتون علي وشك ترشيح نفسه في الدورة الثانية بعد إتمامه الأولي، قال ماركيز إنه دعاهم للسعي إلي كسب أصوات الاسبانولاتين الذين يمثلون كتلة كبيرة في الولاياتالمتحدة، خاصة في الجنوب المتاخم للمكسيك، قال كلينتون مجيباً إنه دعاهم لأنه قارئ معجب بأعمالهم الأدبية، وأنه قارئ قديم لكل ما كُتب عن عالم الجنوب، خاصة ويليام فولكنر، وحتي يثبت ذلك قام واقفاً، كانوا جلوساً في القاعة البيضاوية، وراح يمشي حول المائدة ويتلو من الذاكرة المونولوج الشهير في رواية الصخب والعنف لويليام فولكنر، والذي يدور في عقل الأبله بانجي، ويعد من أصعب المقطوعات النثرية في الأدب المكتوب بالانجليزية، كان يحفظها عن ظهر قلب، يبدي ماركيز إعجابه بكلينتون وثقافته وقد كتب عنه مرة أخري عندما دُبرت له فضيحة مونيكا وكان عنوان المقال عن أقوي رجل في العالم الذي لا يستطيع أن يرضي نزوة، واضح أن هذا اللقاء كان بداية صداقة عميقة بين الروائي الأعظم وأهم رئيس أمريكي في النصف قرن الأخير والذي افتتح مكتبه كمحام في حي هارلم الذي كان منطقة مخيفة تصدر الجريمة والعنف، بعد استقرار كلينتون فيه أصبح أشهر مناطق منهاتن وأكثرها ثراء، تحول إلي منطقة سياسية، ويعتبر الزنوج كلينتون أول رئيس أسود في الولاياتالمتحدة لأنه تبني قضاياهم، كلينتون رثا ماركيز بعد وفاته، كذلك أوباما، ومعظم رؤساء العالم الذين يقرأون الأدب ويعرفون قدر جارثيا ماركيز وقيمته، ولكم تمنيت أن يصدر عن مصر بيان رئاسي، أو وزاري يرثي جارثيا ماركيز، خاصة أننا نتحدث كثيراً عن قوة مصر الناعمة، وتلك حقيقة، فتأثير مصر طوال تاريخها ينطلق من دورها الثقافي، ولكن منذ حوالي أربعة عقود تراجع هذا الدور لأسباب عديدة، ولن تقوم مصر بكامل طاقتها وتستعيد مكانتها إلا به، رثاء ماركيز من أعلي مستوي كان سيكون له أثر إيجابي في العالم وأصداء إيجابية علي جميع المستويات، خاصة أن الدولة تخوض معركة ضد الإرهاب والجهل، عندما يصبح في قمة السلطة يحفظ سطوراً لنجيب محفوظ ويعرف بعضاً من أشعار البهاء زهير والمتنبي وشوقي يمكن لنا أن نطمئن.