رجل الشرطة في بلدنا.. له احترامه ومقامه الرفيع.. وهو في مقام الأمرين بالمعروف.. والناهين عن المنكر.. وهو حلَّال المشاكل والعقد.. الذي يكافح الغش والاحتيال.. وكل مظاهر الخروج عن القوانين.. ولذلك فقد استحق.. رغم الغاء الالقاب.. ان يناديه الناس بكلمة »يا باشا«.. وان نقف امام شهداء الشرطة.. وقفة إجلال وتعظيم! وعرفت مصر رجل الشرطة المحترم.. في ايام الفراعنة باعتباره الممثل الشرعي لهيبة السلطة.. والرقيب الرسمي علي تنفيذ تعليماتها. ونواهيها.. وكان رجل الشرطة ايام المماليك يحتل مكانة متميزة.. وصحة جيدة.. وقواما ممشوقا.. ويضرب به المثل في نظافة المظهر.. والانضباط.. وعندما كانت عيون البسطاء تقع عليه.. يوقرونه ويحترمونه احتراما بالغا ويقرأون سورة الفلق.. خوفا عليه من الحسد. واستمر الحال علي نفس المنوال طوال حكم اسرة محمد علي مؤسس مصر الحديثة.. وظل رجل الشرطة يحتفظ بمكانته الرفيعة وزيه الرسمي المميز.. ونظافة المظهر الذي ينم عن نظافة الذمة.. وطهارة اليد.. وكانت مدارس الشرطة تدقق في اختيار المتقدمين للالتحاق بها.. وتجري التحريات السرية عن العائلات التي ينتمي لها طالب الالتحاق للتأكد من خلو هذه العائلات من ارباب السوابق.. ومحترفي الاجرام.. ولذلك فقد ضمت الشرطة في مصر.. النخب الرفيعة من ابناء العائلات الراقية.. الذين اضفوا علي جهاز الشرطة الكثير من الوجه الصالح والقول الراجح والالتزام التام بالقوانين واللوائح. وعلي الرغم من التغييرات الجوهرية التي احدثتها ثورة يوليو 2591 في الحياة الاجتماعية.. وفتح الابواب امام مجانية التعليم.. وحق كل مواطن في الحصول علي حقه في التعليم.. بحيث لا يختص به اهل طبقة دون طبقة.. إلا ان الشرطة المصرية ظلت علي عهدها في اختيار رجالها.. وفي اجراء التحريات المشروعة حول المتقدمين للالتحاق بها، بحيث تضمن في رجال الشرطة الجدد عدم مخالفتهم للتعليمات واللوائح.. والانضباط.. والمحافظة علي المظهر اللائق.. بالعائلة الشرطية. وهكذا استطاعت الشرطة المصرية.. ان تواكب الزمن.. وان يواكب مظهر رجل الشرطة في مصر.. المظهر الذي يبدو به رجل الشرطة في اكثر الدول تقدما.. من الانضباط.. وحسن الخلق.. فانت تستطيع.. وانت في اية دولة راقية ان تتعرف علي رجل الشرطة.. ليس فقط من زيه الرسمي.. وانما من الملامح المحايدة للوجه.. وانه لا يمثل اهل ملة او عقيدة.. دون ملة او عقيدة أخري.. او انه ينتمي لتيار دون تيار سياسي آخر.. لسبب بسيط.. هو انه يتعين ان يكون الشرطي.. هو رجل الشرطة لكل الناس وكل الفئات.. وكل الملل دون انحياز لملة علي حساب ملة أخري وان من حق كل مواطن ان يلمس هذه الحيادية من مجرد النظر. نظرة واحدة تكفي! نظرة واحدة.. ولو عن بعد.. تؤكد الحيادية.. المطلوبة في رجل الشرطة.. القاضي العادل الذي يحكم بين اصحاب الملل المتباينة.. وهو أشبه بنهر النيل الخالد في كلمات عبدالوهاب »حياتنا في ايده.. ربنا يزيده«! وقد اقتربت كثيرا من الشرطة الالمانية.. اثناء عملي الصحفي لسنوات طويلة في العاصمة الألمانية القديمة بون.. وكنت امارس رياضتي المفضلة وهي الرماية.. بمبني المباحث الجنائية الالمانية التي كان يرأسها الدكتور فريتشه.. ولم ألحظ يوما.. ان ضابطا او جنديا.. بمن فيهم الدكتور فريتشه قد اجري تغييرا في ملامحه.. باطلاق لحيته علي سبيل المثال.. ناهيكم عن الموظفين المدنيين الذين يعملون بالمكاتب.. بالزي الرسمي.. الشرطي! اريد ان اقول ان من اهم سمات رجل الشرطة.. انك تستطيع ان تتعرف عليه.. وعلي حياديته من التزامه بالتعليمات والاوامر واللوائح.. التي وافق علي اساسها علي العمل بهذا الجهاز الخطير.. الوثيق الصلة بكل ألوان الطيف في المجتمع. عندنا في مصر مشكلة.. تستحق منا وقفة تأمل.. وهي تتلخص في انه بعد اندلاع الحالة الثورية المجيدة في 52 يناير 1102 طالب عدد من ضباط الشرطة باطلاق لحاهم.. وشكلوا ائتلافا اطلقوا عليه اسم »ائتلاف الضباط الملتحين«.. واستندت وزارة الداخلية للقوانين واللوائح.. واوقفت الضباط الملتحين عن العمل.. الامر الذي ادي لنقل القضية برمتها للقضاء.. ومن المقرر أن تعقد محمكة القضاء الاداري جلسة خاصة يوم الاحد القادم لبحث الاستشكال الذي تقدم به وزير الداخلية لوقف تنفيذ حكم المحكمة الصادر لصالح الضباط الملتحين بعودتهم للعمل!! وكانت محكمة القضاء الإداري بالاسكندرية قد اصدرت حكما بأحقية الضباط الملتحين في العودة لعملهم وإلغاء قرار وزير الداخلية بإحالتهم للاحتياط.. وقام وزير الداخلية بالاستشكال في الحكم لوقف تنفيذه امام محكمة »التنفيذ« بالاسكندرية التي قضت بعدم اختصاصها بنظر الاستشكال وتغريم وزير الداخلية 004 جنيه.. مع إحالته للمحكمة المختصة.. وهي محكمة القضاء الإداري التي ستبحث الاستشكال الذي تقدم به وزير الداخلية يوم الاحد القادم! ومعني الكلام.. اننا امام حالة ستضيف المزيد من الاعباء والمشاكل التي تواجهها وزارة الداخلية عند فضها للمظاهرات والمليونيات التي اصابت حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والامنية.. بمخاطر السير في عرض الميدان. بلا خريطة تكشف لنا الطريق. ومن حقنا ان نسأل.. لماذا لم يرفع اعضاء ائتلاف الضباط الملتحين مطالبهم.. قبل اندلاع الحالة الثورية المجيدة في يناير الماضي؟ وتأتي الاجابة علي لسان احد قادة هذا الائتلاف.. بأن ثورة يناير هي التي شجعتنا علي الإعلان عن مطالبنا.. وما تم في البلد من تغيير بعد »الثورة« من حرية رأي وحرية عقيدة.. واذا طالبنا في عهد حبيب العادلي باطلاق اللحية كان سيتم استبعادنا من الخدمة نهائيا.. وكان من الممكن اعتقالنا في السجون.. وكنا وقتها لن نجد من يساندنا أو يرفع الظلم عنا!! السخيف في الموضوع ان ترتفع هذه المطالب في الوقت الذي نودع فيه شهداء الشرطة الذين يسقطون في ساحات الشرف وقدموا أرواحهم في حماية أمن الامة وسلامتها. وفي هذا الوقت الحاسم من تاريخ الوطن ترتفع دعوة البعض من رجال الشرطة لاطلاق اللحية.. وجرجرة وزارة الداخلية في المحاكم.. في مشهد يدعو للأسي والأسف في آن واحد. نحن الآن في انتظار الحكم الذي سيصدره قضاة محكمة القضاء الاداري يوم الاحد القادم وأتمني ان يظل رجل الشرطة في بلدنا.. في مقامه الرفيع بين عامة الشعب.. وان نظل نناديه ب»يا باشا« وان تظل زهرة »دقن الباشا« هي الزهرة المفضلة في كل القلوب العامرة بالحب! ش